15 سببا تفسر كراهية العرب للنظام السعودي. ما هي ؟

 

تشهد الساحة الإعلامية العربية حاليا حربا ضروسا بين مؤيدي النظام السعودي المتقارب علنا مع إسرائيل، بعد وصول محمد بن سلمان لسدة الحكم وإحكام قبضته على القطاعات الإقتصادية والأمنية للمملكة، وخصومه الكثيرين في السعودية والعالم العربي من حقوقيين وناشطين سياسيين ومواطنين عاديين ذاقوا ذرعا من نفاق الأسرة السعودية المالكة ومشايخها الذين سكتوا بعد اعتراف دونالد ترامب، حليف محمد بن سلمان، بالقدس عاصمة لإسرائيل. فما هي أسباب كراهية الشعوب العربية المتزايدة للنظام السعودي؟ إليكم 15 منها :

1- لأن نظام الحكم فيها وراثي استبدادي، محارب للحريات، تحميه القوى الغربية وفق مبدأ النفط مقابل الحماية منذ معاهدة كويسني (1945) بين بن سعود وفرانكلين رزوفلت. وهو ليس بالوحيد في العالم العربي.

2- لأن النظام السعودي يستعمل الدين لتبرير استمرار الحكم الوراثي الرجعي بمساعدة آلاف المشايخ الوهابيين الذين طوعوا الدين ليتوافق مع الملكية الوراثية السعودية وفق مبدأ “طع ولي أمرك ولو ضرب ظهرك وسرق مالك”. أما “قول كلمة حق عند سلطان جائر” فهذا لا يجوز.

3- لأن النظام السعودي وقف ضد جميع الزعماء القوميين العرب (ولهم أخطاؤهم أيضا وليسوا ملائكة) من جمال عبد الناصر إلى صدام حسين وبرر ذلك دينيا وفق مبدأ أن “القومية كفر وإلحاد” والإسلام “الوهابي” الرسمي الموالي للقوى الغربية هو الأفضل. لذلك استقبلت السعودية وغيرها في الخليج القواعد العسكرية الغربية التي انطلقت منها الجيوش والطائرات لتجريب كل اسلحتها في نزاعات الشرق الأوسط.

4- لأن النظام السعودي شوه صورة الإسلام في العالم أجمع. فالنسبة للمواطن الغربي البسيط الإسلام هو مجرد إيديولوجية للسيطرة على الحكم بالقوة واضطهاد للنساء والأقليات ورفض للتعايش تماما كما يرون ما يحدث في السعودية. لو سالت مواطن غربي عن الدولة التي تطبق الإسلام (حسب فهمهم) فسيقول لك السعودية ثم يسرد لك مساوئ هذا النظام الرجعي. 

5- لأن السعودية ظلت دائما تنشر الكراهية المذهبية و تحارب التيارات الإسلامية غير الوهابية سواء كانت شيعية أو صوفية أو إباضية أو إخوانية، الخ. الإسلام الوهابي السعودي رغم كرهه العميق للشيعة، بسبب الصراع السياسي بين النظامين السعودي والإيراني، فإنه يحارب بلا هوادة كل تيار سني لا يركع لأهواء آل سعود الذين لا يقبلون المنافسة لا من السنة ولا الشيعة.

6- لأن النظام السعودي ظل يحارب أي أمل في الديمقراطية في العالم العربي لأن نجاح الديمقراطية في أي بلد عربي سيهدد بلا شك نظام آل سعود القائم على الملكية الوراثية المطلقة. ألم يدعم النظام السعودي بقوة الإنقلاب على الرئيس المصري المنتخب حتى يمنع مصر من النهوض لقيادة العالم العربي ويقف أمام صعود الإسلام السياسي الديمقراطي الذي ينافس الإسلام الوهابي السعودي الوراثي المطلق.

7- لأن  النظام السعودي صدر منذ عقود الإيديولوجية الوهابية بالتوافق مع الحلفاء الأمريكان أولا لاستخدام الجهاديين السلفيين ضد السوفيات في أفغانستان في الثمانينات ثم لزعزعة استقرار الدول غير الموالية لمحور الرياض-واشنطن. ألا تستمد حركات السلفية الجهادية (القاعدة، داعش، طالبان، بوكو حرام، الخ) أيديولوجيتها الإقصائية العنيفة من أدبيات الإسلام الوهابي السعودي ؟ ألم تدرس داعش كتب محمد عبد الوهاب في سوريا والعراق ؟

8- لأن النظام السعودي يستعمل شعيرة الحج كأداة للضغط سياسيا على الدول الإسلامية ورأينا ذلك خصوصا في الصراع مع إيران ومؤخرا بعد توتر العلاقات مع قطر ومنع الحجاج القطريين من السفر للبقاع المقدسة عبر الخطوط الجوية القطرية. زد على ذلك التكاليف الباهظة جدا للحج، التي تمنع ملايين المسلمين من إتمام ركن من أركان دينهم، والخدمات الرديئة والحوادث التي أودت بحياة آلاف الحجاج.

9- لأن النظام السعودي نظام بلطجي قام باعتقال رئيس وزراء لبنان سعد الحريري في خرق واضح للمعاهدات الدولية لإرغامه على الإستقالة أو طرد حزب الله من الحكومة اللبنانية ولم لا إشعال حرب أهلية جديدة في لبنان تستفيد منها إسرائيل. بالإضافة لاعتقال المشايخ المعارضين والمثقفين، يتجرأ النظام السعودي على اعتقال رؤساء حكومات. جنون عظمة ؟

10- لأن النظام السعودي المتستر بالسلفية والذي نصب نفسه “حاميا للسنّة” هو أول داعم للقوى الغربية التي تحارب نفس السنّة (نحن مرغمون للأسف على استعمال هذه التعابير العنصرية التي يقتات منها تجار المذهبية). والحقيقة أن أنظمة عربية كثيرة تشارك السعودية هذا “الشرف” لكن لا يوجد نظام عربي واحد له قوة مالية كالسعودية وبفضله تستمر الصناعات العسكرية الغربية في تصدير منتجاتها للشرق الأوسط دون السماح، بالطبع، للعرب بالتفوق عسكريا على إسرائيل. السلاح المصدَّر للعرب سيستعمل ضد بعضهم البعض.

