وعاظ السلاطين العرب : كهنة وأدوات تسويق وصناع رأي

قد يقول أحدهم، لماذا يتهجم الناس على العلماء و”لحومهم مسمومة” ؟ أليسوا بشرا يصيبون ويخطئون ؟ إذا ما على المواطن سوى حسن الظن فيهم والإصغاء لهم وطاعتهم والدعاء لهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها. هذه هي الرؤية التي يحاول المستفيدون من الوضع الراهن أن يفرضوها على الناس. فالشيخ أعلم منك بدينه وبملكه وبمصلحة عامة الناس الذين لا يفقهون شيئا في شؤون الحياة الدينية والدنيوية. هؤلاء “العلماء” يعتقدون أنهم من صفوة القوم ومن واجبهم الحيلولة دون مشاركة الناس وإبدائهم لآرائهم في الشؤون السياسية والإجتماعية فضلا عن الأمور الدينية. فاحتكار الرأي في جميع المسائل كفيل ليس فقط بحماية “تجارتهم ومناصبهم”، وإنما أيضا حماية الملوك والقادة المستبدين المحتكرين للثروة والسلطة. 

هوس مشايخ السلطان بوسائل الإعلام : من أشرطة الكاسيت إلى وسائل التواصل الاجتماعي

 بعد اختراع الألماني يوهان غوتنبرغ المطبعة في أواسط القرن الـ 15 م وطباعة الإنجيل تنبهت الكنيسة الكاثوليكية لأهمية الاتصال الجماهيري في الدعاية الدينية والسياسية وضرورة توظيفه للسيطرة على عقول الجماهير. وكذلك فعل المناضلون من أجل الحريات وحقوق العمال في أوروبا حتى بزوغ نجم وسائل الإتصال الجماهيرية أي السينما، في أواخر القرن الـ 19 م، ثم الراديو و التلفيزيون في القرن الـ20م. .

كذلك فعل رجال الدين في العالم العربي والإسلامي أسوة بالكتاب والصحافيين العرب بدءا بالصحافة المكتوبة إلى آخر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي. قد يتساءل القارئ : أليس من حق الدعاة والشيوخ استعمال الوسائل الحديثة لنشر الفضيلة ؟ والإجابة: نعم. لكن المشكلة تكمن في استعمالهم لهذه الوسائل لنشر الجهل وتشويه الرسالة السمحاء للإسلام بفتاويهم “حسب الطلب” ومساندتهم للأنظمة الإستبدادية فضلا عن زجهم بالشباب المحبط في براثين العنف والإرهاب. من منا في الجزائر لا يتذكر في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي الأشرطة المغناطيسية التي تصلنا من السعودية ومصر التي تنشر الخطابات النارية والفتاوى السياسية تحت غطاء الدعوة للدين وللمنهج الصحيح ؟ ألم تتسبب بعضها في نشر الأفكار الهدامة وتحويل الشباب المحبط إلى العنف كوسيلة للتغيير ؟ وبعد أن فتحت الفضائيات السعودية منابرها للمشايخ كقوة ناعمة لنشر منهج المملكة الوهابية في سائر أنحاء العالم وجلب التأييد الشعبي لسياسات ملوك آل سعود وحلفائهم الأمريكان في الشرق الأوسط. من منا لا يتذكر الفتاوى الدينية-السياسية لإضفاء شرعية تحالف آل سعود مع الأمريكان لاحتلال العراق ؟ 

دس الدعاية السياسية في أحشاء التجارة الدينية

الفضائيات التلفزيونية لازالت موجودة إلى يومنا هذا، لكن المشايخ – رجال الدين وصناع الرأي – انتبهوا للإعلام الجديد منذ بداية الألفية الجديدة وفهموا توجه الشعوب للانترنيت كوسيلة اتصال تفاعلية خارجة عن سيطرة الحكومات. فحجز كل شيخ موقع له على الإنترنيت ثم على وسائل التواصل لكن المحتوى والهدف لم يتغير. فكالعادة تقرأ فيه مزيج من الدعوة للفضيلة، وهذا عمل محمود، و الرسائل السياسية المساندة لسياسات الأمراء والملوك الفاسدين، وهذا عمل مذموم. 

الشيخ السعودي العريفي يتملق لملوكه وأمرائه الذين دفعوا الجزية لترامب مقابل حماية عروشهم من سخط شعوبهم

أيعتقد هؤلاء أننا نسينا الفتاوى – والتي جاءت تلبية لرغبات نفس الملوك – الداعية للجهاد المزعوم في سوريا وليبيا واليمن ؟ ألم تتسبب في تدمير البلدان وتشريد الملايين وتجويعهم ؟ أحلال دعم الجهاديين في سوريا وحرام انتقاد السلطان المحلي ؟ أي ازدواجية هذه ؟ وفي ظل الغياب التام للصحافة الحرة، ينفرد هؤلاء بالمنابر ليس فقط لنشر الفضيلة كما يزعمون، وإنما لتبرير سياسات ملوكهم وإن تعارضت مع الدين والأخلاق. 

الشيخ العريفي يبرر دينيا العدوان السعودي على اليمن والذي راح ضحيته الآلاف وكأن ذلك من الجهاد

أليس هذا النفاق هو الذي يدفع بعض الشباب الذي الذي تربى على خزعبلات مشايخ الدولار إلى الإرتماء في أحضان الجماعات الإرهابية التي تعدهم بالجنة في الدنيا والآخرة ؟ أو بالعكس دفعهم للإلحاد للتخلص من أدبيات الكهنة التي عفى عنها الزمن ؟ 

مشايخ البترودولار والدعاية التجارية : من بيع الأرز  والدفاع عن شركات التأمين إلى الترويج لتجارة العبيد

 تجارة الدين والسياسة لا تكفي المشايخ، فالمجتمع الذي ينشده هؤلاء هو مجتمع استهلاكي تسود فيه الدعاية التجارية ولو سخرت العواطف الدينية لبيع الأرز والعطور. فالشيخ هو قبل كل شيء رجل أعمال يجني الأموال من الدعاية التجارية الممزوجة بالرسائل الدينية للتأثير على المستهلكين. فهم ليسوا فقط صناع رأي وإنما أدواة تسويق للشركات المحلية (المقربة من السلطان وأعوانه).

الشيخ العريفي يروج لماركة أرز الشعلان السعودية  ويدسها في منشور عن زكاة الفطر

وأيضا أدواة للترويج لمشاريع شركات العقار الأجنبية … هؤلاء المشايخ بارعون في تسويق كل شيء من أكياس الأرز إلى الشقق الفارهة في تركيا.

الشيخ العريفي يروج لمشاريع عقارية في تركيا

بالإضافة لتقديم الخدمات لشركات التأمين السعودية عن طريق تخويف الناس من عواقب الاحتيال على هذه الشركات وهذا بالرغم من أن بعض مشايخ الوهابية حرموا أصلا التعامل مع شركات التأمين وشبهوا التأمين بالميسر ! أي تناقض هذا ؟

الشيخ السعودي عائض القرني في مهمة تخويف الزبائن من مغبة التحايل على شركات التأمين

هل تريدون المزيد ؟ الشيخ العريفي لا يتردد في الترويج لتجارة العبيد، أي العمالة الأجنبية، والتي تعاني من معاملة قاسية في السعودية (نظام الكفيل) لا تمت بصلة لأخلاق الإسلام وقد نددت بها العديد من المنظمات الحقوقية في العالم. هل هناك تشويه للدين  ولمكانة رجل الدين أكبر من هذا؟ 

الشيخ العريفي يروج لاستقدام الخادمات من آسيا وباسعار معقولة !

القائمة لاتزال طويلة ولو كرسنا عشرات المقالات لكذب ونفاق تجار الدين والأرز الذين أساؤوا للدين وحولوه لتجارة دنيوية. ولكن قبل أن ننهي المقال، نود أن ننبه أيضا لمهزلة أخرى ارتكبها كهنة السلطان السعوديين إزاء انتفاضة المقدسيين الأخيرة للدفاع عن المسجد الأقصى والتي أرغمت رئيس الوزراء الإسرائيلي على التراجع عن وضع كاميرات مراقبة في مداخل الحرم القدسي.  فبينما يقضي الملك سلمان وحاشيته الضخمة عطلته في طنجة المغربية، هرول كهنة السلطان لتصوير هذا التراجع الإسرائيلي وكأنه إنجاز لملكهم الفذ المدافع عن حرمات المسلمين !

مشايخ الوهابية السعوديين في أوج حماسهم للسلطان

لكن رد المقدسيين الذين دافعوا لوحدهم عن مقدساتهم لم يطل انتظاره.

وقد صرحت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الحكومة الإسرائيلية كانت تتخوف من ازدياد الاحتقان في بعض العواصم العربية المقربة (الرياض، القاهرة، عمان) والتي قد تقود لحراك شعبي قد يهدد هذه الأنظمة الموالية لمحور واشنطن-تل أبيب. بدون شك أن هؤلاء الكهنة يعلمون أن الناس بدأت تتنبه لتجارتهم الخاسرة وهم يفقدون المصداقية شيئا فشيئا. ويبدوا أنهم يجدون صعوبة في تكميم أفواه معارضيهم والدليل على ذلك الانتقادات اللاذعة التي يتعرضون لها على وسائل التواصل، وهذا ما لم يكن ممكنا في وسائل الإعلام التقليدية المملوكة للسلطان. 

بعد كل هذا، دعونا نعود للجملة الأولى في هذا المقال، ألا تزال لحوم العلماء مسمومة ؟ بالنسبة لنا لحوم الشعوب هى الأكثر سما وفتكا. وللحديث بقية.

الجزائر نت

لماذا دفع الوهابيون-السعوديون الجزية لترامب وهم صاغرون ؟

ترامب يرقص مع الملك السعودي كما رقص جورج بوش قبله

المتتبعون لشؤون العالم العربي أصيبوا بالذهول لحجم الجزية التي دفعها مؤخرا ملوك وأمراء الوهابية-السعودية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقابل تعهده بمواصلة بحماية عرش هؤلاء الصعاليك الذين يتحكمون في بلاد الحجاز منذ عقود طويلة. سياسة النفط والمال لأمريكا مقابل الحماية ليست جديدة بل تمتد جذورها لاتفاقية كوينسي 1945 التي جمعت مؤسس المملكة  الوهابية-السعودية الثالثة عبد الله بن عبد العزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت التي أسست للعلاقات بين المملكة وأمريكا : حماية العرش (من الخطر الداخلي أو الخارجي) مقابل النفط الرخيص. ومنذ ذلك الحين، لم يقتصر دور ملوك الوهابية-السعودية على تقاسم “غنائم النفط” مع الأمريكان ورمي الفتات لشعب الحجاز، بل تعداه للتدخل في شؤون الدول العربية التي لا تخدم المصالح الأمريكية الإسرائيلية ودعم جميع الحملات العسكرية الغربية في المنطقة. لماذا؟ لأن محاولة أي دولة عربية التخلص من الهيمنة الغربية في المنطقة يشكل تهديدا لحكم آل سعود الأوتقراطي الإستبدادي الذي يسعى لتزعم العرب والمسلمين وضمان

الرئيس فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود على متن طراد كوينسي(1945).

استمرار “الملكية الوراثية الوهابية” كنظام حكم أفضل للعرب (الذين لا تلائمهم الديمقراطية). وكأن المملكة قطعت عهدا على نفسها يتمثل في ردع أي نظام عربي لا يخضع للعباءة الأمريكية ضمانا لمصالح القوى الغربية من جهة، وحماية لنظام آل سعود الديني الوراثي من أي منافس على الزعامة في العالمين العربي والإسلامي من جهة أخرى.

الملكية الدينية المطلقة لقمع الداخل وخدمة الخارج 

فعلى الصعيد الداخلي، وبالإضافة لقمع وسجن وتقطيع رؤوس المعارضين على الطريقة الداعشية، يستمد النظام السعودي-الوهابي شرعيته من الإيديولوجية الوهابية التي تفرض على الرعية خضوعا تاما للملوك والمشايخ المتوارثين للحكم والثروة باعتباره ركنا من الدين (حسب تعاليم الوهابية) وسبيلا لنيل مرضاة الله. ولذلك يحرم الوهابيون الإنتخاب والديمقراطية والتعددية التي تهدد بدون شك سلطتهم وثروتهم. ويحرص هؤلاء على تطبيق الحدود على الضعفاء من الشعب والأجانب العرب والبنغاليين لمخادعة الناس وإيهامهم بأن النظام يطبق فعلا الشريعة وينبغي الخضوع له. والكل يعلم أن الأمراء والأجانب الغربيين يفلتون من العقاب ناهيك عن صمت المؤسسة الدينية في البلاد إزاء أعمال النهب والسلب التي يقترفها الأمراء وبذخهم وتضييعهم للمال العام في الملاهي الأوروربية والآسياوية. أما على الصعيد الخارجي، فيعتمد الأمراء الوهابيون-السعوديون على الثروة النفطية لخدمة إقتصاد الدول الغربية التي تضمن حمايتهم (من شعبهم أولا) والإغداق عليهم بالعطايا والتبرعات وصفقات الأسلحة والرشاوى حتى ترضى عنهم القوي الغربية.

