من هم منبع الإرهاب؟

 من الغريب أن يهرول بعض القادة العرب هذه الأيام للإنخراط عسكريا مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لقصف تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في العراق وسوريا بحجة محاربة الإرهاب. هؤلاء الذين دعموا منذ ثلاث سنوات الجماعات الإسلامية المسلحة المختلفة التي تقاتل نظام بشار الأسد هم أنفسهم الذين حثوا أوباما للتدخل بشكل طارئ للحد من تمدد “داعش” في سوريا والعراق ووقف اقترابهم من حدودهم. تنظيم داعش المغرور بانتصاراته الأخيرة المتتالية على الفصائل المقاتلة في سوريا والجيشين السوري والعراقي بدا أقرب من أي وقت مضى من الكيان الكردي والحدود السعودية الكويتية وهذا ما يشكل “خطا أحمر” وخطرا على المصالح الأمريكية في المنطقة. فمن السهل إذا تفهم استنجاد “المحميات الأمريكية” المذعورة بالقوات الغربية للإحتماء من نيران “الدواعش” الهائجين. وهذا ما حدث بالفعل إذ تم إيقاف تمدد دولة البغدادي.

لكن بالعودة قليلا للوراء ندرك أن “داعش” و”النصكاريكاتير 2013-06-16رة” و”أحرار الشام” وغيرها من التنظيمات السلفية الراديكالية تلقت مساعدات مالية وعسكرية واسعة وفتاوى جهاد جاهزة من بعض مشايخ بعض دول الخليج التي انقلبت اليوم على “فرسان الحرية” الثائرين. ألم يفت بعض “علماء” و”دعاة” الإيديولوجية السعودية السلفية-الوهابية بضرورة الجهاد في سوريا وإسقاط حكم بشار الأسد “العلوي الكافر”؟ ألم يطلق “شيوخ البترودولار” فتاوى الجهاد بالنفس والمال لدعم الثورة السورية؟ ألم تدفع الفتاوى والبروباغندا بآلاف الشباب من الخليج وشمال إفريقيا وأوروبا وأمريكا للإنخراط في قتال السوريين في بلدهم ؟ فما سبب هذا التراجع في موقف مماليك النفط المذعورة من جحيم داعش حتى أضحت اليوم في مقدمة الدول المحاربة “للإرهاب”؟

يبدو أن هذه الدول فقدت السيطرة الإيديولوجية على مقاتليها الذين ذاقوا ذرعا بنفاق شيوخهم المحليين الذين يوجهون بوصلة الجهاد حسب أهواء أولياء أمورهم المعصومين. المقاتلين السعوديين الذين خرجوا من رحم الوهابية المتشددة والذين دُفعوا إلى القتال في سوريا سرعان ما اكتشفوا حجم خدعة شيوخهم الذين لطالما جندوا أجيالا من الشبان للقتال تحت راية “التوحيد” ولكنهم في الحقيقة مجرد أدوات في يد ولي الأمر المبجل وحلفائه الغربيين يتم التخلص منهم بعد نهاية مهمتهم “الجهادية”. فقد جندت السعودية في ثمانينات القرن الماضي آلاف المجاهدين لقتال القوات السوفييتية في أفغانستان معتمدة على فتاوى رجال الدين “السعوديين-الوهابيين” التي تنادي بضرورة قتال الشيوعيين الكفرة. ولكنها في الحقيقة كانت حربا نيابة عن الحليف الأمريكي في إطار الحرب الباردة ضد المعسكر الشرقي. ولذلك تم التنسيق بين السي آي آي و “فرسان الحرية” الموحدين المدعومين من مملكة آل سعود لطرد السوفييت وهناك تشكلت نواة تنظيم القاعدة الإرهابي. ولا داعي للخوض في تفاصيل انقلاب الشيوخ والأمراء على تنظيم القاعدة بعد نهاية الحرب واستدعائهم للقوات الأمريكية للتمركز في بلاد الحرمين لضرب العراق ومساندتهم للحرب ضد طالبان ثم تصفية وسجن الجهاديين القادمين من أفغانستان والشيشان بعدما أنجزوا واجبهم الجهادي وتحقيقهم؛ دون دراية، لمصالح أمراء النفط وحلفائهم الغربيين !

نفس الشيء تقريبا يحدث اليوم في سوريا. جحافل المجاهدين المندفعين من شتى بقاع العالم أنجزوا نصف المهمة التي خطط لها شيوخ وأمراء السعوهابية بالتعاون مع الدوائر الغربية. فقد هدموا سوريا وأنهكوا مقاتلي حزب الله وإيران خدمة للأجندة الخليجية-الأمريكية وربما أيضا الإسرائيلية. لكنهم لم يتمكنوا لحد الساعة من الإطاحة بالأسد. ولأن الحرب طالت وزاد معها تطرف “المجاهدين” -الذين اكتشفوا مرة أخرى نفاق المشايخ الذين يوجهون فتاواهم وآرائهم حسب مصالح الملوك وحلفائهم  وتورطوا في حرب أخرى بالوكالة- فإن الخطر الداهم اليوم ليس على نظام الأسد فحسب بل على هذه الدويلات أيضا التي يتمتع فيها تنظيم داعش بمساندة شعبية مقلقة حسب إحصائيات غربية. لذلك فإن ادعاء بعض قادة دول الخليج، خصوصا في السعودية، بأنهم يحاربون التطرف مجرد ذر للرماد في العيون لأن جميع الحركات الراديكالية في المنطقة تتغذى من أدبيات المشايخ الذين يوفرون لهم غطاء الشرعية أمام شعوبهم. هؤلاء الذين سخروا في قرون مضت و بصفة بشعة الدين  للسطو على الحكم بالقوة هم من يجندون اليوم “الشباب اليائس” لخوض حروب عصابات وإرهاب باسم الدين ولصالح القوى الإمبريالية. ولذلك فهؤلاء هم بدون شك منبع الإرهاب.

الجزائر.نت

ملاحظة: تم تحديث بعض مفردات هذا المقال في 12/02/2019 لكن الفكرة لم تتغير بعد ما يقارب 5 سنوات من نشره والدليل وضع سوريا اليوم وما آلت إليه الفصائل التي كانت تقاتل هناك باسم الدين. نعتذر للقراء إن كانت بعض المفردات المستعملة في النص السابق قد سبب إزعاجا لهم. نتقبل النقد بصدر رحب. شكرا على تعاونكم.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.