11- لأن النظام السعودي الوهابي هدم أغلب التراث ألإسلامي في الحجاز الذي يعتبره ملك له يتصرف فيه كما يشاء. فعلى مدى قرون هدم الوهابيون السعوديون أغلب المعالم التاريخية التي حافظ عليها المسلمون على مدى قرون من مساجد ومقابر وحصون وبيوت للصحابة، الخ. وإذا كان الوهابيون السعوديون يبررون ذلك بمحاربة البدع والخرافات فإن الحقيقة أن النظام السعودي يسعى لمحو آثار الماضي (إلا في الدرعية معقل التيار الوهابي) حتى يسهل عليه السيطرة على قبائل نجد والحجاز. كذلك فعل داعش في سوريا والعراق عندما هدم المعالم التاريخية مفسرا ذلك بمحاربة البدع لكن الهدف هو محو تاريخ وهوية الشعوب حتى تسهل السيطرة عليها. والنتيجة ؟ تحول مكة المكرمة لمدينة تشبه لاس فيقاس تعج بمراكز التسوق والفنادق الفارهة (للأغنياء) واختفاء معالم مكة التاريخية ومحاصرة الكعبة وسط البنايات الشاهقة.

12- لأن النظام السعودي يشن حربا ظالمة على أفقر الدول في العالم وهو اليمن لأن السعودية تريد أن يكون هذا البلد دائما وأبدا حديقتها الخلفية. هذه الحرب جارية منذ ثلاث سنوات وبسببها انتشرت الكوليرا والمجاعة التي تهدد حياة ملايين اليمنيين. ولافتقار السعودية لجيش نظامي عصري (خوفا من انقلابه على الأسرة المالكة يوما ما) فإن النظام السعودي يؤجر المرتزقة من الدول الفقيرة ليحاربوا نيابة عنه في اليمن. ومرة أخرى يستعمل الوهابية لتبرير الحرب هناك موهما المرتزقة الأجانب بأنهم يحاربون “حوثيين كفار” أو “إخونجية مبتدعة” (إيديولوجية داعش ؟) ويدافعون عن الحرمين.

13- لأن النظام السعودي الوراثي انتج أجيال من المتطرفين شوهوا صورة المسلمين في العالم خصوصا بعد أحداث 11/9 التي كان جل مقترفيها سعوديون. وبدلا من إسقاط النظام السعودي توجه جورج بوش للعراق وبسبب حربه مات ملايين العراقيين في حروب مذهبية. ونفس الشيء في سوريا فقد دعم آل سعود الكثير من “الجهاديين” في سوريا ممن يوالون آل سعود أملا في إسقاط الأسد وكان ذلك سببا في تراجع الفصائل المنادية بالديمقراطية (التي لا تجوز عند آل سعود). وهناك دول أخرى شاركت في الحرب الأهلية السورية وليست السعودية وحدها كما يعلم الجميع.

14- لأن النظام السعودي أصبح ينادي علانية بالتحالف مع إسرائيل ليس ضد إيران فحسب ولكن ضد كل الدول والحركات التي تقاوم الاحتلال أو الغطرسة الأجنبية في الشرق الأوسط. النظام السعودي ليس وحده لكن الفرق مع الأنظمة العربية الأخرى التي تعيش تحت المظلة الأمريكية هو أن النظام السعودي ينوي تصفية القضية الفلسطينية منذ وصول الأمير محمد بن سلمان لسدة الحكم في المملكة. فقد زار سرا تل أبيب وتوالت اللقاءات بين المسؤولين السعوديين والإسرائيليين. والتحالف مع إسرائيل ليس لصالح الشعوب وإنما لصالح الحكام الذين ربطوا مصيرهم باستمرارية إسرائيل. فإذا كان الإسرائيليون ينعمون بالديمقراطية ودولة القانون في بلادهم فإن النظام السعودي سيستمر في الحكم بالوراثة والقمع والتنكيل بكل من لا يسبح بحمد بن سلمان. 

15- لأن النظام السعودي الثري يستعمل ماكينته الإعلامية الجبارة ليس لخدمة الشعوب العربية أو المسلمة وقضاياها وإنما لخدمة أجندة النظام وأهدافه دون أدنى اعتبار للمهنية. فإذا كانت الفضائيات الدينية السعودية المخصصة للإسلاميين تغزو الحقل الإعلامي العربي والإسلامي لنشر التيار الوهابي على مقاس آل سعود وتصوير الملوك على أنهم حماة للعقيدة والدين، فإن الفضائيات الترفيهية الموجهة للشباب العربي (عبر شبكة MBC) أضحت أهم القنوات لتمرير المنتجات الثقافية الأمريكية من أفلام ومسلسلات وأغاني وتقريب الرأي العام من حليف آل سعود وحاميهم. وفي كلا الحالتين تحارب الوسائل الإعلامية الدينية والترفيهية السعودية بلا هوادة كل توجه ضد التحرر والمشاركة الشعبية. ففي القنوات الدينية تبرر ذلك للمتدينين بحرمة الديمقراطية وكفرها حسب تعاليم الوهابية الملكية وأنها ستجلب علمانيين كفرة لسدة الحكم، وفي القنوات “العلمانية” تبرر ذلك للعلمانيين بأن الديمقراطية لن تنجح لأنها ستجلب الإسلاميين المتطرفين للحكم ! وبذلك نجح آل سعود في جلب الإسلاميين والعلمانيين المتأمركين لصفه. لذلك يصمت اليوم مشايخ الوهابية ولا يتكلمون عن القدس ويدافع بشراسة الجيش الإلكتروني السعودي عن موقف السعودية الداعم لقرار ترامب باعتبار ذلك مصلحة وطنية. أليس كذلك؟

أم لكم أسباب أخرى تفسر كراهيتكم للنظام السعودي ؟ نترك لكم الكلمة في التعليقات.