الشيخ الوهابي العريفي يدعو أتباعه للإصطفاف وراء الملك السعودي وضيفة دونالد ترامب

الشر الذي يتجاوز الحدود

قد يتساءل أحدهم، أوليس من حق المملكة السعودية التحالف مع من تريد ؟ والإجابة بنعم. لكن التحالف لتبادل المصالح وليس لشراء الحماية من الشعب. وقد يقول آخر، ألا تفعل الدول العربية الأخرى نفس الشيء؟ والإجابة بنعم أيضا. كل الأنظمة العربية ديكتاتورية فاشية باستثناء تونس و بقدر أقل التجربة اللبنانية. لكن شر هذه الأنظمة العربية الإستبدادية لا يتجاوز في أغلب الأحيان حدودها وليس لها أي تأثير في محيطها، لذلك فهي غير قادرة على منع أي تحول ديمقراطي في البلدان الأخرى. أما شر النظام السعودي-الوهابي فلا يقتصر على شعب نجد والحجاز، بل هو عابر للحدود بسبب حرصه على نشر الإيديولوجية الوهابية لوأد أي أمل في نهضة الشعوب العربية والإسلامية وأي تحول لأنظمتها الديكتاتورية للديمقراطية باعتبارها حرام لا تجوز بينما الحكم الوراثي الإستبدادي حلال وجب الخضوع له.

بالله عليكم، من بإمكانه نفي الحقيقة الساطعة بأن أي زعزعة استقرار أي نظام عربي استبدادي سيفتح المجال للحركات السلفية الجهادية التي تسعى للسلطة على الحكم – على الطريقة الوهابية-السعودية – كما حدث في جزائر التسعينات وحديثا في سوريا وليبيا، الخ. الإيديولوجية الوهابية التي تصدرها مملكة آل سعود، وإن مكّنت هؤلاء على الصعيد الداخلي من إخضاع شعب الحجاز للحكم الوراثي الإستبدادي، فإنها تقف حجر عثر أمام أي تحول ثقافي وسياسي عربي نحو الديمقراطية والتعددية عبر إقصاء أي مشروع تقدمي.

ألم يعارض الوهابيون-السعوديون الثورة المصرية ودعموا العسكر للاستيلاء مجددا على مقاليد الحكم ليس كرها في الإخوان المسلمين (منافسيهم على الساحة الإيديولوجية) فحسب، وإنما خوفا من انتشار عدوى التحرر والديمقراطية في المنطقة  التي تهدد بدون شك حكمهم ومصالح القوى الغربية التي تحميهم. ألا يذكر القارئ وقوف النظام السعودي-الوهابي سابقا ضد الأنظمة العربية التقدمية في مصر جمال عبد الناصر وعراق صدام وغيرهم ؟ في تلك الحقبة أستعمل الوهابيون-السعوديون حجة دينية لخداع الشعب مفادها أن هؤلاء كفار بعثيين وجبت إزالتهم ولذلك وفروا كل الدعم للجيوش الأمريكية التي استقرت في الخليج لتدمير أي نظام عربي لا يخدمهم أو يهدد حليفهم الحقيقي الوحيد في المنطقة (إسرائيل)؟

موضة الخطاب الطائفي 

ألم يستعمل آل سعود الفزاعة الشيعية الإيرانية لمواصلة تضليل الرأي الداخلي وإبعاده أنظاره عن مشاكله الداخلية وثنيه عن أي محاولة لتغيير النظام الوهابي الوراثي ؟ ألم يغرر هؤلاء بصدام  حسين وساندوه في الحرب على إيران في الثمانينات ثم استضافوا المارينز ودمروا العراق بعد ذلك ؟ ألم يدعم الوهابيون-السعوديون الديكتاتور اليمني علي عبد الله صالح لعقود خوفا من صعود نجم الإخوان المسلمين والحوثيين في البلد قبل أن ينقلبوا عليه ويدمروا اليمن، ولا يزالون، مستعملين هذه المرة الفزاعة الشيعية-الإيرانية ؟ لم ينتظر الوهابيون-السعوديون أبدا المأساة السورية ولا الليبية ولا اليمنية لاستعمال الخطاب الطائفي لتبرير جزيتهم لترامب ونيتهم في إلهاء الرأي الداخلي وثنيه عن أي محاولة للتغيير. فقبل ذلك كما أسلفنا اعتبروا القوميين العرب كفارا والإخوان المسلمين مبتدعة والتقدميين والديمقراطيين العرب خارجين عن الملة متشبهين بالغرب (الذي يحمي عروشهم !). والخطاب الطائفي ضد الشيعة ما هو إلا فزاعة إيديولوجية جديدة لإلهاء الرأي الداخلي وربح بعض الوقت قبل أن يجرفهم سيل التغيير، وهو قادم لا محالة، سواء دفعوا الجزية أم لم يدفعوها.

وبصراحة، الجزية مفروضة على أي نظام عربي اختار استمداد مشروعيته من الخارج وليس من الداخل وهي ليست حكرا على النظام السعودي-الوهابي. لكن حجم عمالة ومكر هذا النظام فاق كل الحدود فضلا عن نشره للتطرف في العالمين العربي والإسلامي وتدميره لإسلام الأنوار وتشويهه لصورة الإنسان العربي والمسلم في العالم بإظهاره بمظهر “الإسلاماوي المتزمت، المتشدد، الذكوري، المرتشي، المستبد، المتاجر بالدين، الخاضع لسيده الأمريكي، السارق للنفط، الكابت للحريات، القاهر للنساء والأقليات، الفاجر في ملاهي الغرب والظاهر بمظهر المتدين التقي في بلده خداعا لنفسه ولشعبه، الخ”. مساوئ هذا النظام الفاشي تتعدى حدود نجد والحجاز وحجم الجزية التي دفعوها لترامب فاقت كل التوقعات (تتجاوز 400 مليار دولار) وهي كافية لتطوير قارة بأكملها، فهنيئا للأمريكان.

ما نقله ترامب قبل وصوله للحكم يعبر عن نظرة دونية لأل سعود : “السعودية لا شيء سوى أبواق متحرشين وجبناء لديهم المال ولا يملكون الشجاعة”. 

هل يعقل أن يدفع الوهابيون-السعوديون كل هذه الأموال لترامب الذي يحتقرهم ويعادي المسلمين بينما الآلاف في اليمن المجاور لهم يموتون جوعا ومرضا؟ أليس ذلك من يدفع بالشباب للإرتماء في أحضان الجماعات الإرهابية في محاولة يائسة لاسترداد شيئا من الكرامة ؟ لماذا يتظاهر إذا الوهابيون-السعوديون أمام ترامب بنيتهم محاربة الإرهاب إذا كانوا هم سبب الإرهاب أولا باستبدادهم ودفعهم للجزية لمن يحميهم من شعوبهم، وثانيا بنشرهم في كافة أنحاء العالم للفكر الوهابي المتطرف الذي يغلق الطريق أمام أي ثورة ثقافية وسياسية تحررية تعددية في العالم العربي؟  

وفي الختام، أي نظام سياسي لا بد وأن يدفع الجزية لضمان استمراره في الحكم. فإما أن يدفعها لشعبه الذي انتخبه، كما هو الحال بالنسبة للأنظمة الديمقراطية التي تتفانى في خدمة شعوبها، وإما أن يدفع لسيده الذي يحميه من الخارج كما هو الحال بالنسبة للأنظمة العربية الرجعية. لكن سيل التغيير الجارف قادم لمحالة عندما تفرغ خزائن أي الديكتاتور ويعجز عن دفع جزيته وهذا ما تعلمه الأسرة السعودية المالكة بدون شك. هذه مسألة وقت لا غير والسؤال الذي يطرح نفسه عندئد : هل سيدخل شعب نجد والحجاز – الذي رضع حليب الإيديولوجية الوهابية الإقصائية منذ قرون- في حرب دينية واقتتال على السلطة كما فعل الوهابيون الأوائل للسيطرة على البقاع المقدسة ؟ هذا ما يصبوا إليه النظام السعودي الحاكم بنشر الإيديولوجية الوهابية في الداخل والخارج التي تمنع أي تحول ديمقراطي أو تداول سلمي للسلطة وتجعل احتمال إقصائه من الحكم فرضية غير محمودة العواقب.

الجزائر نت

 

 

 

 

 

 

ما حقيقة الحلف السعودي ’’الإسلامي‘‘ ضد الإرهاب ؟

ولي ولي العهد السعودي وهو يعلن عن تشكيل تحالف إسلامي بقيادة سعودية ضد الإرهاب
ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وهو يعلن عن تشكيل تحالف إسلامي بقيادة سعودية ضد الإرهاب

أعلنت المملكة العربية السعودية في الأسابيع الأخيرة عن حلف يضم 34 دولة تعتبرها “إسلامية” ضد الإرهاب وهو في الحقيقة تحالف لسد الطريق أمام تنظيم “داعش”، التنظيم الذي استولى في الأعوام الأخيرة على أجزاء واسعة من العراق وسوريا ويتمدد في اليمن ومصر وليبيا. جاء الإعلان عن هذا الحلف الجديد بالموازاة مع إعلان فاعلين آخرين من الدول الغربية، كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، والإقليمية، كالعراق وسوريا وإيران، بالإضافة لروسيا عن مزيد من التعاون في هذا المجال. كل هؤلاء أعلنوا الحرب ضد ما يسمى “الإرهاب”. وتصنيف الأطراف المتنافسة في الشرق الأوسط للمجموعات الإرهابية يختلف حسب مصالحها في المنطقة. فالنظام السوري وحلفائه يعتبرون تنظيم الدولة وجبهة النصرة (ذراع القاعدة في سوريا) وعشرات الجماعات المسلحة الأخرى منظمات إرهابية. بينما ترى السعودية وحلفائها أن تنظيم الدولة هو الخطر الداهم الأكبر رغم أنه يؤدي دورا أساسيا في الحرب ضد أعدائها في سوريا : نظام الأسد وإيران وحزب الله اللبناني. فما الذي دفع بالأسرة الحاكمة في السعودية إلى الإعلان عن حلفها “الإسلامي” ضد الإرهاب ؟ ولماذا لم يضم هذا الحلف دولا محورية كسوريا و العراق وإيران؟

الإعلان السعودي جاء في الوقت الذي تكثف فيه روسيا من جهودها العسكرية لمساعدة قوات الأسد لاستعادة زمام المبادرة في الحرب الأهلية التي تعصف بهذا البلد منذ 5 سنوات والتي أدت إلى صعود نجم المتطرفين الجهاديين وسيطرتهم على مفاصل المعارضة السورية وتحويلهم للصراع الدائر هناك إلى حرب مذهبية طائفية تكرس التنافس الإيراني-الشيعي السعودي-الوهابي على الزعامة في العالم الاسلامي. لكن “داعش”، وهو تنظيم سلفي-جهادي، كسب معركة القلوب والعقول وفرض نفسه في أوساط السلفية الجهادية كفاعل سني قوي في العراق وسوريا يمكن أن يهدد شرعية المملكة السعودية القائمة على زعامة السنة في العالم باعتبارها أرض الحرمين والدولة السنية الوحيدة التي تطبق الإسلام، حسب فهم التيار السعودي-الوهابي للشريعة.

الوهابية والليبرالية كأدوات للسياسات الداخلية والخارجية

من المعلوم أن شرعية النظام الحاكم في الرياض مبني على تطبيق العائلة المالكة الصارم لتعاليم الوهابية، وهي تيار سني ينشد العودة “للإسلام الصافي النقي” حسب فهم السلف للشريعة وضع أركانه الشيخ محمد عبد الوهاب في القرن الثامن عشر في الجزيرة العربية بالتعاون مع محمد بن سعود كحجر أساس للدولة السعودية الأولى عام 1744. ولا تختلف إيديولوجية الدولة السعودية الحديثة، التي أسسها عبد العزيز بن سعود في أوائل القرن العشرين بدعم بريطاني على أنقاض الخلافة العثمانية، عن الأفكار ألأولى للوهابية-السعودية باعتبارها حركة دعوية سلفية (غطاء إيديولوجي) من جهة، وحكم ملكي مطلق (نظام سياسي) يتوارث فيه آل سعود المناصب السياسية وآل الشيخ (محمد عبد الوهاب) المناصب الدينية من جهة أخرى. ويبرر النظام السعودي-الوهابي (بشقيه السياسي والديني) مشروعيته عند جمهور المسلمين باعتباره خادم وحيد للأماكن المقدسة وحامي الشريعة الإسلامية (السنية) عن طريق مئات من الدعاة والمشايخ. ويتوفر رجال الدين الموالون للسلطة على أفضل المنابر الإعلامية في العالم الإسلامي للدفاع عن الدعوة الوهابية النجدية باعتبارها “الإسلام الصحيح” والنظام الحاكم باعتباره “حتمية دينية” لا يجوز الخروج عنه أو انتقاده أو حتى التفكير في إصلاحه “ما لم يعلن كفر بواح ويمنع الصلاة”، وهذا بالطبع لن يحدث مما يضمن استمرار الحكم الوراثي تحت غطاء ديني.

