بوتفليقة يهين الجزائريين ويعرض البلاد للخطر

بعد 15 عاما في الحكم وبزوغ الصراع مؤخرا في هرم السلطة بين مؤيد ومعارض لبقاء الرجل المريض في الحكم، ينزل علينا اليوم الخبر الذي كنا نخشاه : عبد العزيز بوتفليقة يريد أن يموت على كرسي الحكم ويترشح لعهدة الرابعة. فبعد تعديل الدستور للسماح لنفسه بالرئاسة لعهدة ثالثة لم يكن أحد يتوقع أن الرجل ينوي البقاء على كرسي الحكم مدى الحياة خصوصا بعد اندلاع شرارة الربيع العربي في تونس في العام 2011 والتي أطاحت بالكثير من الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة. فما الذي يجري الآن في ذهن كل جزائري عندما يسمع أن الرجل المسن لا يريد لجيل الاستقلال تقلد مسؤولية الحكم قبل مماته؟

 أتذكر أنه عند مجيء بوتفليقة في عام 1999 كانت الجزائر تخرج ببطء من الحرب الأهلية الدامية التي تلت إلغاء نتائج الإنتخابات التشريعية في بداية التسعينات وكانت الآمال معقودة على الرجل الجديد-القديم في تحسين الوضع الأمني والإقتصادي. فبعد تكريس مشروع المصالحة الوطنية” الذي أعفى بموجبه المتورطين في الحرب الأهلية من أي متابعة قانونية ناسيا الفظائع التى ارتكبت في حق الجزائريين، انخرط الرئيس في حملته لاسترجاع سمعة الجزائر على الساحة الدولية بتكثيف الزيارات الخارجية مستفيدا من خبرته إذ كان وزيرا للخارجية في عهد الرئيس بومدين. سنوات حكم الرئيس تزامنت مع انتعاش كبير لأسعار النفط و تزايد الطلب على الذهب الأسود في السوق الدولية في وقت كانت الجزائر مثقلة بالديون بعد عشر سنين من الحرب الدامية التي كلفت الإقتصاد الجزائري بلايين الدولارات.

 انتعاش أسعار النفط وانحسار عمليات الجماعات المسلحة كان دافعا للمؤسسة الحاكمة لبدء أكبر عملية انعاش إقتصادي في تاريخ البلاد منذ الإستقلال والتي خصصت لها ميزانيات ضخمة تعدت 400  بليون دولار منذ مجيء بوتفليقة للحكم حتى عام 2014. ونظرا لسوء التسيير وانتشار الرشوة في كل مفاصل الدولة وانعدام الإرادة لدى الرئيس ومحيطه لوضع حد للرشوة وتبذير المال العام، فإن ما ميز السنوات الأخيرة لحكم بوتفليقة هو تصدر قضايا الفساد في صفحات الجرائد الوطنية والدولية والتي تورط فيها اقرباء الرئيس ومست مشاريع كبرى كالطريق السيار شرق-غرب والعقود الضخمة لشركة سوناطراك الحكومية للنفط، مصدر الدخل الأكبر للجزائر. إن أهم شيء ميّز فترة حكم بوتفليقة هو انتشار الرشوة على نحو غير مسبوق في كافة مفاصل الدولة حتى أن الحصول على”شهادة ميلاد” وهي وثيقة مجانية في دار البلدية أصبح في بعض المناطق يتطلب دفع مبلغ مالي لتسريع العملية. وهكذا الحال في جميع الإدارات الحكومية.

 هذا وقد انعكس مستوى الفساد غير المسبوق على المشاريع الإقتصادية التى كلفت البلايين بدون جدوى. كما أن العهدة الثالثة لبوتفليقة خُتمت بأزمة حليب خانقة على المستوى الوطني إذ أن جزائر 2014 تستورد كل شيء وتعتمد كليا على النفط. بل أن كثيرا من رجال الأعمال الجزائريين والأجانب اشتكوا مرارا صعوبة الإستثمار في الجزائر نظرا للعراقيل البيروقراطية والرشوة. الشيء المؤكد اليوم أنه من غير الممكن الاستثمار وخلق الثروة ومناصب الشغل في الجزائر لأن “النظام البوتفليقي” يشجع الإستيراد الذي يمكّن بارونات بواخر السميد والزيت من تهريب  الملايير إلى البنوك الأجنبية. وخلاصة القول أن الحصيلة الإقتصادية للعهدات الثلاث فاشلة بالنظر للإمكانيات المالية والبشرية التي تتوفر عليها الجزائر.