الجزائر نت

 

وعاظ السلاطين العرب : كهنة وأدوات تسويق وصناع رأي

قد يقول أحدهم، لماذا يتهجم الناس على العلماء و”لحومهم مسمومة” ؟ أليسوا بشرا يصيبون ويخطئون ؟ إذا ما على المواطن سوى حسن الظن فيهم والإصغاء لهم وطاعتهم والدعاء لهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها. هذه هي الرؤية التي يحاول المستفيدون من الوضع الراهن أن يفرضوها على الناس. فالشيخ أعلم منك بدينه وبملكه وبمصلحة عامة الناس الذين لا يفقهون شيئا في شؤون الحياة الدينية والدنيوية. هؤلاء “العلماء” يعتقدون أنهم من صفوة القوم ومن واجبهم الحيلولة دون مشاركة الناس وإبدائهم لآرائهم في الشؤون السياسية والإجتماعية فضلا عن الأمور الدينية. فاحتكار الرأي في جميع المسائل كفيل ليس فقط بحماية “تجارتهم ومناصبهم”، وإنما أيضا حماية الملوك والقادة المستبدين المحتكرين للثروة والسلطة. 

هوس مشايخ السلطان بوسائل الإعلام : من أشرطة الكاسيت إلى وسائل التواصل الاجتماعي

 بعد اختراع الألماني يوهان غوتنبرغ المطبعة في أواسط القرن الـ 15 م وطباعة الإنجيل تنبهت الكنيسة الكاثوليكية لأهمية الاتصال الجماهيري في الدعاية الدينية والسياسية وضرورة توظيفه للسيطرة على عقول الجماهير. وكذلك فعل المناضلون من أجل الحريات وحقوق العمال في أوروبا حتى بزوغ نجم وسائل الإتصال الجماهيرية أي السينما، في أواخر القرن الـ 19 م، ثم الراديو و التلفيزيون في القرن الـ20م. .

كذلك فعل رجال الدين في العالم العربي والإسلامي أسوة بالكتاب والصحافيين العرب بدءا بالصحافة المكتوبة إلى آخر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي. قد يتساءل القارئ : أليس من حق الدعاة والشيوخ استعمال الوسائل الحديثة لنشر الفضيلة ؟ والإجابة: نعم. لكن المشكلة تكمن في استعمالهم لهذه الوسائل لنشر الجهل وتشويه الرسالة السمحاء للإسلام بفتاويهم “حسب الطلب” ومساندتهم للأنظمة الإستبدادية فضلا عن زجهم بالشباب المحبط في براثين العنف والإرهاب. من منا في الجزائر لا يتذكر في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي الأشرطة المغناطيسية التي تصلنا من السعودية ومصر التي تنشر الخطابات النارية والفتاوى السياسية تحت غطاء الدعوة للدين وللمنهج الصحيح ؟ ألم تتسبب بعضها في نشر الأفكار الهدامة وتحويل الشباب المحبط إلى العنف كوسيلة للتغيير ؟ وبعد أن فتحت الفضائيات السعودية منابرها للمشايخ كقوة ناعمة لنشر منهج المملكة الوهابية في سائر أنحاء العالم وجلب التأييد الشعبي لسياسات ملوك آل سعود وحلفائهم الأمريكان في الشرق الأوسط. من منا لا يتذكر الفتاوى الدينية-السياسية لإضفاء شرعية تحالف آل سعود مع الأمريكان لاحتلال العراق ؟ 

دس الدعاية السياسية في أحشاء التجارة الدينية

الفضائيات التلفزيونية لازالت موجودة إلى يومنا هذا، لكن المشايخ – رجال الدين وصناع الرأي – انتبهوا للإعلام الجديد منذ بداية الألفية الجديدة وفهموا توجه الشعوب للانترنيت كوسيلة اتصال تفاعلية خارجة عن سيطرة الحكومات. فحجز كل شيخ موقع له على الإنترنيت ثم على وسائل التواصل لكن المحتوى والهدف لم يتغير. فكالعادة تقرأ فيه مزيج من الدعوة للفضيلة، وهذا عمل محمود، و الرسائل السياسية المساندة لسياسات الأمراء والملوك الفاسدين، وهذا عمل مذموم. 

الشيخ السعودي العريفي يتملق لملوكه وأمرائه الذين دفعوا الجزية لترامب مقابل حماية عروشهم من سخط شعوبهم

أيعتقد هؤلاء أننا نسينا الفتاوى – والتي جاءت تلبية لرغبات نفس الملوك – الداعية للجهاد المزعوم في سوريا وليبيا واليمن ؟ ألم تتسبب في تدمير البلدان وتشريد الملايين وتجويعهم ؟ أحلال دعم الجهاديين في سوريا وحرام انتقاد السلطان المحلي ؟ أي ازدواجية هذه ؟ وفي ظل الغياب التام للصحافة الحرة، ينفرد هؤلاء بالمنابر ليس فقط لنشر الفضيلة كما يزعمون، وإنما لتبرير سياسات ملوكهم وإن تعارضت مع الدين والأخلاق. 