أما على الجبهة الخارجية، أي على الساحة الدولية، فيعتمد النظام السعودي-الوهابي المعاصر على علاقاته الوثيقة بالمعسكر الغربي الليبرالي منذ نشأته وتحالفه التاريخي مع الولايات المتحدة منذ اتفاقية كوينسي (1945) الشهيرة (النفط مقابل الحماية) التي تربط مصير العائلة السعودية المالكية والمشايخ الوهابيين المتحالفين معهم بأكبر قوة عسكرية وسياسية في التاريخ الحديث. ورغم التناقض الصارخ بين الخطاب السعودي-الوهابي المحافظ المعادي للحداثة الموجه لجمهور المسلمين داخل وخارج حدود المملكة، والسياسة الخارجية الموالية للمعسكر الليبرالي الأنجلوساكسوني ، فإن المملكة لا تزال تدير بشكل بارع الحرب الإيديولوجية على المستويين الداخلي والخارجي للحفاظ على النظام السياسي-الديني القائم.

فيديو دعائي يتعرض لاتفاقية كوينسي
لقطة من فيديو دعائي لتنظيم داعش الإرهابي يتعرض لاتفاقية كوينسي بين بن سعود وفرانكلين روزفلت عام 1945

غيرة المملكة السعودية من “دولة الخلافة” الفتية

لكن إعلان أبو بكر بكر البغدادي في شهر جوان/حزيران 2014 عن قيام دولة “الخلافة الإسلامية” دق ناقوس الخطر في الرياض باعتبار أن هذه الخطوة هي تهديد واضح لأركان الدولة السعودية التي تحتكر “التراث الوهابي” الذي يشكل حجر الأساس للنظام القائم في الجزيرة العربية منذ الدولة السعودية الأولى. تنظيم “الدولة الإسلامية” لا ينتقد الإيديولوجية الوهابية التي تقوم عليها المملكة كما يفعل خصوم آل سعود، لا، بل يستولي عليها و “يصفيها” من الشوائب التي علقت بها على مر السنين، وهنا مكمن الخطر بالنسبة للنظام السعودي. فتنظيم الدولة الإسلامية لا يعترف بالنظام السعودي الحالي ولا بمشايخه وعلمائه ويعتبره “خائنا” للدعوة الوهابية النجدية الأصلية بسبب ارتمائه في أحضان المعسكر الغربي وخدمته لمصالح “أعداء الإسلام” حسب اعتقاده.

دعونا نعود للعلاقات الوثيقة بين النظام السعودي والمجاهدين العرب الأفغان إبان الحرب السوفيتية-الأفغانية (1979-1989)، فقد قاد النظام السعودي بشقيه السياسي والديني بالتعاون مع الولايات المتحدة – في إطار الحرب الباردة – “الجهاد” ضد السوفييت “الملاحدة”. وقام أسامة بن لادن، بدعم من العائلة المالكة وعلمائها الرسميين، بدور مهم في قيادة الجهاديين العرب وتمويلهم إبان الحرب. وبعد انتهاء الحرب عاد أسامة إلى بلاده وبدأ في انتقاد سياسيات العائلة المالكة، لا سيما بعد إفتاء علماء البلاط بجواز الإستعانة بالجنود الأمريكان واستضافتهم في أرض الحرمين لشن الحرب ضد قوات صدام حسين التي غزت الكويت. ومنذ ذلك الحين أصبح بن لادن، زعيم القاعدة التي تأسست في أفغانستان في أواخر الثمانيات، خصما لآل سعود ولعلمائهم. كذلك يفعل “تنظيم الدولة الإسلامية”، وهو وريث تنظيم القاعدة، فلا يعترف ليس بشرعية النظام السعودي فحسب، بل بجميع الأنظمة العربية.

فيديو دعائي لتنظيم الدولة 36
لقطة من فيديو دعائي لتنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي – يظهر فيه الملك فيصل والرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون – ينتقد فيه النظام السعودي ويندد بتحالفه التاريخي مع الأمريكان

لكن خطره الإيديولوجي تضاعف بعدما أعلن الخلافة الإسلامية عام 2014 في تحد واضح لزعامة تنظيم القاعدة للتيار السلفي الجهادي من جهة، ومن جهة أخرى للنظام الملكي السعودي الذي يتزعم ويستغل التيار السلفي-الوهابي للحفاظ على الحكم كما أسلفنا الذكر. هناك إذا ما يشبه “غيرة” سعودية من تنظيم الدولة الإسلامية الذي يتبنى الرسالة الوهابية الأصلية ولا يأبه – كما يفعل آل سعود – لمقتضيات العصر وما تمليه من تنازلات سياسية لصالح القوى الغربية.

الحلف “الإسلامي” السعودي يواجه مشروع الخلافة

إعلان المملكة السعودية على لسان ولي ولي العهد عن تكوين حلف إسلامي (سني) تحت قيادة سعودية ليس ضد الإرهاب بمفهومه الشائع، كما يبدو للمتتبع للشأن السعودي، وإنما ضد القوى الجهادية التي تسعى لإحياء “مشروع الخلافة” الذي يقوده تنظيم الدولة في أيامنا هذه. فمفهوم الإرهاب غير واضح المعالم ويتغير بتغير الظروف ومصالح الدول : فالمجاهدين العرب الأفغان الذين أسسوا تنظيم القاعدة في أواخر الثمانينات كانوا “ثوار حرية” بالنسبة للقوى الغربية المعادية للسوفييت قبل أن يتحولوا لإرهابيين عندما وجهت القاعدة بنادقها ضد المصالح السعودية والغربية. وتنظيم “الدولة الإسلامية” لم يتعرض له أحد عندما كان يقترف المجازر ضد الأقليات الدينية والعرقية في العراق منذ 2006 ويفجر يوميا الشوارع والأسواق باعتباره سد منيعا أمام النفوذ الإيراني المتزايد في البلاد، لكنه أضحى “إرهابيا” عندما أعلن خلافته المزعومة وأصبح يهدد الدول العربية “السنية”.

وحسب اعتقادنا فإن القرار السعودي بإنشاء وتزعم حلف إسلامي ضد الإرهاب يمكن قراءته من زوايا متعددة : أولا، أن هذا التحالف النظري في الوقت الراهن هو بمثابة رد على الأصوات المتزايدة في الدول الغربية بشأن مسؤولية المملكة السعودية عن انتشار التيار الجهادي بسبب تطابق الإيديولوجية الوهابية-السعودية الرسمية مع إيديولوجية “داعش” ، على الأقل من الناحية النظرية، إضافة لغض السلطات الطرف عن الأثرياء السعوديين الذين يتبرعون بالأموال للتنظيمات الجهادية المختلفة في سوريا والعراق. ثانيا، محاولة إثبات الدور السعودي الضروري في إطار ما يسمى “الحرب على الإرهاب” بالنظر لتزعم المملكة للتيار السني في العالم وخشيتها من تقارب غربي أكبر مع إيران، غريمها الشيعي، في إطار الحرب الشاملة ضد التطرف والإرهاب. ثالثا، إيصال رسالة قوية لتنظيم الدولة الإسلامية لثنيه عن استهداف المملكة ونظامها الديني-السياسي وحثه على توجيه سهامه نحو أعداء السعودية في المنطقة (طهران، بغداد، دمشق). وبغض النظر عن جدوى الحلف “الإسلامي” السعودي ضد الإرهاب، والذي لا يضم العراق وسوريا وإيران والجزائر لأسباب سياسية معروفة، وهي دول محورية في الحرب ضد الإرهاب، فإن سلطات الرياض لا تنوي القضاء فعلا على من يحارب أعدائها في دمشق وبغداد وإنما تريد تقليص خطرهم والاحتماء من عدوى “الخلافة” التي ينشرها تنظيم الدولة والتي تلقى ترحيبا شعبيا متزايدا في الأوساط السنية ليس في العراق وسوريا فحسب وإنما على أراضي المملكة نفسها، وهذا الخطر الداخلي يشكل أكبر تحد لنظام الحكم السعودي-الوهابي الحالي في الجزيرة العربية. ونحن ننتهي من كتابة مقالنا هذا، خرج علينا اليوم أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم “داعش” الإرهابي، منددا في خطاب صوتي بالحلف السعودي الجديد ضد الإرهاب ومعترفا بأن دولته هي المستهدفة من وراء هذا القرار … وللحديث بقية.

الجزائر نت

 


 

بعد مجازر ’’داعش‘‘ في بيروت وباريس : هل هناك ازدواجية في مواقف الإعلام العربي؟

المثقف العربي يتحمل جزءا من المسؤولية فيما يجري اليوم في البلدان العربية أين تنتشر ثقافة الكراهية والعنف والرفض التام للخطاب العقلاني لفائدة نظرية المؤامرة. المثقف العربي يده مغلولة وهو تابع لأميره وزعيمه وشيخه – وغالبا ما يقبل ذلك – ولذلك فهو جزء من المنظومة السياسية الاستبدادية التي أنتجت لنا القاعدة وداعش وغيرها من الحركات المتطرفة. المثقف العربي اليوم لا يدافع عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان كحرية التعبير والمشاركة السياسية والعدالة النزيهة الكفيلة بخلق بيئة اجتماعية سليمة ومتماسكة. لا أبدا. علم داعشهو يدافع عن مصالح الأمير والزعيم والخليفة وبيرر ذلك تارة “بنعمة الأمن والأمان” وتارة أخرى بالدين والقومية وغير ذلك. هذا المثقف – و قد يكون شيخ أو معلم أو مسؤول أو صحفي – يمهد بذلك لنشأة جيل غير قادر على التغيير ولا يؤمن بالخطاب العقلاني الذي يساعده على فهم أسباب تخلفه ويميل لنظريات المؤامرة الخارقة لتبرير وضعة المزري ويحمل الآخرين المسؤولية باعتباره دائما هو الضحية. هذا المثقف هو الحليف الأكبر للأنظمة الديكتاتورية العربية التي فرخت أجيالا من اليائسين الذين امتطوا “سفينة الإرهاب” كوسيلة للتعبير والتغيير.

هؤلاء القتلة اليائسين هم من فجروا البارحة أنفسهم في بيروت واليوم في باريس وهم يعتقدون جازمين أنهم يحسنون صنعا. كيف وصل الحال بالإنسان العربي إلى اقتناعه بأن تفجير الشوارع والأسواق بالأحزمة الناسفة وقتل المارة هو عمل محمود ؟ هل هناك كراهية ويأس أكبر من ذلك ؟ البعض ينظر للجهاديين السلفيين بأنهم ضحايا أنتجتهم الديكتاتوريات العربية المدعومة من الديمقراطيات الغربية. آخرون يعودون للنص الديني السلفي-الوهابي المتزمت الذي لا يقبل التغييرات الحالية التي تفرضها العولمة، فيلجأ للتقوقع على الذات، ويحملونه مسؤولية التطرف الديني. بينما يميل البعض الآخر إلى تفسير ظاهرة الإرهاب إلى الوضع السياسي العربي (الديكتاتورية) وانخراط القوى الغربية في حروب ضد بعض الدول العربية (العراق وليبيا وسوريا) ونشرها “للفوضى الخلاقة” بالإضافة للانقسام الطائفي والعرقي الذي يغذيه التنافس السعودي الإيراني على الزعامة في الشرق الأوسط. فما هي مسؤولية صناع الرأي العرب في هذه الأوقات العصيبة ؟ ما موقفهم من الفظائع التي ارتكبها مؤخرا تنظيم الدولة الإسلامية ضد المدنيين العزل في بيروت وباريس ؟ هل كانت هناك ازدواجية في المواقف بالنظر لانخراط الجهات التي تمولهم في الحروب الدائرة في المنطقة ؟
للإجابة عن هذه التساؤلات أرتأينا أن نعرج على موقع تويتر لكشف موقف بعض الشخصيات الإعلامية العربية من العمليتين الإرهابيتين التي اقترفها تنظيم الدولة وأودت بحياة ما يقرب من 200 مدني في بيروت وباريس.

