النهاية المأساوية لحكم بوتفليقة رسالة لكل للديكتاتوريين العرب

أعتقد الرئيس الجزائري الغائب عبد العزيز بوتفليقة وحاشيته أن الحكم لمدة عشرين عاما دون منازع سيستمر حتى لو كان طريح الفراش حفاظا على مصالح إخوانه وزمرة المنتفعين حوله من الريع البترولي. لكن الحراك الشعبي المقدس الذي انطلق بعفوية منذ أربعة أسابيع أخلط أوراق نظام لم يفكر يوما واحدا أن الحشود الشعبية ستطرده من قصر المرادية وسيخرج من الباب الضيق وهو الذي لا يزال يريد الموت على كرسي العرش كما يحلم كل الديكتاتوريين.

رضا الخارج بدلا عن الشرعية الشعبية

الشعوب العربية المضطهدة من طرف الأنظمة الرجعية هي الأكثر صبرا وتحملا لما تعانيه من قمع واستبداد. ولعل ذلك ما دفع الديكتاتوريين المتحكمين فيها للإعتقاد بأنه يمكن ترويضها والسيطرة على قرارها للأبد تارة بتخويفها من بعبع الإرهاب وتارة أخرى من التدخل الخارجي. والحقيقة أن الإٍرهاب يتغذى من الإضطهاد الذي تمارسه الأنظمة الرجعية ضد شعوبها. كما أن هذه الأنظمة هي التي تحتمي بالدعم الخارجي للإستمرار في الحكم. لذلك لا تقيم الأنظمة الرجعية وزنا للرأي العام المحلي فيما تسعى لكسب الرأي العام في الخارج لتزيين صورتها القبيحة. حلفاؤهم في الغرب يعرفون جيدا مدى جبنهم ونذالتهم لكن يستمرون في دعمهم حماية لمصالحهم الإقتصادية والجيوسياسية. ثم بالله عليكم، من يرفض اليوم التعامل مع ديكتاتور يبيع كل ثروات ومقدرات بلده لصالح من يحميه في الخارج؟ بما أن الشرعية ليست من الشعب وإنما من القوى الخارجية فالتبعية هي سبيل الديكتاتوريين العرب للإستمرار.

سياسة التخويف والوعيد

منذ أيام كان أحمد أويحي، الوزير الأول السابق في نظام بوتفليقة، يتباهى بقدرة النظام على التحكم في الشارع وفعلا تمكن في سنة 2014 من اقتطاف أي معارض للعهدة الرابعة في الشارع وإيداعه الحبس الإحتياطي ثم الإفراج عنه في نهاية اليوم. لكن إحتجاجات اليوم بالملايين ولن تتسع مقرات الشرطة لسجن شعب بأكمله. كما أن طابعها السلمي سبب إحراجا عميقا للنظام الذي كان بارعا في قمع أي احتجاج يخرج عن السيطرة. كما ذكر هذا الوزير سيئ الصيت بالمأساة السورية للحيلولة دون خروج الجزائر للتظاهر لكن ذلك باء بالفشل. بل أن استراتيجية التخويف التي اتبعها هي التي دفعت الناس للخروج سلميا كبرهان على تحضرها وتحديا لمن يشككون في نضجها.

مشكلة الأنظمة العربية الرجعية غلى غرار النظام الجزائري هي أنها تعامل الشعوب كالأطفال وتعتقد أن توفير قليل من الخبز والأمن لها كفيل بإبقائها في سبات عميق لعقود. الشعوب كسرت اليوم حاجز الخوف ولا سلاح لديها سوى الحناجر للصراخ والهواتف الذكية لتذكير العالم بأن هناك من يطالب بالحرية والعدالة وأنه لا يمكن الإستمرار في دعم حكم الفرد والعشيرة. طبعا حاول المنتفعون من النظام الإلتفاف على مطالب الشعب عبر تقديم تنازلات تبدو أنها واعدة لكنها كانت مجرد حيلة قذرة لربح المزيد من الوقت لإيجاد بديل لبوتفليقة وتمكين هذا الأخير من الخروج من الحكم بشكل يحفظ ماء وجهه. كما استمات أصحاب إيديولوجية “وجوب طاعة الأمراء” من جمهور التيار السلفي الوهابي التابع للسعودية (التي تقود مع الإمارات الثورة المصادة لإجهاض أي مشروع ديمقراطي في العالم العربي) في الهجوم على فكرة الإحتجاج السلمي لكن جهودهم باءت بالفشل. فلقد برهن لهم الجزائريون أن الجزائر ليست السعودية ولا يمكن لفتاوى موالاة السلاطين أن تغير مجرى الأحداث.

و عقدنا العزم أن تحيا الحزائر، فارحلوا فارحلوا فارحلوا…

وها هو اليوم بوتفليقة وزمرته يجدون أنفسهم أمام التاريخ : هل سينزلون من برجهم العاجي ويتركون الشعب يقرر مصيره؟ أم سيستمرون في التحايل وربح الوقت وربما اللجوء للعنف لقمع الإرادة الشعبية؟ إذا كان بوتفليقة يعتبر نفسه مجاهد فيجب تذكيره بأن مجاهدي ثورة 1954 رفعوا السلاح لتحرير الشعب الجزائري وليس للتحكم في مصيره عن طريق نظام رجعي فاسد فاقد للشرعية. وإذا كان مجرد ديكتاتور على الطريقة السوفييتية فليعلم أن ما بناه ستالين وخروتشوف وبريجنيف وغيرهم انهار في عام 1989. الديكتاتورية لا يمكنها الإستمرار ومن يحب بالفعل بلده وشعبه عليه أن ينسحب الآن وليس غدا. رياح التغيير التي تجتاح العالم العربي منذ 2011 لن تتوقف ولن يهنأ الديكتاتوريون العرب لأن العالم تغير والشعوب استفاقت من غفلتها. ثم أننا لسنا في سنوات السبعينات وعصر التعتيم الإعلامي والشعارات الديماغوجية البراقة. إن أنصار الثورة المضادة قد ينجحوا مرة أو مرتين لكنهم لن يستطيعوا إيقاف مسار التاريخ. التغيير لن يأتي من شيوخ تجاوزا الثمانيين، بل من شباب الألفية الثالثة الذي رددوا في شوارع العاصمة اليوم : ” و عقدنا العزم أن تحيا الجزائر، فارحلوا فارحلوا فارحلوا”.

الجزائر.نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.