الشيخ العريفي يبرر دينيا العدوان السعودي على اليمن والذي راح ضحيته الآلاف وكأن ذلك من الجهاد

أليس هذا النفاق هو الذي يدفع بعض الشباب الذي الذي تربى على خزعبلات مشايخ الدولار إلى الإرتماء في أحضان الجماعات الإرهابية التي تعدهم بالجنة في الدنيا والآخرة ؟ أو بالعكس دفعهم للإلحاد للتخلص من أدبيات الكهنة التي عفى عنها الزمن ؟ 

مشايخ البترودولار والدعاية التجارية : من بيع الأرز  والدفاع عن شركات التأمين إلى الترويج لتجارة العبيد

 تجارة الدين والسياسة لا تكفي المشايخ، فالمجتمع الذي ينشده هؤلاء هو مجتمع استهلاكي تسود فيه الدعاية التجارية ولو سخرت العواطف الدينية لبيع الأرز والعطور. فالشيخ هو قبل كل شيء رجل أعمال يجني الأموال من الدعاية التجارية الممزوجة بالرسائل الدينية للتأثير على المستهلكين. فهم ليسوا فقط صناع رأي وإنما أدواة تسويق للشركات المحلية (المقربة من السلطان وأعوانه).

الشيخ العريفي يروج لماركة أرز الشعلان السعودية  ويدسها في منشور عن زكاة الفطر

وأيضا أدواة للترويج لمشاريع شركات العقار الأجنبية … هؤلاء المشايخ بارعون في تسويق كل شيء من أكياس الأرز إلى الشقق الفارهة في تركيا.

الشيخ العريفي يروج لمشاريع عقارية في تركيا

بالإضافة لتقديم الخدمات لشركات التأمين السعودية عن طريق تخويف الناس من عواقب الاحتيال على هذه الشركات وهذا بالرغم من أن بعض مشايخ الوهابية حرموا أصلا التعامل مع شركات التأمين وشبهوا التأمين بالميسر ! أي تناقض هذا ؟

الشيخ السعودي عائض القرني في مهمة تخويف الزبائن من مغبة التحايل على شركات التأمين

هل تريدون المزيد ؟ الشيخ العريفي لا يتردد في الترويج لتجارة العبيد، أي العمالة الأجنبية، والتي تعاني من معاملة قاسية في السعودية (نظام الكفيل) لا تمت بصلة لأخلاق الإسلام وقد نددت بها العديد من المنظمات الحقوقية في العالم. هل هناك تشويه للدين  ولمكانة رجل الدين أكبر من هذا؟ 

الشيخ العريفي يروج لاستقدام الخادمات من آسيا وباسعار معقولة !

القائمة لاتزال طويلة ولو كرسنا عشرات المقالات لكذب ونفاق تجار الدين والأرز الذين أساؤوا للدين وحولوه لتجارة دنيوية. ولكن قبل أن ننهي المقال، نود أن ننبه أيضا لمهزلة أخرى ارتكبها كهنة السلطان السعوديين إزاء انتفاضة المقدسيين الأخيرة للدفاع عن المسجد الأقصى والتي أرغمت رئيس الوزراء الإسرائيلي على التراجع عن وضع كاميرات مراقبة في مداخل الحرم القدسي.  فبينما يقضي الملك سلمان وحاشيته الضخمة عطلته في طنجة المغربية، هرول كهنة السلطان لتصوير هذا التراجع الإسرائيلي وكأنه إنجاز لملكهم الفذ المدافع عن حرمات المسلمين !

مشايخ الوهابية السعوديين في أوج حماسهم للسلطان

لكن رد المقدسيين الذين دافعوا لوحدهم عن مقدساتهم لم يطل انتظاره.

وقد صرحت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الحكومة الإسرائيلية كانت تتخوف من ازدياد الاحتقان في بعض العواصم العربية المقربة (الرياض، القاهرة، عمان) والتي قد تقود لحراك شعبي قد يهدد هذه الأنظمة الموالية لمحور واشنطن-تل أبيب. بدون شك أن هؤلاء الكهنة يعلمون أن الناس بدأت تتنبه لتجارتهم الخاسرة وهم يفقدون المصداقية شيئا فشيئا. ويبدوا أنهم يجدون صعوبة في تكميم أفواه معارضيهم والدليل على ذلك الانتقادات اللاذعة التي يتعرضون لها على وسائل التواصل، وهذا ما لم يكن ممكنا في وسائل الإعلام التقليدية المملوكة للسلطان. 

بعد كل هذا، دعونا نعود للجملة الأولى في هذا المقال، ألا تزال لحوم العلماء مسمومة ؟ بالنسبة لنا لحوم الشعوب هى الأكثر سما وفتكا. وللحديث بقية.

الجزائر نت

لماذا دفع الوهابيون-السعوديون الجزية لترامب وهم صاغرون ؟

ترامب يرقص مع الملك السعودي كما رقص جورج بوش قبله

المتتبعون لشؤون العالم العربي أصيبوا بالذهول لحجم الجزية التي دفعها مؤخرا ملوك وأمراء الوهابية-السعودية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقابل تعهده بمواصلة بحماية عرش هؤلاء الصعاليك الذين يتحكمون في بلاد الحجاز منذ عقود طويلة. سياسة النفط والمال لأمريكا مقابل الحماية ليست جديدة بل تمتد جذورها لاتفاقية كوينسي 1945 التي جمعت مؤسس المملكة  الوهابية-السعودية الثالثة عبد الله بن عبد العزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت التي أسست للعلاقات بين المملكة وأمريكا : حماية العرش (من الخطر الداخلي أو الخارجي) مقابل النفط الرخيص. ومنذ ذلك الحين، لم يقتصر دور ملوك الوهابية-السعودية على تقاسم “غنائم النفط” مع الأمريكان ورمي الفتات لشعب الحجاز، بل تعداه للتدخل في شؤون الدول العربية التي لا تخدم المصالح الأمريكية الإسرائيلية ودعم جميع الحملات العسكرية الغربية في المنطقة. لماذا؟ لأن محاولة أي دولة عربية التخلص من الهيمنة الغربية في المنطقة يشكل تهديدا لحكم آل سعود الأوتقراطي الإستبدادي الذي يسعى لتزعم العرب والمسلمين وضمان

الرئيس فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود على متن طراد كوينسي(1945).