فهذا أياد أبو شقرا، صحفي بجريدة الشرق الأوسط السعودية الصادرة في لندن، لا يجد حرجا في قبول مجزرة بيروت متمهما الضحايا – وهم مدنيون – بأنهم من أتباع إيران وأجانب ولذلك فهم يستحقون ما حل بهم.

لكنه يعاتب داعش فيما يخص مجزرة باريس لأن ذلك يخدم حسبه “أعداء الإسلام”. فهل ما حدث ببيروت عمل محمود يخدم الإسلام ؟ أم انها العنصرية المذهبية المقيتة ؟

هو لم يغضب مما حدث بباريس لدوافع أخلاقية ترفض قتل العزل في الشوارع والمقاهي، بل لأسباب سياسية خوفا من استثمار إيران (عدو السعودية) للحادث.

أما المهرج الجزائري أنور مالك – غوبلز آل سعود الجديد وخادم آلتهم الدعائية والذي يقدم نفسه كناشط حقوقي – فقد توعد اللبنانيين بالمزيد من الدماء مادام حزب الله موجود. وهو بذلك يساند علانية مجزرة داعش في بيروت ويردد وجهة النظر السعودية حول الوضع الداخلي اللبناني. 

بالمقابل فإنه يدين بسرعة جريمة داعش في باريس. ما سر هذه الإزدواجية ؟ هو لايملك خيار آخر فهو لاجئ في فرنسا منذ سنوات ويدرك أنه سيخسر إقامته هناك وسيطرد من البلاد بسبب دعمه للإرهاب. زد على ذلك فإن ذلك لا يصب في مصلحة الإيديولوجية الوهابية-السعودية التي كشف داعش حقيقتها.

وكسائر المهرجين الذي نراهم في الفضائيات العربية، فهو يلجأ لخطاب المؤامرة لتفسير العملية الإرهابية التي تقف وراءها “جهة ما” (ربما أعداءه في إيران أو سوريا) ويرفض الإعتراف بتورط داعش. هو يدين العملية فقط لأنها لا تخدم الأطراف التي تدعم الجماعات الجهادية في سوريا وعلى رأسهم السعودية.


اما صحفي قناة الجزيرة فيصل القاسم فلم يقل شيئا بخصوص مجزرة بيروت ولم يدن داعش بل اتهم بدوره إيران ! بالنسبه له المدنيين الضحايا هم بسبب تدخل إيران لأن – حسب الموالين لمحور الإعتدال القطري السعودي- كل مدني شيعي هو بالضرورة عميل إيراني دمه حلال.

لكن فيما يخص مجزرة باريس فيسارع فيصل القاسم بدوره لتحريك نظرية المؤامرة لتغليط الرأي العام، فهو لا يدين جريمة داعش، بل يتهم “جهات مخابراتية كبيرة” بالتورط فيها !


لكن ما هذه الأطراف المتورطة في مجزرة باريس ؟ بدون شك إيران وسوريا وربما روسيا. دائما يبرئ داعش ويغالط الرأي العام بخطاب المؤامرة. إن لم تستح فقل ما شئت !

أما الصحفي “الدكتور” أحمد موفق زيدان، مدير مكتب الجزيرة في باكستان، فإنه يحمل مجزرة بيروت لمن أشعل الحرب في سوريا. من هم ؟ السعودية ؟ قطر ؟ لا. إنما الأسد وحزب الله وإيران. لذلك فلا داعي لمعاتبة داعش الذي أعترف بجريمته.

لكنه يسارع لإدانة مجزرة  باريس رغم عدم رضاه عن التغطية الإعلامية. موفق زيدان مرغم على إدانة عملية باريس خصوصا وأنه سبق وأن صنفته وكالة المخابرات الأمريكية كعضو في تنظيم القاعدة.

أما “المحلحل” السياسي الفلسطيني ياسر الزعاترة الذي تستضيفه دوما الجزيرة وغيرها من القنوات الخليجية للتعليق على أحداث المنطقة فيلوم العالم على تضامنهم مع ضحايا تفجير بيروت. بالنسبة له إيران هي المسؤولة ولا داعي للوم داعش.


ولكنه يغير لهجته ليبدو غير راضي عن مجزرة باريس، لكنه لا يدينها، لأنها – على عكس مجزرة بيروت لا تخدم ‘فكرة الجهاد”. كيف ذلك ؟ لأن العالم قد يصدق فكرة أن “الدواعش تكفيريين” كما تقول إيران وسوريا وهذا غير مقبول !

وهذا المعارض السوري المقيم في لندن بسام جعارة، والذي تستضيفه دوما الفضائيات الخليجية الداعمة للمعارضة في سوريا، فلا يرى حرجا في قتل المدنيين في بيروت  بل ويهاجم “الأوباش” الذين ترحموا على أرواح الضحايا !

ولأنه يدافع كسائر المرتزقة الذين توظفهم السعودية عن تورط المملكة في نشر الوهابية الجهادية التي تدين بها داعش والقاعدة، فإنه يطلب من “خنازير لبنان” الكف عن اتهام آل سعود بدعم الإرهاب.

وبعد مجزرة باريس، ها هو بسام جعارة يهاجم من جديد “الخنازير” العرب والعجم المترحمين على الضحايا المدنيين في بيروت و باريس !

كمنا يرى القارئ فإن الكثير من المثقفين والإعلاميين العرب هم أطراف مشاركة في نشر ثقافة الكراهية وتبرير القتل العشوائي للمدنيين ولو تظاهروا بمعارضتهم لمجازر تنظيم داعش الفاشي في اوروبا. ذلك يفسر عدم اكتراثهم لمئات العمليات الإنتحارية التي يقترفها تنظيم الدولة في سوريا ولبنان والعراق وليبيا باعتبار أن ذلك يصب في مصلحة الجهة التي توظفهم. هؤلاء لا يملكون أي مبادئ أخلاقية ترفض القتل الجماعي للمدنيين في البلدان العربية مهما كانت الدوافع لأنه رغم كل الخلافات العربية-العربية-الإيرانية حول سوريا واليمن والعراق فإنه مبدئيا ينبغي رفض إرهاب داعش التي يقتل الأبرياء قبل غيرهم. كذلك يفعل شيوخ السلاطين الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الفضائيات إذ لا يدينون داعش إلا عندما يرتكب تفجيرات في بلدانهم (السعودية مثلا) أما في لبنان وسوريا والعراق وليبيا فلا بأس إذا كان ذلك يساهم في تأجيج الحرب المذهبية التي تخوضها دول المنطقة. إن إدانة المؤسسات الدينية الرسمية الخليجية لجريمة باريس وسكوتها عن جريمة بيروت لدليل قاطع على الانهيار الأخلاقي الذي تعيشه المجتمعات العربية بعدما فشل مثقفوها في نشر قيم التسامح والتعايش والسلام وانخراطهم في نشر الكراهية والموت التي تخدم في الأساس الأنظمة الديكتاتورية التي توظفهم. وإن انخراطهم في البروباغندا لصالح الأنظمة العربية الديكتاتورية وسعيهم الحثيث لنشر أفكار المؤامرة لتفسير “ظاهرة داعش” لدليل على افتقادهم لروح لمسؤولية ورغبتهم في تظليل للرأي العام. أليس هؤلاء “الأوباش” – كما قال بسام جعارة لمن لا يشاطرونه الرأي – هم المسؤولون  عن نشر الفكر الإنهزامي غير العقلاني والمتطرف والمتآمر المتوافق مع رؤى الأنظمة الديكتاتورية العربية والذي فرخ داعش وغيرها من الحركات الفاشية التي تنخر المجتمعات العربية والإسلامية ؟

الجزائر نت


 

 

عن شَعبية ’’الخطاب الشعبوي‘‘ في الجَزائر وانتشاره على شبكات التوَاصل الاجتماعي

فكرة هذا المقال ترجع لخبر نشرته جريدة “الخبر” الجزائرية والذي يعرض شريط فيديو لجندي جزائري يتوعد فيه القوات الإسرائيلية “بالقتل والذبح” معلنا مساندته اللامشروطة للشعب الفلسطيني. إلى هذه اللحظة الخبر يبدو عاديا إذ أن الجندي يعبر بدون شك عن غضبه من الوضع المزري الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الإحتلال ويأسه من رد الفعل العربي الرسمي المتخاذل اتجاه “انتفاضة السكاكين”. لا شك أن معظم الشعوب العربية وغير العربية التي تساند المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني في الحرية تتفهم غضب هذا الجندي، لكن تعليقنا على مضمون الرسالة التي بثها الجندي هو الذي أشعل النقاش على صفحة جريدة الخبر على موقع فيسبوك.

فقد علقنا باسم الجزائر.نت على الخبر قائلين : أن خطاب “الجندي شعبوي لا يدرك أنه يجب تحرير البلاد (أي الجزائر) وإقامة دولة القانون قبل تحرير الآخرين. هو لا يدري أن جيش إسرائيل أقوى من جميع الجيوش العربية مجتمعة وهذا ليس صدفة، بل لأن إسرائيل دولة ديمقراطية (للإسرائيليين) يحكم فيها القانون بلا رشوة ولا نهب للمال العام وجامعاتها قوية ومجتمعها متماسك. أما العرب فمجرد ديكتاتوريات بلا مستقبل ينتشر فيها الجهل والفقر…”. ( اضغط على رابط منشور جريدة الخبر على موقع فيسبوك).

ما لاحظناه للوهلة هو الأولى هم عدم تقبل بعض المعلقين لردنا وعجزهم عن فهم الفكرة التي أردنا إيصالها ومفادها أنه ينبغي علينا في الجزائر – وهذا ينطبق على المجتمعات العربية الأخرى – تحرير أنفسنا وتطوير بلداننا أولا قبل أن نفكر فعلا في مساعدة الآخرين لأننا لحد الساعة عاجزين عن توفير أبسط اختياجاتنا من الغذاء والدواء واقتصادنا نفطي ريعي وجامعاتنا ضعيفة فضلا عن انتشار الفساد وانعدام الحريات ودولة القانون. وبدون إصلاح بيتنا الداخلي فليس بإمكاننا مد يد العون للفلسطينيين سواء في وقت السلم أو الحرب. فمن المعلقين من اتهمنا “بالخوف من الإسرائيليين” أو أننا “نئن تحت وطأة الدعاية الصهيونية وجيشها المزعوم الذي لا يقهر” ومنهم من يؤكد أنه لو اجتمعت الجيوش العربية لأصبحت قوة عظمى قادرة على ترجيح الكفة للعرب في أي صراع مع الإسرائيليين. وهنا بيت القصيد لأن هذه الجيوش لن تجتمع في الظروف الحالية إلا لقمع الشعوب العربية نفسها.

هشاشة البيت الداخلي العربي

فالدول العربية بأنظمتها الحالية لا يمكنها أبدا التوافق على سياسية خارجية موحدة لأن أنظمتها فردية ديكتاتورية تهمها مصلحتها الذاتية وليس مصالح شعوبها، فهل ستفكر يوما في مصالح الشعب الفلسطيني الذي يعاني تحت الإحتلال منذ عقود ؟ لا، أبدا. ولذلك فلن يكون هناك أي توجه عربي رسمي حقيقي لدعم الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقه في إقامة دولته المستقلة. ولذلك أشرنا إلى أن إصلاح البيت الداخلي العربي وإقامة أنظمة ديمقراطية يشكل أول خطوة في الطريق الطويل لإصلاح الوضع الكارثي الذي تعيشه المجتمعات العربية على جميع المستويات. فلو ضربنا مثال ببلادنا الجزائر فإن الوضع الإقتصادي كارثي لاعتماد السلطات المطلق على النفط وفشلها في إقامة إقتصاد صناعي وزراعي متنوع ولو توقفنا عن إستيراد القمح لبضعة شهور فإن الشعب مهدد بالمجاعة. أما الوضع الاجتماعي فهو هش بسبب انتشار الفساد وانعدام الثقة في الدولة وانتشار الجريمة والمخدرات. أما على مستوى البحث العلمي، وهو قطاع حيوي لتطوير البلاد، فيكاد يكون منعدم نظرا للوضع الكارثي الذي تعيشه الجامعة الجزائرية جراء انخفاض أجور الباحثين وانتشار المحسوبية وفرار الباحثين للخارج سعيا لحياة أفضل. وكذلك الحال بالنسبة لقطاعات الصحة أو الثقافة. بالله عليكم، أليس من الأولى “تحرير” أنفسنا قبل التفكير في تحرير الآخرين (الفلسطينيين) ؟

عدم جدوى الخطاب الشعبوي

الخطابات الرنانة والحماسية التي أعتاد عليها الإنسان الجزائري تدغدغ فقط مشاعر الناس وتلهيهم عن واقعهم المزري. أليس من المعقول الشروع في إصلاح بيتنا الداخلي الآن قبل الغد إذا أردنا مساعدة الشعب الفلسطيني – وتلك مهمة نبيلة – في كفاحه للتحرر ؟ البعض يصدق “الخطاب الشعبوي الديماغوجي” الممزوج أحيانا بالخطاب الديني للترويح عن النفس لا غير، لكننا واثقون من أن الخطاب العقلاني هو القادر على تفسير أسباب ضعفنا ووضع الأصبع على الجرح. هذا ليس فكر انهزامي كما يعتقد بعض المعلقين على الخبر المذكور أعلاه، بل على العكس تماما. فقول الحقيقة هو أول خطوة للتغيير ومحاولة النهوض. الفكر الإنهزامي هو ما يردده الخطاب الشعبوي الديماغوجي الذي يكذب على الشعب والذات في نفس الوقت. فنحن متخلفون في جميع المجالات وعلينا العمل للنهوض أما الشعارات الجوفاء فهي لا تفيد. ولو رجعنا لثورة نوفمبر الخالدة لوجدنا أن الذين أشعلوها هم رجال مثقفون عقلانيون لم يعتمدوا فقط على الكمائن المسلحة والشعارات الرنانة لإقناع فرنسا بالخروج من البلاد، بل أستعملوا بذكاء المنابر السياسية المتاحة في الخارج للضغط على الديبلوماسية الفرنسية وإقناعها بضرورة التفكير في إعطاء الشعب الجزائري الحق في تقرير مصيره، وهذا ما حدث بالفعل. ولو اقتصرت جهود جبهة التحرير على الشعارات الحماسية والكمائن في الداخل ضد جيش محتل مدجج بالسلاح لما أقتنع الفرنسيون بضرورة مغادرة البلاد.