 ومن الناحية السياسية والحريات، لا يزال قطاع السمعي-البصري تحت هيمنة الدولة رغم بعض الإنفتاح غير المؤثر تحت ضغط الربيع العربي. كما أن الصحافة المكتوبة لا تزال في أغلبها تحت ضغط السلطة التي تحتكر المادة الإعلانية وتوجهها للصحافة الموالية لها مما جعل الكثير من الجرائد تتجنب نقذ السلطة مخافة فقدان الدعم المالي الحكومي. ومن ناحية إمكانية الولوج للإنترنيت تبقى الجزائر في المراتب الأخيرة عالميا ولم ترخّص الجيل الثالث للهاتف النقال إلا منذ شهرين وسيتطلب بناء شبكة وطنية سنين طويلة. وفي ما يخص الانترنيت على الخطوط الثابتة تحتكر الشركة الحكومية السوق كلية كحالة فريدة في العالم وتكتفي بخدمات رديئة للغاية تتوفر فقط في التجمعات الحضرية الكبرى. وبعبارة موجزة : “النظام البوتفليقي” يمقت الإعلام والتكنولوجيا ووسائل الإتصال الحديثة التي قد تعري البروباغندا الحكومية التي تبثها قناة اليتيمة” الحكومية. ونتيجة ذلك كله أنه إلى يومنا هذا يستمر الجزائريون بالآلاف – وخصوصا ذوي الشهادات والكفاءة- في مغادرة وطنهم مكرهين لانعدام الفرص لحياة أفضل.

 نحن لا نريد أن نرجع للوراء ندما على الأعوام التي خسرتها الجزائر إبان حكم بوتفليقة، لا. بل نتطلع للتغيير تدريجيا للوصول لحكم ديمقراطي أو على الأقل لإدارة حكومية تحارب الرشوة وتبذير المال العام وتضمن الحد الأدنى لكرامة الجزائريين في الداخل والخارج. ولهذا فإنه لو كان لبوتفليقة القليل من الحب للجزائر لسلم المشعل للجيل الجديد القادر على تحمل مسؤولياته ولنأى بنفسه وهو مريض عن عهدة رابعة. لكننا تأكدنا أنه رجل لا يحب الجزائر. لو كان كذلك لكان همه منذ 15 عاما هو إرساء قواعد الحكم الديمقراطي خصوصا أن البلد يتمتع بموارد مالية وبشرية هائلة تمكن هذا البلد الجريح من التوجه نهائيا نحو الحكم الرشيد والحداثة. للأسف هذا الرجل المريض لم يفعل شيئا بل أنه يعرض الجزائر للخطر بسبب صراعه العلني مع المخابرات واستحواذه على قيادة الجيش.

 إذا فالجزائر في خطر : فلو تُرك الرئيس والمرتشين الذين يسيرون البلد معه ستزداد الأزمة الاقتصادية والنهب لأموال النفط، ولو خرج الجزائريون للإحتجاج والمطالبة بالديمقراطية فسنرى قوى الظلام الإرهابية المحيطة بالجزائر تنتهز الفرصة لتدمير البلاد خدمة للمصالح الإستعمارية. الرئيس أغلق الباب أمام أي أمل في التغيير.

بترشحه لعهدة رابعة مزورة مسبقا بالرغم من حصيلة حكمه الكارثية وبالرغم من تقدمه في السن ومرضه فإن بوتفليقة يهين الجزائريين ويعرض استقرار الجزائر للخطر.

الجزائر نت

 

تعليق واحد على “بوتفليقة يهين الجزائريين ويعرض البلاد للخطر”

اترك رداً على فريدة إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.