استمرار “الملكية الوراثية الوهابية” كنظام حكم أفضل للعرب (الذين لا تلائمهم الديمقراطية). وكأن المملكة قطعت عهدا على نفسها يتمثل في ردع أي نظام عربي لا يخضع للعباءة الأمريكية ضمانا لمصالح القوى الغربية من جهة، وحماية لنظام آل سعود الديني الوراثي من أي منافس على الزعامة في العالمين العربي والإسلامي من جهة أخرى.

الملكية الدينية المطلقة لقمع الداخل وخدمة الخارج 

فعلى الصعيد الداخلي، وبالإضافة لقمع وسجن وتقطيع رؤوس المعارضين على الطريقة الداعشية، يستمد النظام السعودي-الوهابي شرعيته من الإيديولوجية الوهابية التي تفرض على الرعية خضوعا تاما للملوك والمشايخ المتوارثين للحكم والثروة باعتباره ركنا من الدين (حسب تعاليم الوهابية) وسبيلا لنيل مرضاة الله. ولذلك يحرم الوهابيون الإنتخاب والديمقراطية والتعددية التي تهدد بدون شك سلطتهم وثروتهم. ويحرص هؤلاء على تطبيق الحدود على الضعفاء من الشعب والأجانب العرب والبنغاليين لمخادعة الناس وإيهامهم بأن النظام يطبق فعلا الشريعة وينبغي الخضوع له. والكل يعلم أن الأمراء والأجانب الغربيين يفلتون من العقاب ناهيك عن صمت المؤسسة الدينية في البلاد إزاء أعمال النهب والسلب التي يقترفها الأمراء وبذخهم وتضييعهم للمال العام في الملاهي الأوروربية والآسياوية. أما على الصعيد الخارجي، فيعتمد الأمراء الوهابيون-السعوديون على الثروة النفطية لخدمة إقتصاد الدول الغربية التي تضمن حمايتهم (من شعبهم أولا) والإغداق عليهم بالعطايا والتبرعات وصفقات الأسلحة والرشاوى حتى ترضى عنهم القوي الغربية.

الشيخ الوهابي العريفي يدعو أتباعه للإصطفاف وراء الملك السعودي وضيفة دونالد ترامب

الشر الذي يتجاوز الحدود

قد يتساءل أحدهم، أوليس من حق المملكة السعودية التحالف مع من تريد ؟ والإجابة بنعم. لكن التحالف لتبادل المصالح وليس لشراء الحماية من الشعب. وقد يقول آخر، ألا تفعل الدول العربية الأخرى نفس الشيء؟ والإجابة بنعم أيضا. كل الأنظمة العربية ديكتاتورية فاشية باستثناء تونس و بقدر أقل التجربة اللبنانية. لكن شر هذه الأنظمة العربية الإستبدادية لا يتجاوز في أغلب الأحيان حدودها وليس لها أي تأثير في محيطها، لذلك فهي غير قادرة على منع أي تحول ديمقراطي في البلدان الأخرى. أما شر النظام السعودي-الوهابي فلا يقتصر على شعب نجد والحجاز، بل هو عابر للحدود بسبب حرصه على نشر الإيديولوجية الوهابية لوأد أي أمل في نهضة الشعوب العربية والإسلامية وأي تحول لأنظمتها الديكتاتورية للديمقراطية باعتبارها حرام لا تجوز بينما الحكم الوراثي الإستبدادي حلال وجب الخضوع له.

بالله عليكم، من بإمكانه نفي الحقيقة الساطعة بأن أي زعزعة استقرار أي نظام عربي استبدادي سيفتح المجال للحركات السلفية الجهادية التي تسعى للسلطة على الحكم – على الطريقة الوهابية-السعودية – كما حدث في جزائر التسعينات وحديثا في سوريا وليبيا، الخ. الإيديولوجية الوهابية التي تصدرها مملكة آل سعود، وإن مكّنت هؤلاء على الصعيد الداخلي من إخضاع شعب الحجاز للحكم الوراثي الإستبدادي، فإنها تقف حجر عثر أمام أي تحول ثقافي وسياسي عربي نحو الديمقراطية والتعددية عبر إقصاء أي مشروع تقدمي.

ألم يعارض الوهابيون-السعوديون الثورة المصرية ودعموا العسكر للاستيلاء مجددا على مقاليد الحكم ليس كرها في الإخوان المسلمين (منافسيهم على الساحة الإيديولوجية) فحسب، وإنما خوفا من انتشار عدوى التحرر والديمقراطية في المنطقة  التي تهدد بدون شك حكمهم ومصالح القوى الغربية التي تحميهم. ألا يذكر القارئ وقوف النظام السعودي-الوهابي سابقا ضد الأنظمة العربية التقدمية في مصر جمال عبد الناصر وعراق صدام وغيرهم ؟ في تلك الحقبة أستعمل الوهابيون-السعوديون حجة دينية لخداع الشعب مفادها أن هؤلاء كفار بعثيين وجبت إزالتهم ولذلك وفروا كل الدعم للجيوش الأمريكية التي استقرت في الخليج لتدمير أي نظام عربي لا يخدمهم أو يهدد حليفهم الحقيقي الوحيد في المنطقة (إسرائيل)؟