الديمقراطية كوسيلة للنهوض

وهكذا الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية، فالخصم الإسرائيلي أكثر تسلحا من جميع الجيوش العربية مجتمعة. زد على ذلك أنه شديد الفعالية في جهوده الديبلوماسية في الخارج لضمان مساندة دولية له تضاف لتفوقه العسكري والإقتصادي والعلمي وتلاحم الجبهة الداخلية وراء قيادته السياسية. وهذا ما لا نجده عند العرب المتخاصمين المتحاربين، بل وعند الفلسطينيين أنفسهم الذين ينقسمون بين مؤيد لفتح ولحماس، الخ. فهل ذلك هو محض صدفة ؟ لا. لأن المجتمع الإسرائيلي يعيش في ظل نظام ديمقراطي تعددي غير شمولي وذلك ما لا يريد البعض تقبله. نعم الديمقراطية ينعم بخيراتها الإسرائيليون وحدهم دون الفلسطينيين وتكرس بواسطتها إرادة الشعب الإنتخابية وتصون حرية الإعلام والرأي وتضمن استقلالية القضاء ودولة القانون. لكن ذلك لا يمنعها من أن تكون دولة احتلال لأن الديمقراطية وسيلة لتسيير المجتمع الإسرائيلي حتى تضمن له الرفاه والتفوق في جميع المجالات الإقتصادية والعلمية والعسكرية والسياسية على جيرانه العرب وهذا ما يحدث بالفعل. أليس ذلك ما ينقص المجتمعات العربية، ونحن في الجزائر على وجه الخصوص، لأن مقوماتها الإقتصادية والبشرية أكبر بكثير ولو أتيحت لها الفرصة لاختيار زعمائها وإقامة دول الحريات والعدالة والقانون لقطعت أشواطا في التطور ولتمكنت من تقديم مساعدة حقيقية وفعالة – وليست مجرد شعارات – للشعب الفلسطيني الجريح. الدعم بالخطابات الشعبوية الدعائية لم يفد الشعب الفلسطيني أبدا. وضعف الدعم العربي للشعب الفلسطيني هو من ضعف المجتمعات العربية التي ترزح تحت وطأة الديكتاتوريات التي تدعمها – وذا يجب ألا يغيب عن الأذهان – الدول الغربية الديمقراطية نفسها وهي التي تدري جيدا مدى خطورة عدوى الديمقراطية على مصالحها. فلوا جنحت الأنظمة العربية للديمقراطية فإن ذلك سيحرر الشعوب ويفجر طاقاتها الإبداعية ويقضي على الديكتاتوريات الفاسدة التي جمدت روح النهضة والإبداع في روح الإنسان العربي لعقود طويلة.

وخلاصة القول أن الطريق لا يزال طويلا أمامنا لتحرير أنفسنا أولا من الأنظمة الديكتاتورية الجاثمة على صدورنا والتي اثبتت فشلها وعدم قدرتها (أو رغبتها) في النهوض ببلداننا وإسماع صوتها بين الأمم بسبب افتقادها للشرعية وارتباط مصيرها بالقوى الخارجية التي يرى البعض بسذاجة – ومنهم الجندي الجزائري المتحمس لنصرة الفلسطينيين – أننا بإمكاننا الوقوف في طريقها وهزمها وتحرير الشعب الفلسطيني من ويلاتها ببعض الشعارات العاطفية البراقة. إن مسيرتنا الطويلة نحو الإصلاح لن تبدأ فعلا إلا بإتاحة الفرصة لشعوبنا المقهورة للتعبير عن آرائها واختيار ممثليها القادرين على بناء دول القانون والحريات المتماسكة داخليا و القوية خارجيا، فهي الوحيدة القادرة على مساعدة الشعب الفلسطيني وإنهاء مأساته بالأفعال وليس بالأقوال دون الحاجة للإعتماد على الخطاب الشعبوي غير العقلاني الذي لم يغير شيئا في واقعنا المرير.

الجزائر نت

 

بين سوريا اليوم وأفغانستان الأمس : ما أشبه اليوم بالبارحة !

المُتأمل للصراع الدائر اليوم في سوريا بين النظام الحاكم وحلفائه الروس والإيرانيين من جهة والجهاديين “ثوار الحرية ؟” المدعومين من بعض دول الخليج وحليفهم الأمريكي من جهة أخرى يستحضر بدون شك أول تصادم بين الروس والجهاديين في أفغانستان وما خلفه من إفرازات  على تيار السلفية الجهادية. فقد شكلت الحرب السوفياتية في أفغانستان في سنوات الثمانينات من القرن الماضي حلقة حاسمة في الصراع البارد بين المعسكرين الشيوعي الشرقي والليبرالي الديمقراطي الغربي الذي ميز النصف الثاني من القرن الماضي والذي انتهى كما هو معلوم بانتصار المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة وانهيار الإتحاد السوفياتي.

حلاوة الجهاد مع الروس
في إشارة لصراعهم القديم، جهاديون في سوريا يرحبون بالتدخل الروسي الأخير في سوريا

السوفيات تدخلوا عسكريا في أفغانستان لمساندة حليفهم الشيوعي الذي يقود البلاد ولكنهم تفاجؤوا بحرب غير تقليدية يقودها جهاديون ذو بأس شديد عازمين على الموت لأجل قضية تبدو عادلة : طرد المحتل الشيوعي “الملحد” وتحكيم الشريعة. تعثرت الآلة العسكرية السوفياتية الضخمة المُعدة أصلا لحرب تقليدية مع غريمها الغربي أمام تكتيكات الجهاديين متعددي الجنسيات المدعومين إيديولوجيا وماليا من دول الخليج الثرية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وعسكريا من الولايات المتحدة وأذرعها الإستخباراتية المختلفة.

عندما ينقلب الجهاديون على حلفائهم القدامى

كان الجهاديون، ومنهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، يظهرون في الإعلام الغربي كجنود “خير” يقاتلون لأجل التحرر من “شر” الإستبداديين الشيوعيين. لكن هؤلاء هم من شكلوا في أواخر الثمانينات نواة تنظيم “قاعدة الجهاد” وانقلبوا على الأمريكان بعد أن وضعت الحرب أوزارها ثم على ملوك ومشايخ آل سعود، حلفائهم السابقين، بسبب احتمائهم بجنود المارينز الأمريكان وفتح الأراضي المقدسة لهم لغزو العراق وطرد جنود صدام حسين من الكويت. هؤلاء الجهاديون هم من استهدفوا في سنوات التسعينات المصالح السعودية و الأمريكية قبل أن يحوزوا على شرف تنظيم وتنفيذ مؤامرة 11/9 والتي مكنت في النهاية الحليف السابق، الولايات المتحدة، من غزو أفغانستان والعراق في ظل تراجع لدور الغريم الروسي الغارق في تسيير تركة الإتحاد السوفيتي المنهار. وابتكر جورج بوش ما يسمى “الحرب على الإرهاب” كوسيلة لكبت الحريات في الداخل وتحقيق مطامع أمريكا في الخارج وابتزاز الأنظمة العربية الموالية لها وتهديد تلك التي لا تدور في فلكها.

انهار نظام طالبان الذين كانت تعترف به السعودية وحليفها الباكستاني وتمت الإطاحة بصدام حسين الذي هدد العائلات الحاكمة في الخليج المتحالفة مع الولايات المتحدة. ظن الأمريكان أن بإمكانهم بسط سيطرتهم على العراق وإقامة نظام “كرزاني” في بغداد، لكن المحتل اصطدم بمقاومة الشعب العراقي التي سرعان ما استثمرها الجهاديون السلفيون لإقامة فرع “القاعدة في العراق” بقيادة الجهادي السلفي من أصل أردني أبو مصعب الزرقاوي الذي حارب السوفيات في أفغانستان قبل أن يؤسس تنظيم “التوحيد والجهاد” في تسعينات القرن الماضي. وفي عام 2006 تم الإعلان عن تأسيس ما سمي “بدولة العراق الإسلامية” التي تمددت إلى سوريا في غمرة أحداث الربيع العربي واغتنمت فرصة الفوضى السائدة هناك لإنشاء فرع لها في سوريا تم تسويقه لجمهور السلفية الجهادية تحت تسمية “جبهة النصرة” كفرع للقاعدة ولكنه سرعان ما انفصل عنه بسبب التنافس الشديد بين قادة الجهاديين حول زعامة تيار السلفية الجهادية. تحول تنظيم الجهاديين السلفيين في العراق من “الدولة الإسلامية في العراق والشام” إلى “الدولة الإسلامية” بقيادة أبو بكر البغدادي الذي أعلن عن نفسه “خليفة” في جوان/حزيران 2014 ساحبا البساط من تحت قدمي زعيم القاعدة أيمن الظواهري. 

ما أشبه اليوم بالبارحة !

الجميع يعلم مدى انخراط تركيا أردوغان وقطر والسعودية في الحرب الدائرة في سوريا بين نظام الأسد ومئات التنظيمات الجهادية وكل ذلك بمباركة أمريكية. وكمنافس للأسد وحلفائه اللبنانيين والإيرانيين والروس، يقف الحلف التقليدي الخليجي الأمريكي وراء الدعم الذي تتلقاه التنظيمات الجهادية “المعتدلة” في سوريا والتي تعرفها جيدا المخابرات الأمريكية والخليجية إذ سبق أن حركتها في الماضي ضد العدو السوفياتي قبل أن تنقلب عليها وتحاربها بدورها. ورغم تيقن العائلات الخليجية الحاكمة من خطورة دعم تيار السلفية الجهادية الذي سينقلب عليها عندما تحين الفرصة، فإنها سمحت للمشايخ والدعاة بتأجيج الصراع في سوريا وتصويره للناس بأنه حرب مقدسة لنصرة المسلمين ليس ضد “الشيوعيين الملحدين” كما كان الأمر في أفغانستان، بل هذه المرة ضد “الكفار الشيعة والنصيريين”.

والأمر مفهوم إذ من المستحيل تجنيد المقاتلين وبث الحماس فيهم دون الإعتماد على الوصفة الساحرة للبروباغندا السلفية الجهادية التي تعد الشباب المجندين بالنصر أو الشهادة. سمح ذلك لخصوم نظام الأسد بعسكرة الثورة السورية المطالبة أصلا بالحرية والديمقراطية وتحويلها لحرب دينية لتحكيم الشريعة بمفهومها السلفي تستوجب الجهاد بالمال والنفس تماما كما كان الأمر في الحرب السوفياتية الأفغانية. وبعد قرابة الخمس سنوات من الحرب التي راح ضحيتها مئات الآلاف من السوريين من المعارضين والموالين للنظام والأجانب المتطوعين، المدفوعين بفتاوى الجهاد، تتدخل روسيا بوتين رسميا في النزاع الدائر دفاعا عن آخر حليف لها في منطقة الشرق الأوسط في حرب جديدة “ضد الإرهاب“. وكأن التاريخ يعيد نفسه إذ نجد التنظيمات السلفية الجهادية “المعتدلة” المدعومة من دول الخليج والولايات المتحدة من جهة، ونظام مقرب من موسكو من جهة أخرى. فما أشبه اليوم بالبارحة !

