المسلمون في الغرب : بين مطرقة داعش وسندان اليمين المتطرف

المتتبع لخطابات الجهاديين الموالين لتنظيمي القاعدة وداعش اتجاه المسلمين المقيمين في الغرب يكتشف أنها تنطبق في كثيرا من الأحيان مع آراء اليمين الغربي المتطرف الذي يرى في الجاليات المسلمة طابورا خامسا يهدد الديمقراطيات الغربية في عقر دارها. الجهاديون بُخرجون من الملة المسلمين الغربيين الذين لا يوافقونهم الرأي ويرفضون أعمالهم الإرهابية ضد العزل باسم الإسلام ويتهمونهم بالخيانة والردة. بينما يغتنم اليمين المتطرف المعادي للمسلمين الفرصة عند كل عملية إرهابية ليتهم المواطنين المسلمين بعدم الاكتراث لما يرتكبه المتطرفون الجهاديون من جرائم باسمهم وأن ذلك ينم عن “رضى خفي” عما يجري. وبين هذا ذاك يجد المسلم الغربي أو المقيم في الغرب نفسه بين مطرقة داعش وسندان اليمين المتطرف.

الإرهاب ليس من الإسلام
متظاهر مسلم يدعو لعدم الخلط بين الإرهاب والإسلام

عندما تلتقي إيديولوجية الجهاديين بخطاب اليمين المتطرف

تسعى الحركات الجهادية المتطرفة التى ترفع راية داعش كمؤشر لهويتها الإيديولوجية لتأليب الرأي العام الغربي ضد المواطنين المسلمين وخلق بيئة “حرب أهلية” تمكن التنظيم من نقل الحرب الدائرة في سوريا والعراق وليبيا ومصر واليمن، الخ، الى عقر دار الدول الغربية التي يعيش فيها ملايين المسلمين. قد يقول البعض أن ذلك متوقع بسبب انخراط هذه الدول في الحروب الأهلية الدائرة في العالم الإسلامي ودعمها لأطراف ضد أخرى ولأنظمة عربية ديكتاتورية عفى عنها الزمن، لكن ارتكاب جرائم القتل الجماعي للمدنيين في فرنسا وأمريكا باسم الإسلام والمسلمين وباسم “الخليفة” البغدادي وضع الجالية المسلمة في وضع لا تحسد عليه. فأنصار تنظيم داعش هللوا لهذه العمليات الإرهابية الإستعراضية انطلاقا من مبدأ “السن بالسن” وأغتنموا الفرصة لدعوة المسلمين من جديد بمغادرة “ديار الكفر” والهجرة “لدولة الخلافة”. هؤلاء الناس يقسمون العالم إلى ديار كفر وردة وديار خلافة وإسلام ويعتقدون جازمين في عصر العولمة الإقتصادية والثقافية والمالية أنهم بإمكانهم إقامة دولة منغلقة على العالم يتحكم فيها “خليفة” مدى الحياة بالإعتماد على الرؤية السلفية الوهابية لكيفية الوصول للحكم وإدارة الدولة. هم يرددون دائما بان ذلك هو “الإسلام الحقيقي” وغير ذلك بدع وردة. كذلك يفعل أنصار اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا إذ يرون في داعش “الإسلام الحقيقي” الذي يخيف المجتمعات الغربية الليبرالية وأن المسلمين غير الموالين للتنظيمات الجهادية، أو كما يصفونهم “بالمعتدلين”، لا يعرفون هذا “الإسلام الحقيقي” أو يمارسون “التقية”.

سعادة الجهاديين بفوز اليمين المتشدد الفرنسي

ولعل الفوز الأنتخابي الساحق لليمين المتطرف في فرنسا، والذي استفاد كثيرا من موجة الغضب التي عقبت مجازر باريس التي ارتكبها موالون لتنظيم الدولة الشهر الماضي، لأكبر دليل على نجاح استراتيجية داعش اتجاه الدول الديمقراطية والتي تسعى لتأليب الرأي العام الفرنسي ضد المسلمين ودفعهم للتقوقع والإنسحاب من الفضاء العمومي. نعم، هذا غريب لكن أنصار التيار الجهادي يريدون فوز اليمين المتطرف في فرنسا. وقد صرح أحدهم للصحفي الفرنسي دافيد ثومسون المختص في الحركات الجهادية والذي سأله : “لماذا ستكونون سعداء بفوز الجبهة الوطنية (حزب اليمين المتطرف) الفرنسية ؟” فأجاب الجهادي : “لأن ذلك سيشكل إهانة لأشباه المسلمين (الفرنسيين) الذين يدافعون عن مبادئ العلمانية” وأن ذلك “سيدفع المسلمين الحقيقيين للهجرة (لدولة الخلافة التي أعلنها البغدادي)”.