موضة الخطاب الطائفي 

ألم يستعمل آل سعود الفزاعة الشيعية الإيرانية لمواصلة تضليل الرأي الداخلي وإبعاده أنظاره عن مشاكله الداخلية وثنيه عن أي محاولة لتغيير النظام الوهابي الوراثي ؟ ألم يغرر هؤلاء بصدام  حسين وساندوه في الحرب على إيران في الثمانينات ثم استضافوا المارينز ودمروا العراق بعد ذلك ؟ ألم يدعم الوهابيون-السعوديون الديكتاتور اليمني علي عبد الله صالح لعقود خوفا من صعود نجم الإخوان المسلمين والحوثيين في البلد قبل أن ينقلبوا عليه ويدمروا اليمن، ولا يزالون، مستعملين هذه المرة الفزاعة الشيعية-الإيرانية ؟ لم ينتظر الوهابيون-السعوديون أبدا المأساة السورية ولا الليبية ولا اليمنية لاستعمال الخطاب الطائفي لتبرير جزيتهم لترامب ونيتهم في إلهاء الرأي الداخلي وثنيه عن أي محاولة للتغيير. فقبل ذلك كما أسلفنا اعتبروا القوميين العرب كفارا والإخوان المسلمين مبتدعة والتقدميين والديمقراطيين العرب خارجين عن الملة متشبهين بالغرب (الذي يحمي عروشهم !). والخطاب الطائفي ضد الشيعة ما هو إلا فزاعة إيديولوجية جديدة لإلهاء الرأي الداخلي وربح بعض الوقت قبل أن يجرفهم سيل التغيير، وهو قادم لا محالة، سواء دفعوا الجزية أم لم يدفعوها.

وبصراحة، الجزية مفروضة على أي نظام عربي اختار استمداد مشروعيته من الخارج وليس من الداخل وهي ليست حكرا على النظام السعودي-الوهابي. لكن حجم عمالة ومكر هذا النظام فاق كل الحدود فضلا عن نشره للتطرف في العالمين العربي والإسلامي وتدميره لإسلام الأنوار وتشويهه لصورة الإنسان العربي والمسلم في العالم بإظهاره بمظهر “الإسلاماوي المتزمت، المتشدد، الذكوري، المرتشي، المستبد، المتاجر بالدين، الخاضع لسيده الأمريكي، السارق للنفط، الكابت للحريات، القاهر للنساء والأقليات، الفاجر في ملاهي الغرب والظاهر بمظهر المتدين التقي في بلده خداعا لنفسه ولشعبه، الخ”. مساوئ هذا النظام الفاشي تتعدى حدود نجد والحجاز وحجم الجزية التي دفعوها لترامب فاقت كل التوقعات (تتجاوز 400 مليار دولار) وهي كافية لتطوير قارة بأكملها، فهنيئا للأمريكان.

ما نقله ترامب قبل وصوله للحكم يعبر عن نظرة دونية لأل سعود : “السعودية لا شيء سوى أبواق متحرشين وجبناء لديهم المال ولا يملكون الشجاعة”. 

هل يعقل أن يدفع الوهابيون-السعوديون كل هذه الأموال لترامب الذي يحتقرهم ويعادي المسلمين بينما الآلاف في اليمن المجاور لهم يموتون جوعا ومرضا؟ أليس ذلك من يدفع بالشباب للإرتماء في أحضان الجماعات الإرهابية في محاولة يائسة لاسترداد شيئا من الكرامة ؟ لماذا يتظاهر إذا الوهابيون-السعوديون أمام ترامب بنيتهم محاربة الإرهاب إذا كانوا هم سبب الإرهاب أولا باستبدادهم ودفعهم للجزية لمن يحميهم من شعوبهم، وثانيا بنشرهم في كافة أنحاء العالم للفكر الوهابي المتطرف الذي يغلق الطريق أمام أي ثورة ثقافية وسياسية تحررية تعددية في العالم العربي؟  

وفي الختام، أي نظام سياسي لا بد وأن يدفع الجزية لضمان استمراره في الحكم. فإما أن يدفعها لشعبه الذي انتخبه، كما هو الحال بالنسبة للأنظمة الديمقراطية التي تتفانى في خدمة شعوبها، وإما أن يدفع لسيده الذي يحميه من الخارج كما هو الحال بالنسبة للأنظمة العربية الرجعية. لكن سيل التغيير الجارف قادم لمحالة عندما تفرغ خزائن أي الديكتاتور ويعجز عن دفع جزيته وهذا ما تعلمه الأسرة السعودية المالكة بدون شك. هذه مسألة وقت لا غير والسؤال الذي يطرح نفسه عندئد : هل سيدخل شعب نجد والحجاز – الذي رضع حليب الإيديولوجية الوهابية الإقصائية منذ قرون- في حرب دينية واقتتال على السلطة كما فعل الوهابيون الأوائل للسيطرة على البقاع المقدسة ؟ هذا ما يصبوا إليه النظام السعودي الحاكم بنشر الإيديولوجية الوهابية في الداخل والخارج التي تمنع أي تحول ديمقراطي أو تداول سلمي للسلطة وتجعل احتمال إقصائه من الحكم فرضية غير محمودة العواقب.

الجزائر نت

 

 

 

 

 

 

العسكري اللاجئ أنور مالك : أعظم بهتان جزائري

أن يستعمل النظام السعودي أصوات المثقفين والصحفيين والشيوخ المحليين فهذا أمر معروف لكل متتبع لشؤون المملكة وإعلامها، وكذلك تفعل جل الأنظمة العربية، لكن أن نجد مثقفين جزائريين في طليعة المطبلين للنظام السعودي والأوائل في جلب رسائل الكراهية المذهبية الغريبة لبلادنا، والتي عادة ما يوظفها آل سعود لشرعنة حكمهم الوراثي، فهذا بالفعل مثير للقلق. والمتتبع لوسائل التواصل الاجتماعي في الأسابيع الأخيرة يلاحظ انتشار حملة “تويترية” ضد سفير إيران في الجزائر وضد الشيعة بشكل عام (وهم يعدون على الأصابع في الجزائر) يقودها اللاجئ السياسي الجزائري المقيم في فرنسا نوار عبد المالك، المدعو “أنور مالك”.