الفروق الجوهرية بين الأمس واليوم

لكن برأينا الوضع يختلف بعض الشيء عن الحروب السابقة بالوكالة بين الروس والأمريكان. فالدول الخليجية التي توفر الغطاء الإيديولوجي والدعم المالي “للمجاهدين” تجد نفسها في منطقة الخطر إذ أنه من الصعب اليوم السيطرة كليا على الخطاب السلفي الجهادي وتوجيهه لمصلحتها ومصلحة الحليف الأمريكي. فتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) السلفي الجهادي خارج عن سيطرة مشايخ السلطان السلفيين ولا يعترف بالأنظمة الخليجية التابعة لواشنطن وهو بذلك يشكل خطرا أكبر عليها، فهل ستخاطر هذه الأنظمة بمواصلة دعم “الجهاد” في سوريا الذي يصب في مصلحة الجهاديين “غير المعتدلين” ؟ ثم أن النظام السوري يملك حليفا إقليميا لا يستهان به، ويتمثل في إيران، والذي بإمكانه التأثير في الأقليات الشيعية المهمشة التي تعيش في دول الخليج، فمن بيته من زجاج سيتجنب بدون شك رمي بيوت الآخرين بالحجارة ! فهل تعي العائلات الحاكمة في الخليج ذلك ؟ بالإضافة إلى أن بعض الدول الخليجية منخرطة في حرب أخرى في اليمن وقد كلفتها الكثير من الأموال في عز الأزمة النفطية المستمرة منذ عام. كما أن أمريكا اليوم ليست أمريكا الأمس وهي لا تريد الإنخراط في حروب جديدة في الشرق الأوسط بعد تجاربها المريرة في العراق وأفغانستان في الوقت الذي تنمي فيه الصين من قدراتها الإقتصادية والعسكرية في شرق آسيا.

كلا الفريقان المتخاصمان في سوريا لم يقولا كلمتهما الأخيرة، لكن الخاسر الوحيد في هذه الحرب هم العرب أنفسهم وعلى رأسهم الشعب السوري. لا يمكن أبدا تخيل صراع بين موسكو وواشنطن في شكل حرب باردة جديدة، فالحرب السورية تشكل صراع مصالح بين قوى كبرى وليست حرب فيما بينها ولن تجن منها الدول العربية التي تدعم الإقتتال إلا الإرهاب وعدم الإستقرار والمزيد من التبعية لواشنطن وموسكو على حد سواء.لقد انهار الإتحاد السوفياتي في الماضي وتمكن الجهاديون من إقامة دولتهم الطالبانية في أفغانستان لفترة، وهذا ما لا يمكن قبول حدوثه في سوريا ليس من طرف نظام الأسد وحلفائه فحسب، بل من خصومه العرب في الخليج الذين يدركون حجم الخطر الذي يداهم أنظمتهم الأوتوقراطية الهشة قبل أن يهدد موسكو أو واشنطن. وفي شرق أوسط مليء بالمفاجآت، قد تكلف الحرب الدائرة في سوريا والانهزام المحتمل للجهاديين فيها انتقال “عدوى الجهاد” إلى بعض دول الخليج المعروفة بتصديرها لهم ولإيديولوجيتهم. ولن تحميها واشنطن عندئد، فقد أسر باراك أوباما في إحدى تصريحاته بأن الخطر الذي يداهم دول الخليج داخلي وليس خارجي … واللبيب بالإشارة يفهم.

الجزائر نت

الرسائل السياسية الخفية في معتقدات تيار السلفية (الجزء 2)

 

نواصل في الجزء الثاني من المقال سرد الرسائل السياسية التي تخفيها الشعارات الدينية لتيار السلفية الذي تقوده المملكة السعودية. اقرأ الجزء الأول من مقال “الرسائل السياسية الخفية في معتقدات تيار السلفية”.

فشعار “التبرؤ من الإخوان المسلمين” يخدم مباشرة هيمنة آل سعود والوهابيين على الإسلام السياسي ورفضهم للفرق السنية الأخرى المنافسة لهم. السلفيون يكنون كراهية عميقة لتيار الإخوان (وكل الفرق الإسلامية الأخرى) ويتهمونهم “شرعيا” بأنهم مبتدعة وأنهم بدلوا الدين واستعملوا العقل وأنهم معتدلين وأنهم يتعايشون مع الفرق الأخرى… الخ، وهذا ما يرفضه مشايخ الوهابية الذي يؤمنون بالتفسير الحرفي (حسب فهمهم) ويرفضون الإجتهاد في القضايا التي تمس طريقة الوصول للحكم و التداول على السلطة.

هذا منهجيلكن الرسالة السياسية الخفية لهذا العداء هي رفض آل سعود والوهابيين المتحالفين معهم لأي فرقة إسلامية سنية تنافسهم على قيادة العالم الإسلامي أو التأثير فيه (ولهذا يكرهون الشيعة وإيران أيضا). الإخوان رغم مساوئهم وأخطائهم كما رأينا في مصر وتونس يقبلون مبدئيا بالإنتخاب للوصول للحكم وهذا يهدد طريقة حكم آل سعود والوهابيين الموالين لهم المستمدة من التراث السلفي والذين يؤمنون بالوراثة المطلقة للمناصب الدينية والسياسية لحماية مناصبهم وثرواتهم. والكل يعلم أن السعودية هي أول من حرض ضد الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي ذو التوجه الإخواني ومولت الإنقلاب العسكري ضده خوفا من تنامي نفوذ هذه الفرقة عند المسلمين السنة مما قد يهمش دور الوهابيين وآل سعود الذين نصبوا أنفسهم قادة على العالم الإسلامي. كما وقفت السعودية ضد الإخوان في تونس وفي اليمن وأدرجت حركة حماس الفلسطينية أيضا – كما فعلت إسرائيل – في قائمة الإرهاب لمجرد أنهم غير وهابيين. فكراهية الإخوان التي يعتقد السلفيين البسطاء أنها من الدين لا تعدو سوى استراتيجية سياسية لإبعاد منافسي الوهابيين عن الساحة.

وهنا نصل إلى مبدأ “التبرؤ من الديمقراطية والعلمانية” الذي ينادي به آل سعود والوهابيين التابعين لهم. هم يبررون “دينيا” لأتباعهم رفضهم للعلمانية لأن ذلك يعني فصل الدين عن الدولة وهو مبدأ غربي “سيقضي على الدين” وبما أن آل سعود يريدون الحفاظ على الإسلام فأنهم سيعارضون العلمانية. والحقيقة السياسية المخفية هي أن آل سعود و”كهنتهم” الوهابيين يستمدون مشروعيتهم وتوارثهم للسلطة باستغلالهم للدين وبأنهم “خادمين للحرمين”. هم يستعملون الدين لتسويغ توارثهم للحكم والعلمانية بكل تأكيد ستنزع عنهم ذلك ويصبح كل السعوديين بإمكانهم الوصول للسلطة وهذا ما يخشاه آل سعود والوهابيين المتحالفين معهم الذين يستمتعون بحياتهم الفارهة وينهبون أموال النفط الطائلة بدون محاسبة.

لذات السبب يحرمون أيضا الديمقراطية إذ يفتون لجمهورهم السلفي بأن الديمقراطية حرام لأنها تعني حكم الشعب لنفسه والحكم ينبغي أن يكون لله وحده. وبما أنهم نصبوا أنفسهم حراسا للدين وخلفاء لله في الأرض فإنهم هم الأولى بتطبيق شرعه. وهذه خدعة لا مثيل لها لأن الشعب المسلم إذا أتيحت له فرصة الإختيار لن يكون ضد مبادئ دينه كما يخشى الوهابيون بل سيختار الأفضل لقيادة البلد وتوفير حياة أفضل للناس. ثم هل تضمن ديكتاتورية الملكية المطلقة الحفاظ على الشرع حقا ؟ لا بالطبع، فالكل يعلم فساد آل سعود وسرقتهم للمال العام وتحالفهم مع الدول الغربية ضد مصالح شعوبهم وتمويلهم للحروب ونشرهم للإرهاب وتكميمهم للأفواه واعتقال للمعارضين، الخ. فرفض العلمانية والديمقراطية هدفه سياسي هو عدم المس بشرعية آل سعود والوهابيين في الحكم وأحقيتهم في توارثه والتمتع بخيراته ورفضهم إشراك الشعب (غير المؤهل أصلا للإختيار والذي يُشكل حسبهم خطر على الدين) في تسيير شؤونه واختيار حكامه.

وهنا نفهم جيدا المغزى من شعار “التبرؤ من الثورات والمظاهرات والإعتصامات” الذي يدين به الوهابيون وأتباعهم. فهو مبدأ تم “ابتداعه” خصوصا بعد أحداث الربيع العربي. فتفسيره الديني كما أفتى مشايخ السلطان الوهابيين في السعودية هو أن انتقاد السلطان حرام ولو سرق المال ولو ضرب الناس في الشوارع وزج بهم في السجون. و بما أنه لا يمنع الناس من الصلاة فيجب طاعته هو وأولاده وأحفاده مدى الحياة. نحن نعلم أنه لا يوجد حاكم في العالم (حتى من غير المسلمين) يمنع الصلاة فلا مجال إذا لتهديد عرش الملك وكهنته الإستبداديين. والخروج عن السلطان في أدبيات الوهابية ليس فقط إعلان الحرب عليه كما كان في القدم، لا، بل أن مجرد انتقاده في الصحافة أو سؤاله لماذا يسرق المال العام هو خروج عليه ولا يجوز ويتعرض من اقترف هذا “الذنب” لعقوبات قاسية. والتظاهر أيضا حرام (رغم سلميته) لأنه تقليد للغرب “الكافر” وهو بذلك لا يجوز أيضا. والرسالة السياسية المبطنة لهذا الشعار الإنبطاحي هي منع أي ثورة شعبية أو مظاهرة تهدد سلطة آل سعود والوهابيين الذين لا يقبلون بوجود معارضة، كما لا يقبلون أن يحاسبهم الشعب على ما يفعلون فهم في “خدمة الحرمين” والشعب ما عليه إلا الإنصياع لهم إذا أراد الدخول للجنة. أما شؤون الدنيا فهي ليس من صلاحياته.

وحتى لا نطيل يتبين مما سبق أن شعارات السلفية الستة التي أوردناها والتي يطبل لها السلفيون في الجزائر وغيرها هي في الحقيقة مبادئ سياسية تخدم السلطة السعودية القائمة – تماما كما تحالف كهنة الكنيسة مع ملوك العصور الوسطى في أوروبا – على تحالف بين الملوك ورجال الدين للسطو على الحكم والحفاظ عليه وتخويف الناس من مغبة المساس بقدسيتهم. السلفيون عندنا يؤمنون بالفتاوى السياسية التي تخدم آل سعود وهم يعتقدون أنها جزء من الدين، وكأن الإسلام اصبح مسألة سعودية. ونحن نعتقد أن الدين الإسلامي في أساسه جمهوري وهو قائم على مبدأ الشورى (اي الإختيار) وليس الوراثة وهذا ما لا يحبذه آل سعود وكهنة الوهابية المتحالفين معهم. وكجميع الملوك، عندما استولى آل سعود والوهابيون على نجد والحجاز أفسدوها وتحالفوا مع القوى الغربية لحماية عروشهم وقهر شعوبهم وذلك لا يخفى على أحد. وهذا بالذات ما دفع السلفيين-الوهابيين غير الموالين للآل سعود من أنصار القاعدة وداعش، الذين يريدون بدورهم الحكم والثروة باسم السلفية، إلى حمل السلاح ضد الشعوب والدول المسلمة في محاولة لحكمها. وهم في الحقيقة يريدون تكرار تجربة آل سعود ومشايخهم حسب مبدأ السلفية الجهادية الذي يؤمن بالعنف والإرهاب للوصول للسلطة ثم بعد ذلك يحكمون بيد من حديد لمنع الناس من التغيير ويفرضون طاعة الحاكم وذريته مدى الحياة. وكأن التاريخ يعيد نفسه وللحديث بقية.