وبعد نشر نتائج الإنتخابات في فرنسا والتي أفرزت تقدما ساحقا لليمين المعادي للمهاجرين صرح أحد الجهاديين الموالين لداعش بأنه “مسرور لفوز الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف) لأن هذا الحزب هو الأقل نفاقا (بالمقارنة مع الأحزاب الأخرى التي حكمت في فرنسا). إنهم صريحون فيما يعتقدون (بخصوص المسلمين) وأنهم مختلفون عن الحزب الإشتراكي (الحاكم) الذي يقول بأنه يحترم المسلمين وأنه الأقل ضررا على المسلمين (وهذا ما يردده بعض الدعاة في فرنسا) ولكنه يقصف المسلمين في بلادهم (يقصد التدخل الفرنسي في سوريا ومالي) ولذلك فهو أسوء للمسلمين من الأحزاب الأخرى. حزب الجبهة الوطنية هو الأقل ضررا على المسلمين لأنه سيوقظهم من غفلتهم وسيدفعهم لحزم أمتعتهم (والهجرة لدولة الخلافة).”

هذا التصريح الخطير يلخص وجة نظر الجهاديين اتجاه الجالية المسلمة المقيمة في الغرب والتي يراها كعائق للحرب الكونية المزعومة بين الغرب والشرق، بين الإسلام والأديان والأمم الأخرى.  المسلمون الغربيون يراهم داعش كخزان بشري بعدم أن تمكن من تجنيد آلاف الشباب الأوروبيين للالتحاق به في سوريا والعراق. الكل يتذكر الغضب الشديد الذي انتاب أنصار تنظيم الدولة على مواقع التواصل وهم يرون مئات الآلاف من السوريين والعراقيين يغادرون بلادهم طالبين اللجوء في الدول الغربية “الكافرة” فكالوا لهم الشتائم بل وهناك من اتهمهم بالخروج من الملة بسبب تركهم لدولة الخلافة المزعومة والتوجه نحو “ديار الكفر”. المواطنون في سوريا والعراق وغيرهم ذاقوا مرارة العيش تحت سلطة الجهاديين السلفيين وأدركوا أن الحياة لا تطاق تحت حكم هذه الجماعة الفاشية ولذلك فضلوا ترك أوطانهم طمعا في حياة أفضل في أوروبا. دولة الخلافة البغدادية” لا تجذب في أوروبا إلا المغفلين من الشباب العربي الضائع والذي يصدق البروباغندا الجهادية على الأنترنيت التي تصور الحياة في الرقة والموصل على أنها أشبه ما تكون بالسياحة في المنتجعات الراقية وبصبغة إسلامية تحت رعاية الخليفة المزعوم.

كذلك فرح المتطرفون الإسلاميون الموالون لداعش والقاعدة بالتصريحات العنيفة التي أطلقها مؤخرا المرشح الجمهوري للانتخابات الأمريكية دونالد ترامب ضد المسلمين والتي دعا فيها إلى منع هؤلاء من الدخول للولايات المتحدة لتفادي الهجمات الإرهابية. وقرأنا على مواقع التواصل دعوات جديدة أطلقها المتعاطفون مع داعش للمسلمين يحثوهم على ضرورة مغادرة أوروبا وأمريكا والإلتحاق بصفوف داعش. والحقيقة أن أستراتيجية هذا التنظيم للتوسع سواء في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والدول الغربية واضحة : نشر الكراهية ضد المسلمين (السنة) بارتكاب أعمال إرهابية باسمهم وتأليب المجتمعات والطوائف التي يعيشون فيها ضدهم لدفعهم للانضمام لجماعة داعش التي تسعى في نهاية المطاف للظهور بمظهر المدافع الشرعي عن العرب والسنة بالتحديد والمحارب الوحيد ضد أعدائهم من الطوائف والقوميات الأخرى (السنة غير الجهاديين، الشيعة، الأكراد، الفرس، الغربيين، الخ). داعش يقسم العالم إلى قسمين : المسلمون العرب السنة ذوي التوجه السلفي الجهادي وبقية العالم، وهذا ما يريده المتطرفون اليمينيون في الغرب الذي يستعملون فزاعة التيار الجهادي لتخويف المجتمعات الغربية من الإسلام والمسلمين لحصد المزيد من الأصوات الإنتخابية.