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-12-23 19:36:41Z | | ÿaVÿ4|pÿ<…xÿ/ž‚`á‚
العسكري السابق نوار عبد المالك في ضيافة أمراء آل سعود

فكيف تحول هذا العسكري اللاجيء في فرنسا والذي تصفه القنوات الإعلامية الخليجية “بالخبير والحقوقي والدكتور والإعلامي الجزائري” إلى بوق لنظام أجنبي رجعي يروج للكراهية المذهبية والتطرف للجزائر بلد الإسلام المالكي المعتدل الذي يعيش في كنفه العلمانيون والصوفيون والإباضيون والأقلية المسيحية بكل أمان ؟ وما سر تفرغ هذا اللاجئ لخدمة النظام السعودي على مواقع التواصل والفضائيات بدعم حروبه في اليمن وسوريا وحشد الدعم الجماهيري للمملكة الوهابية بالإعتماد على الخطاب الطائفي العرقي المشحون بالكراهية الذي يتبناه آل سعود لجماية عروشهم ؟ ألا نتبجج نحن في الجزائر “بالنيف” الذي لا يشترى بالمال ؟ أم أن “الأرز السعودي” أكبر من أن يقاومه أشباه مناضلي حقوق الإنسان ؟ أم أن الإنقسام الإيديولوجي والطائفي الذي تعانيه بلدان المشرق العربي والذي يغذي الحروب المدمرة في سوريا والعراق واليمن يشق طريقه لبلادنا عن طريق أبواق آل سعود المقيمين في أوروبا والذين ينعمون بديمقراطيتها وحرياتها ؟ وهل بإمكاننا التحدث عن لوبي سعودي يستهدف المثقفين الجزائريين ويسعى لتجنيدهم بعدما فشل آل سعود في جر الجزائر لحروبهم في سوريا واليمن وتبني الجزائر رسميا لموقف مستقل عن مغامرات أمراء الوهابية.

عندما يستثمر العسكري الفار في الدعاية لنظام آل سعود

دعونا نتعرض لظاهرة جديدة في الفضاء الإلكتروني الجزائري وهي انخراط شخصيات مقيمة في أوروبا ومحسوبة على الجزائر، على غرار نوار عبد المالك، في الصراع السعودي-الإيراني ورغبتهم في نقل الصراع المذهبي والقومي بين النظامين إلى الجزائر عن طريق البروباغندا الإعلامية. مخطئ من يعتقد أن ظاهرة شراء أصوات الصحافيين والمشايخ والفنانين لصالح الآلة الدعائية السعودية هي حالة خليجية بحتة وأن المثقف المغاربي – والجزائري على وجه الخصوص – سيبقى بعيدا عن التنافس المحموم على الزعامة الدينية والسياسية بين طهران والرياض.  صحيح أن موقف جمهور السلفيين في الجزائر يتعارض مع موقف “ولي الأمر المحلي” (الرئيس بوتفليقة) ويقف بقوة إلى جانب ولي الأمر الأجنبي السعودي-الوهابي ويبرر إيديولوجيًا ودينيا انخراطه في سوريا واليمن والعراق وكذلك دعمه المباشر للثورات المضادة لإفشال الربيع العربي في مصر والبحرين، وهذا مفهوم بسبب العلاقة الوثيقة بين تيار السلفية-الوهابية العابر للحدود وطبيعة نظام الحكم الديني الوراثي السعودي. لكن الملفت للإنتباه هو تفطن بعض المغتربين اللاجئين من أمثال الضابط الفار أنور مالك لضرورة ركوب موجة التطبيل للسياسات السعودية من منفاهم مقابل حفنة دولارات. ربما لكسب قوتهم ؟ بدون شك فهم يدركون الصورة القاتمة للمملكة الوهابية في أوروبا بسبب اضطهادها للناشطين والنساء وسطوة الأمراء على السلطة والثروة بالتحالف مع مشايخ الوهابية النجدية والقوى الغربية. لذلك فالبروباغندا تستهدف الرأي العام العربي الخليجي بالخصوص ويتجلى محتواها في تسويق الإيرانوفوبيا والكراهية المذهبية وتبجيل أمراء آل سعود الفاسدين باعتبارهم ورثة الصحابة ! هي دعاية وهابية تقليدية ضرورية للنظام السياسي السعودي يحترفها آلاف المشايخ والصحافيين المرتزقة والتي تبدو غريبة عن المشهد الديني الجزائري والمغاربي بشكل عام الأكثر اعتدالا مقارنة بالمجتمع السعودي، من جهة، وعن مبادئ المجتمع الأوروبي الذي يعيشون فيه هؤلاء اللاجئين والمبني على الحرية الدينية والتعايش و الديمقراطية من جهة أخرى.

ومن أبطال هذه “البروباغندا” المدفوعة الأجر أنور مالك، اللاجئ حاليا في فرنسا، واسمه الحقيقي نوار عبد المالك و هو ضابط سابق في الجيش الجزائري مكلف بالإتصال (الدعاية ؟) طرد من الخدمة ثم فر إلى فرنسا طالبا اللجوء السياسي. واليوم يقدم هذا الرجل في وسائل الإعلام الخليجية بصفتة مراقب دولي لحقوق الإنسان وناشط سياسي و”خبير” في التشيع والشؤون الإيرانية ! 

نوار عبد المالك: من جندي شاعر في قصر العطش إلى لاجئ !