الجزائر نت

’’الأمة العربية‘‘، هذا الكيان الخرافي

“الأمة العربية”، عبارة نسمعها كثيرا لما يتعلق الأمر بهذا الإنتماء الحضاري لأمة افتراضية مجروحة يقول أنصارها بأن الإستعمار الغربي هو الذي فتتها ثم خرج ليتركها أوطانا مقسمة وضعيفة يديرها أمراء وعساكر موالون للمستعمرين القدامى. البعض يلقي باللوم على الدولة العثمانية التي كرست لقرون طويلة إقصاء “العرب” من شرف قيادة دولة الخلافة الإسلامية. اخبار-الامة-العربية-620x330لذلك يرى المؤرخون أن الثورة العربية الكبرى (1916-1918) التي أعلنها الحسين بن علي الهاشمي، حاكم مكة آنذاك، ضد الدولة العثمانية بالتعاون مع الإنجليز والفرنسيين تؤسس للقومية العربية المعاصرة كتيار إيديولوجي يريد إيقاظ أمجاد العرب و”تحرير” بلادهم من النفوذ العثماني. وبالتوازي مع الإنتصارات التي حققها الحسين بن علي ضد العثمانيين ارسلت بريطانيا جيشها المرابط في مصر لاحتلال فلسطين بالتعاون مع العرب الذين سئموا على ما يبدو سياسة “التتريك” العثمانية. وفي هذا الوقت عقدت بريطانيا مع فرنسا اتفاقية سايكس-بيكو لتقاسم النفوذ في المنطقة ونصبوا الملوك الهاشميين العرب الموالين لهم (والمعادين للعثمانيين) في المنطقة قبل أن يقدموا ما سُمي وعد بلفور للحركة الصهيونية يقضي بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، آخر الأراضي التي تم انتزاعها من الإمبراطورية العثمانية المتهالكة وبمساعدة “القوميين العرب”.

وكما أوردنا، فالقومية العربية التي أطلق شرارتها الهاشميون من مكة ضد العثمانيين اشتد عودها بعد الحرب العالمية الثانية ولكن هذه المرة ضد الإمبريالية الغربية بعدما أدرك العرب خطأ تحالفهم مع مستعمريهم للإطاحة بالعثمانيين. وانبثق من الحركات التحررية زعماء عرب قوميين من أمثال عبد الناصر في مصر وبومدين في الجزائر وصدام في العراق والأسد في سوريا، الخ. وكما رضي الهاشميون في أوائل القرن العشرين ببضع كراسي ملكية تحت هيمنة الإمبرياليين الغربيين، استغل القوميون الجمهوريون سعي الشعوب للتخلص من النفوذ الغربي للسطو على السلطة وتهميش وقمع معارضيهم في الداخل. ثم واصلوا سعيهم لتحرير هذه “الأمة العربية” بإقامة تحالفات مع المعسكر الشرقي (الأجنبي) لمواجهة الإمبريالية الغربية كما تحالف القوميون الأوائل مع فرنسا وبريطانيا (أجانب أيضا) لوضع حد للنفوذ العثماني.

وبعد عقود من المشاريع الفاشلة و الحروب الخاسرة والنزاعات بين العرب أنفسهم وتحالف بعضهم مع نفس الإمبرياليين للإطاحة بآخر الأنظمة القومية العربية في العراق وليبيا سوريا خرجت موضة التيار “العروبي الإسلامي” للضحك مرة على ذقون العرب من مماليك الخليج الذين كما فعل الهاشميون قبل قرن من الزمان، في أول “خلافة عربية ” لهم من مكة، قبل أن يطردهم الوهابيون-السعوديون في عشرينات القرن الماضي لإنشاء الدولة السعودية الثالثة القائمة إلى اليوم على تحالف رجال الدين الوهابيين وآل سعود العروبيين والقوى الغربية والتي تسعى لزعامة ما سموه “الأمة العربية السنية”. والقاسم المشترك بين كل زعماء التيار العروبي القومي منذ قرن من الزمان هو سعيهم للتحالف مع القوى الخارجية لتدعيم حكمهم وتوريثه وقمعهم لمعارضيهم وهذا كله باسم “الأمة العربية” الموعودة وربما ذلك سبب فشلهم. إذا بدلا من توجيه الشعوب نحو التحرر داخليا والإنعتاق من الهيمنة الغربية والشرقية على حد سواء، سقط القوميون العرب في فخ “حب السلطة” وقمع بني جلدتهم بالتعاون مع أعداء “الأمة العربية” الموعودة. وها نحن نرى اليوم نتيجة التيارات القومية التي تتغذى على الوعود بتكوين “كيان خيالي” يجمع الشعوب العربية قبل أن تستيقظ على الواقع المر الذي نعيشه اليوم.

على الرغم من ذلك لازلنا نسمع أصوات تتكلم باسم الأمة العربية وتأمل في تحقيق مشروع حضاري عابر للحدود تتقاسم فيه الشعوب اللغة و العادات والمصير المشترك تارة باسم القومية العربية وأحيانا تحت مظلة الدين. الواقع أثبت ان هذا الكيان المسمى الأمة العربية لا وجود له في الواقع : كيف نتحدث عن الأمة العربية ونحن نرى ان الدول التي تنتمي لها تتبادل العداء وتتحالف مع القوى الخارجية ضد بعضها البعض؟ كيف نتحدث عن أمة عربية من المغرب للمشرق والأسلاك الشائكة تفصل بين المغرب والجزائر ومصر وغزة والسعودية والعراق واليمن؟ ما هذه الأمة العربية التي تتحارب دولها فيما بينها وتدعوا القوى الغربية للتدخل فيها؟ من دفع الناتو للتدخل العراق ثم في ليبيا؟ من دفع الناس في سوريا لحمل السلاح ضد بعضهم البعض؟ من أفتى للقاعدة وداعش للإطاحة بالأنظمة “الكافرة” ؟ أين هذه الأمة عندما تدخلت السعودية بطائراتها في اليمن وقتلت وجرحت الآلاف؟ ما مصير هذه الأمة التي ترفض الديمقراطية وتدعم الانقلاب في مصر لإقامة نظام عسكري قمعي يتشدق بالعروبة؟ أين هذه الأمة العربية من المآسي الفلسطينية والسورية والعراقية والليبية؟ لماذا لا تساعد هذه الأمة في إيجاد حلول بالحوار وتستقبل القليل من اللاجئين المشردين بدلا من تركهم يموتون غرقا في قوارب الموت المتجهة لأوروبا؟ هذه ليست أمة متماسكة بالمعنى المتعارف عليه بل مجرد أنظمة غير شرعية متناحرة تابعة للقوى الخارجية تتشدق بالعروبة وأحيانا بالدين للضحك على شعوبها وابتزازها بحلم الوحدة القديم والذي كان ولا يزال أداة للديكتاتوريين العرب لإلهاء شعوبهم وحكمهم بالحديد والنار.

لتحقيق حلم “الأمة العربية” ينبغي برأينا الشروع أولا في إقامة دول عربية ديمقراطية “قابلة للحياة” تقبل بالتعدد العرقي و اللغوي والديني والثقافي قبل التفكير في تكوين كيان موحد عابر للقارات. الديكتاتورية غير قادرة على تحقيق الوحدة في البلد الواحد فكيف لها أن تؤسس لمشروع أمة؟ دعونا ننظر على مشروع “إتحاد المغرب العربي” ، ما الذي تم إنجازه لصالح الشعوب المغاربية منذ تأسيسه؟ لا شيء. وكذلك الأمر بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي الذي لا يعدوا سوى آلية لحماية عروش مشيخات النفط. هذه الكيانات الورقية غير مجدية لأنها مجرد تجمع لديكتاتوريات تابعة للقوى الخارجية ولا تملك قراراتها. لماذا لا ننظر إلى تجربة الإتحاد الأوروبي الذي على الرغم من الفوارق اللغوية والثقافية تمكن من تكوين هوية أوروبية تؤمن بالمصير المشترك. قيام هذا الكيان جاء بعد حروب مريرة كنتيجة حتمية لتيارات القومية والفاشية التي وصلت للحكم في القرن الماضي. لكن الأوروبيين أدركوا بعدها أن بناء كيان أوروبي عابر للحدود يشعر فيه المواطن بالانتماء لأوروبا الجديدة لا يمكن أن ينجح بدون ديمقراطية وما تعنيه من سلام ورقي و حرية الرأي والتنقل والإستثمار والعدالة النزيهة، الخ. ولهذا فإن انضمام أي بلد إلى الإتحاد الأوروبي مرهون باحترام هذه المبادئ الأساسية التي غابت للأسف عن كل القوميين العرب.

وخلاصة القول أن مشروع الأمة العربية الذي رفعه الزعماء منذ ما يقرب قرنا من الزمان لا يعدوا أن يكون مجرد إيديولوجية سياسية للكذب على الشعوب وللسطو على للسلطة واحتكارها وقد أثبت التاريخ ما نقوله إذ فشل جميع القوميون العرب في تحقيق حلم الأمة العربية بعدما قمعوا شعوبهم وتآمروا على بعضهم البعض وتحاربوا فيما بينهم وتحالفوا مع أعداء هذه الأمة. وإن كان التيار القومي العربي الفاشل في أساسه علماني لا يعترف بالفوارق الدينية، فإننا نرى اليوم بزوغ نجم مشروع قومي عربي جديد يسخر الدين لزعامة كيان جديد يدعى “الأمة العربية الإسلامية” يتنازع حوله الإسلاميون المتطرفون بمختلف مشاربهم ويعدون أنصارهم بخلافة عربية-إسلامية لا تعترف بالأقليات (داعش كمثال حي). وبدون شك سيكون هذا المشروع أسوء من سابقيه إذ بالإضافة إلى تهديده للتنوع المذهبي والعرقي فإنه يحرم دينيا الديمقراطية ويلغي حق الشعوب في اختيار زعمائها. وكسائر الإيديولوجيات الفاشية غير الديمقراطية، فإن مآل مشاريعها هو المزيد من التشرذم والضياع للعرب. وإذا أثبتت الديمقراطية أنها حجر الأساس لتحقيق الوحدة الوطنية والرقي والعدل في البلد الواحد، فلماذا يصر القوميون العروبيون والإسلاميون على الديكتاتورية لإقامة كيان عابر للأوطان؟

الجزائر نت

البروباغندا في وقت الحرب : ما دور الدعاة الإسلاميين ؟

 أضحى دور “الدعاة” الإسلاميين في زمن الفضائيات العربية العابرة للحدود ووسائل التواصل الاجتماعي أكثر أهمية من أي وقت مضى. قد نُعَرف الدعاة بأنهم رجال الدين الذين يتواصلون مع الجماهير العربية-الإسلامية عبر الفضائيات وفي وسائل الاتصال الاجتماعي لهدف في ظاهره بريء : شرح الدين الإسلامي للناس ونصحهم وإرشادهم لما فيه خير لهم في دينهم ودنياهم. ولهذا فالداعية يلعب دور المربي والأستاذ والإمام والأب والصديق، الخ. فهو رجل سخر على ما يبدو حياته لإرشاد الناس ولذلك ينبغي توقيره واحترامه. ولا ريب أن يصبح الداعية الديني نجما إعلاميا تتخاطفه الكاميرات ويتهافت عليه المعجبون في مجتمع عربي فقد الأمل في الإنعتاق والحرية و تخلى فيه المثقف والباحث عن دوره كفاعل اجتماعي. 

لكن ما لا يبديه الداعية الديني أنه إعلامي و رجل سياسي بالدرجة الأولى. فالداعية كفاعل سياسي في العالم العربي يلعب دور الموجه للشعوب وسياسي يستعمل الدين لتوجيه الرأي العام معتمدا على السمعة الطيبة التي يوفرها منصب الداعية الإسلامي الذي يجب الأخذ برأيه وعدم انتقاده باعتبار أن “لحمه مسمومة” حسب أدبياتهم. هذا الدور المزدوج للداعية المقرب من دوائر السلطة والمنتفع بها يظهر بجلاء في أوقات الحرب لحشد الجماهير للإلتفاف حول الزعيم الذي ينبغي طاعته “ولو جلد ظهرك” حسب اعتقادات الإيديولوجية الوهابية-السعودية على وجه الخصوص. فمنذ أن أعلنت السلطات السعودية بدأ هجومها الجوي على الحوثيين في اليمن حتى انهالت الفتاوى والتبريرات الدينية للدعاة والمشايخ داعمين فيها العملية العسكرية لاعتبارات “شرعية” قد تغطي نشاطهم كسياسيين تابعين للأسرة الحاكمة في الرياض.

فشيوخ الإيديولوجية الوهابية-السعودية يقدمون أنفسهم للجماهير بأنهم داعاة للمنهج السلفي الصحيح وأنهم بحكم علمهم حريصون على دينهم ويبتغون تجنيبهم النار وهديهم للدين الصحيح، أي “للسلفية-الوهابية-السعودية” التي تعتمد على الأفكار الدينية لمحمد بن عبد الوهاب والمبادئ السياسية لعائلة آل سعود الحاكمة. ولا ريب أن تكون رسائل هؤلاء الدعاة خليطا من الفتاوى الدينية و الرسائل السياسية الصريحة أحيانا والمبطنة أحيانا أخرى. ولعل شن السعودية للحرب على الحوثيين في اليمن بسبب تقاربهم مع إيران وتهديدهم للنفوذ السعودي-الوهابي بشقيه السياسي والديني أفضل فرصه لتبيان انخراط الدعاة السعوديين-الوهابيين في مهمتهم المزدوجة على الصعيدين الديني والسياسي.