وهذا ما حدث في فرنسا إذ حصل حزب الجبهة الوطنية (اليمين المتشدد) المعادي للمهاجرين على أكبر فوز انتخابي في تاريخه في الانتخابات المحلية التي جرت هذا الأسبوع بعدما قدم له داعش على طبق من ذهب أصوات ملايين الفرنسيين الغاضبين من العمليات الإرهابية المرتكبة باسم الإسلام والمسلمين في باريس. كما دفعت هذه العمليات الإرهابية إلى تشديد المراقبة على اللاجئين الهاربين من جحيم الحرب في سوريا والعراق وغلق الحدود أمامهم مخافة أن يتمكن داعش من الدفع ببعض أفراده للتسلل لأوروبا بين حشود اللاجئين. وهذا ما يخطط له داعش في الحقيقة إذ يسعى لثني السوريين والعراقيين عن الهروب لأوروبا بالإرهاب والعنف في دول اللجوء بعدما فشلت دعايته حول “الخلافة الفاضلة” في الميدان وأدرك الجميع بأنها ساحة يسود فيها القتل والذبح والسبي والصلب، والمسلمون هم ضحاياه الأوائل، باسم الدين ولأجل الخلافة (السلطة).

مسلمون غربيون ضد المتطرفين و لأجل إسلام الأنوار

المسلمون الفرنسيون سارعوا للنأي بأنفسهم عما ارتكبه المتطرفون باسمهم ونددوا بالإرهاب الذي شوه الدين. وخلف نداء المثقف الفرنسي المسلم محمد شيراني على تلفزيون “إي ثيلي” صدى واسع في الأوساط الإعلامية الفرنسية إذ توجه لداعش مباشرة بالفرنسية والعربية على الشاشة داعيا المسلمين إلى “جهاد الروح والمواطنة” ضد الإرهابيين الذين سرقوا الإسلام المتعايش والمتسامح وحولوه لإيديولوجية عنف وكراهية.

و لم يمر هذا التدخل الشجاع من مسلم فرنسي ألجم المشككين من اليمين المتطرف في وطنيته ومعارضته للإرهاب. فقد انهالت عليه فورا رسائل تضامن من الفرنسيين من مختلف الطوائف من جهة، وخطابات التهديد والوعيد من أنصار داعش الذين يرون في من لا يوافقهم الرأي من المسلمين بأنه خائن بائع لدينه وموالي للكفار من جهة أخرى. فهل ينذر ذلك بأن الحرب ضد إيديولوجية تنظيم الدولة سيقودها مسلمون غربيون ؟ لا شك أن المسلمين في الغرب يتمتعون بهامش حرية تفكير ونقد لا مثيل له في العالم الإسلامي ولذلك فمن الطبيعي أن يتصدوا للحركات الجهادية التي تريد فرض إيديولوجياتهم بالدم وتسعى للعيش في زمن آخر لا يوجد إلا في مخيلاتهم وفي مخيلات المشايخ الذين درسوهم. بالله عليكم، ما هي مصداقية شيخ سعودي عندما يقف ضد تنظيم الدولة والقاعدة ويصفهم بالخوارج؟ ألا يدري بأن الناس كلهم يعلمون أنه مجرد ناطق باسم القصر الملكي وأنه يفتي بما يحقق مصالح هذا الأخير ؟ وكذلك الأمر بالنسبة لكل علماء السلطان في كل مكان. المفكرون والمشايخ في العالم العربي لا يتمتعون بأية استقلالية عن السلطات السياسية التي توظفهم ففقدوا مصداقيتهم عند الرأي العام وفتحوا المجال للتنظيمات الجهادية المتأسلمة للظهور بمظهر الثائر المقاوم ضد الأنظمة العربية الديكتاتورية والغطرسة الغربية في آن واحد. وبالنظر لاحتكاك المسلمين الغربيين بالحداثة وتمتعهم بحرية الفكر والرأي، فذلك سيمكنهم بتشكيل نواة “إسلام الأنوار” – كما سماه المفكر مالك شبال – الذي لا يروق لا للجهاديين السلفيين ولا لليمين المتطرف الذي يتغذى على أعمالهم الإجرامية ؟ ذلك هو السبيل للعودة إلى المبادئ الإسلامية السمحة التي مكنت من تعايش العرب والفرس وغيرهم من الشعوب من إنقاذ وتطوير المعارف اليونانية في بغداد وبناء حضارة فريدة في الأندلس. عندئد سينتقل المسلمون من زمن الظلمات الذي يعيشونه اليوم إلى عصر الأنوار والحداثة.

الجزائر نت

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.