فهذا  الداعية العريفي الذي يستخدم ببراعة وسائل التواصل الإجتماعي لتمرير رسائل الإيديولوجية السعودية-الوهابية يهرع في اليوم الأول للحرب بتغريدات تبرر دينيا الحرب التي شنها آل سعود على جزء من مكونات الشعب اليمني قائلا بأن الحرب المعلنة “قرارٌ حكيم من رجل حكيم”  (مساندة لقرار الملك السعودي) وداعيا “ربّ انصر جنودنا على الفئة الباغية” (رسالة دينية تطلب الوقوف وراء الجيش السعودي).

IMG_6496IMG_6497

كما يدعو في رسالة أخرى “طاعة ولاة الأمر والكفّ عن التخديل وترك الإشاعات” (أي الإنصياع للقرار السياسي وعدم متابعة وسائل الإعلام غير المباركة للقرار الملكي).            

أما الشيخ الطريفي فدعا قائلا “اللهم نصرك على أهل الأوثان وعبّاد القبور حوثية اليمن ونصيرية الشام واثني عشرية العراق”، وهو بذلك يشرعن الحرب باعتبار أن الحوثيين “كفار” وجب قتالهم كسائر الشيعة في العراق وسوريا. كما وجه رسائل سياسية تحذر من النفوذ الإيراني. ونفس الرسائل وجهها الدعاة السعوديين-الوهابيين القرني والعرعور.

IMG_6504IMG_6500IMG_6501

والمثير للإنتباه أن وسائل الإعلام التقليدية الموالية للطرح الوهابي-السعودي فيما يخص الأزمة اليمنية تتلقف بدورها الفتاوى السياسية الوهابية-السعودية وتعيد بثها لتبرير مساندتها للحرب. وهذا ما يفسر لجوء قناة الجزيرة لبث رسائل الدعاة السعوديين لتوجيه الرأي العام وحشده وراء التحالف الخليجي المنخرط في الحرب اليمنية.

 IMG_6503IMG_6502

فإن كان دور الداعية التقليدي هو ديني فكري محض ، فهو اليوم اليوم أقرب إلى الدعاية السياسية أو البروباغندا. فالدعاة الوهابيون-السعوديون يؤدون دور الشيخ والصحافي والناشط السياسي في آن واحد. لهذا فمن الخطأ اعتبار الدعاة الوهابيين-السعوديين مجرد رجال دين يسعون لنشر الفضيلة، بل هم رجال سياسة وعلاقات عامة وقادة رأي متحالفون مع السلطات الحاكمة لشرعنة قراراتها وتحالفاتها وحراس للنظام الحاكم المسيطر على منابع النفط في نجد والحجاز والذي يستخدم أفضل أنواع الدعاية السياسية-الدينية للسيطرة على الرأي العام المحلي والإقليمي.  فلا ريب إذا إن حرم هؤلاء الدعاة الديمقراطية والإنتخاب واتهموا الناشطين في مجال الحريات السياسية بأنهم “كفار خوارج” لأن تغيير النظام حرام وينبغي الإنصياع “لولي الأمر” وعدم التفكير في إصلاحه. وخلاصة الأمر أنه ينبغي النظر إلى الدعاة المتلبسين بالدين، وقد يعتقد البعض خطأ أن “لحومهم مسمومة” ،بأنهم مجرد موظفين حكوميين ومهمتهم تقتصر على البروباغندا الدينية-السياسية للسيطرة على الرأي العام مثلهم مثل الوزراء والأمراء والصحافيين التابعين للسلطات الحاكمة.

الجزائر نت

شهران بعد حادثة ” شارلي إيبدو‘‘. ما الذي تغير؟

لا شك أن الهجوم الدموي الذي تعرضت له صحيفة “شارلي إيبدو” سيترك آثارا عميقة على الجدل القديم المتجدد في الأوساط السياسية والإعلامية والثقافية الفرنسية حول وضعية الإسلام في هذا البلد العلماني. لا توجد إحصائية دقيقة لعدد المسلمين في فرنسا اليوم بسبب منع القانون الفرنسي لأي إحصاء يقوم على خلفية دينية أو عرقية، لكن بعض الأوساط تقدر الأقلية المسلمة بحوالي 6 ملايين شخص ينحدر معظمهم من أصول مغاربية وإفريقية. ويختلط أحيانا التفكير حول وضع الإسلام في فرنسا بالجدل حول سياسات الهجرة وقدرة المجتمع الفرنسي على استيعاب المهاجرين الجدد من أصول غير أوروبية.

شهدت فرنسا قبيل أحداث باريس جدلا واسعا حول وضعية الإسلام في الجمهورية الفرنسية اللائكية خصوصا بعد نشر كتاب “الإنتحار الفرنسي” للكاتب والصحفي المثير للجدل إيريك زمور، المقرب من أفكار اليمين الفرنسي الأكثر تشددا، والذي يطرح للنقاش “مشكلة” تواجد الإسلام في فرنسا والغرب والتحدي الذي سيواجهه البلد بعد فشل كل من اليساريين والمحافظين الذين تناوبوا على السلطة في درأ “الحرب الأهلية” القادمة كما يزعم. ولقى تصريح هذا الكاتب لدورية إيطالية – ومفاده أنه لا مناص من تهجير ملايين المسلمين الفرنسيين إلى بلدانهم الأصلية لعدم توافق معتقداتهم مع الديمقراطية الغربية وقيمها – تنديدا واسعا من الطبقة السياسية والجمعيات المناهضة للعنصرية أدى لقرار إنهاء العقد الذي يجمعه مع القناة اللإخبارية “إي ثيلي” والذى لقى استنكارا شديدا من بعض الجهات المحافظة باعتباره مسا بحرية الرأي والفكر التي يضمنها الدستور الفرنسي.

وما إن بدأ الجدل حول هذا الكتاب في الهدوء حتى بدأ الروائي الفرنسي الشهير “ميشال ويلبك” في الظهور على وسائل الإعلام للترويج لروايته السياسية “استسلام” التي تدور أحداثها في فرنسا عام 2022 والتي يفوز في انتخاباتها الرئاسية لأول مرة رجل مسلم مدعوم من اليسار وذلك لقطع الطريق أمام مرشحة الجبهة الوطنية (اليمين المتشدد). وتصور الرواية التحول النهائي للمجتمع الفرنسي نحو الإسلام والانهيار المأساوي للقيم الليبرالية التي عرفها البلد منذ قرون. وزاد صعود نجم حركة “وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب” (بيجيدا) في ألمانيا ونجاح مظاهراتها المناهضة للإسلام من تأجيج الجدال حول رواية ويلبك وانقسم المشهد الإعلامي بين مؤيد ومستنكر لما تتنبأ به هذه الرواية. وتشاء الأقدار أن تصدر في الأكشاك في نفس اليوم الذي شهد الهجوم الدموي على مجلة “شارلي إيبدو” التي اشتهرت بنشرها المتكرر للرسوم الساخرة من الإسلام تحت ذريعة حرية التعبير وانتقاد الأديان التي يكفلها الدستور الفرنسي. 

وفي مجتمع فرنسي تحت الصدمة، تبدو الأفكار التي تروج لها مؤلفات “إيريك زمور” و ” ميشال ويلبك” وغيرهم من الكتاب والأدباء المؤثرين في الساحة الإعلامية الفرنسية أكثر جاذبية من أي وقت مضى وذلك رغم تحذير الكثير من السياسيين والإعلاميين من خطر الوقوع في الإسلاموفوبيا والخلط بين الإسلام كدين و”الإسلاماوية” كإيديولوجية سياسية التي تتبنى العنف للتعبير.
وتلتقي الآراء المناوئة للإسلام بالأفكار التي ينادي بها اليمين المتطرف المعادي للهجرة منذ زمن طويل. وصرحت “مارين لوبان” رئيسة حزب “الجبهة الوطنية” لجريدة “لوبوان” بأنها كانت الوحيدة التي حذرت من “التطرف الإسلامي” الذي يهدد المجتمع الفرنسي وجددت مطالبها للحزب الحاكم بضرورة تنصل فرنسا من “اتفاقية شنغن” التي تسمح بتنقل الأشخاص بكل حرية في دول الإتحاد الأوروبي وخلع الجنسية عن الإسلاميين الذين سافروا للقتال في سوريا والعراق والذين قد يرتكبوا أعمالا إرهابية عند عودتهم لفرنسا. وردا على حملة التضامن الدولي الواسعة مع فرنسا والتي حملت شعار “أنا شارلي” تضامنا مع الصحيفة الساخرة، صرح الأب الروحي لليمين المتشدد في فرنسا “جون ماري لوبان” بأنه ليس “شارلي” وإنما “شارل مارتيل” في إشارة للقائد العسكري الذي حكم إمبراطورية الفرنجة في أوائل القرن الثامن الميلادي. وتحت صدمة هجوم باريس الذي أشارت إليه بعض الصحف “بالحادي عشر سبتمبر الفرنسي”، استثمر اليمين المتشدد المعادي لسياسات الهجرة الحادثة للتأكيد على صحة فرضياته التي أهملها تياري اليسار واليمين الذين تناوبوا على سدة الحكم في فرنسا منذ عقود.

وشهدت الأيام التي تلت أحداث باريس هجمات انتقامية عديدة على مساجد ومحلات يملكها مهاجرون كإشارة لتفشي ظاهرة الخلط بين الإسلام والإرهاب وتنامي مشاعر العداء للمسلمين والمهاجرين رغم تحذيرات الرئيس الفرنسي الذي دعا إلى الوحدة الوطنية وحماية التنوع الثقافي والعرقي للمجتمع الفرنسي كرد أفضل على ظاهرة الإرهاب. كما تهافت قادة الجالية الإسلامية لإدانة الهجوم مطالبين المسلمين بالخروج للمظاهرات تنديدا بالهجوم الذي يتنافى مع مبادئ التسامح والتعايش التي يدعو إليها الإسلام. وصرح حسان شلغومي، رئيس “الجمعية الثقافية لمسلمي درانسي” المثير للجدل، بأن”رسول مرتكبي جريمة شارلي إيبدو هو الشيطان” وأنه يخشى تبعات هذه العملية على مسلمي فرنسا. كما أدان دليل بوبكر عميد مسجد باريس العملية الإرهابية قائلا بأنها تشكل طعنة لكل المسلمين الفرنسيين مطالبنا منهم الإنضمام إلى “المسيرات الجمهورية” المنددة بهذه العملية الإرهابية.
وبعد مرور أكثر من شهرين على الهجوم الإرهابي الذي شهدته باريس يبدوا أن الأمور هدأت قليلا لكن مشكلة اندماج المسلمين في المجتمع الفرنسي بقيت تراوح مكانها. كما أن رجوع بعض المقاتلين الذين انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية لبلادهم قد يطرح على الطاولة مشكلة التطرف والأخطار المحدقة بعد أن دعا أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة، أنصاره أينما وجدوا لضرب المصالح الغربية. التحدي الذي يواجه صانعي القرار الآن هو إيجاد حلول عاجلة للمشاكل الإجتماعية والإقتصادية التي تعاني منها شرائح واسعة من المجتمع الفرنسي، وبالخصوص سكان الضواحي، لتفويت الفرصة أمام الدعاية الإعلامية التي تستهدف الشباب اليائس على وسائل التواصل الإجتماعي والتي باتت حجر الأساس لعمليات التنجيد في صفوف الجماعات المتطرفة كالقاعدة وتنظيم الدولة. ومن الخطأ الإعتماد كليا على استراتيجية أمنية للقضاء على التطرف وعدم معالجة أسباب نجاعة “عمليات التجنيد الإيديولوجي” التي تعتمدها الجماعات المتطرفة والتي تعتمد في أغلبها على زرع بذور العنف والحاجة للانتقام من المجتمع في نفوس “المقصيين إجتماعيا” من الشباب ووعدهم بحياة أفضل هنا أو في العالم الآخر. وبعد شهرين من حادثة “شارلي إيبدو”، يبدو أن الأمور عادت إلى ما قبل “السابع من يناير”، في انتظار القضاء على تنظيم الدولة الذي تمدد للجهة الأخرى من المتوسط والذي لا يزال يراهن على “الذئاب المنفردة” لتنفيذ هجمات وإحداث الصدمة في المجتمعات الأوروبية التي تشارك دولها في الحلف الذي يقصفه في سوريا والعراق ..

الجزائر.نت