نوار عبد المالك، العسكري السابق، فر من الجزائر طالبا اللجوء في فرنسا زاعما تعرضه للتعذيب بسبب قناعاته السياسية، بينما السلطات الجزائرية تتهمه بتزوير الحقائق وأنه تم سجنه بسبب تورطه في تجارة المخدرات. الضابط أنور انضم لمؤسسة الجيش عام 1991 في عز الأزمة الأمنية واختار طواعية الإنضمام للنظام ليس حبا في المؤسسة العسكرية أو اقتناعا بضرورة المشاركة في الحرب ضد الإسلاميين الذين رفعوا السلاح ضد الدولة بعد إلغاء الإنتخابات التشريعية، لا أبدا، بل للإسترزاق ! أنور مالك يريد الحصول على المال والقضية ليست قضية قناعات ومبادئ وهكذا الحال إلى يومنا هذا إذ يغير أرائه حسب الجهة التي تدفع له. أنور عبد المالك العسكري

وقد صرح في 2007 لصحيفة الوسط التونسية أنه انخرط في الجيش بسبب ” رغبته في تحقيق مستوى إجتماعي لأسرته”. لكن ذلك ليس كاف، فأنور مالك لا يريد مالا فقط بل شهرة إعلامية أيضا، فابن قصر العطش متعطش فعلا للشهرة والثروة ، ولذلك شرع في نشر أشعار بأسماء مستعارة في صحف ناطقة بالعربية مكنته من الظهور في التلفزيون الجزائري وهو لا يزال في الجيش.

أنور عبد المالك الشاعر
العسكري نوار عبد المالك “الشاعر” في أولى خطواته نحو الشهرة يكتب في صحيفة “البلاد” باسم مستعار
انور عبد الملك في التلفزيون الجزائري
العسكري نوار عبد المالك في ضيافة التلفزيون الحكومي بهوية مستعارة (شاعر)

ودون الخوض في تفاصيل تعرضه المزعوم للتعذيب علي يد وزير جزائري وطرده من الجيش وسجنه حتى تمكنه من الفرار من الجزائر، استغل أنور مالك هويته الجديدة في منفاه للهجوم على مؤسسة الجيش الوطني الشعبي سعيا للتقرب لوسائل الإعلام وتحقيق حلمه بالشهرة الإعلامية. فبعد أن كان ضابطا منخرطا في الحرب ضد الإرهاب طوال “العشرية السوداء”  التي شهدتها الجزائر، تحول اللاجئ أنور مالك بعد أن وضعت الحرب أوزارها لعدو للجيش الجزائري متهما أياه باقتراف جرائم في حق الإسلاميين رغم أنه انخرط بنفسه وبمحض إرادته في الجيش طوال الحرب الأهلية ! ولجلب انتباه وسائل الإعلام شرع فور وصوله لفرنسا وحصوله على اللجوء السياسي في نشر مقالات على موقع “الحوار المتمدن” يزعم فيها كشف فظائع لإحراج الدولة الجزائرية مرتديا زي المعارض “اليساري”  للنظام (انظر مثلا هنا وهنا وهنا !).

لكن كل تلك المقالات والقصص المفبركة لم تمكن العسكري نوار عبد المالك من جلب انتباه وسائل الإعلام الخليجية، لذلك توجه هذا الرجل المخادع لموقع يوتيوب في عام 2008 للكشف عن تعرضه المزعوم للتعذيب على يد وزير محاولا جلب انتباه الفضائيات الخليجية. و يحرص نوار عبد المالك على تقديم نفسه على أنه “الكاتب والصحفي المضطهد” وعلى استعمال اللغة الفصحى حتى يفهمه الإعلام الخليجي ويكتشف مهاراته الخطابية كضابط جزائري معارض وربما صحافي موهوب يستحق الاهتمام. وهذا ما تحقق إذ بدأت قناة الجزيرة في محاورته في برنامج “الصراخ” (الإتجاه المعاكس).

أنور مالك : مختص في “تفجير القنابل الإعلامية” لجلب الإعلام والمال

القنبلة الأولى : أنور مالك “الصحفي” يحاور نوار عبد المالك “الضابط الفار”. يحاور نفسه بنفسه ؟

كما أسلفنا الذكر فنوار عبد المالك يبحث عن الشهرة الإعلامية بأي ثمن ولذلك شرع في كتابة المقالات على الانترنيت باسمه المستعار “أنور مالك” تهاجم النظام الجزائري الذي خدم فيه طوال الحرب الأهلية واختلاق “قنابل إعلامية” لجلب انتباه الفضائيات الخليجية على الخصوص. ومنذ أن كان في الجزائر استعمل نوار عبد المالك اسماء مستعارة متعددة للكتابة في الصحف وللظهور في التلفزيون الحكومي دون الكشف عن مهنته الحقيقية في المؤسسة العسكرية. لذلك واصل على نفس النهج المخادع عندما وصل لفرنسا في إطار سعيه للولوج لعالم الصحافة. بل أنه حاور نفسه بنفسه عام 2009 عندما ابتكر كنيته المعروف بها اليوم “أنور مالك” وقدم نفسه على أنه “صحافي ناشط اعلامي وسياسي جزائري” حاور الضابط الفار “نوار عبد المالك” في مقال نشر في صحيفة “وطن” الأماراتية ثم تناقلته وسائل إعلام أخرى على غرار قناة الجزائرية

نعم أنور مالك مستعد لفعل أي شيء للظهور في الإعلام ولو كان ذلك بمحاورة نفسه بنفسه باعتباره “الصحفي والضيف في نفس الوقت” بتقمص شخصيات متعددة واختلاق قصص وأكاذيب لخداع الجماهير. وقد انتبه مبكرا لذلك بعض القراء وكشفوا في 2009 كذب وانتهازية أنور مالك من أجل الشهرة.

القنبلة الثانية : أنور مالك يغازل المخزن المغربي وينتقد البوليساريو قبل ان ينقلب عليه !

في أولى سنوات اللجوء لفرنسا، وهو بحاجة للدعاية لقضية معينة لجلب الإهتمام والمال، ارتأى أنور مالك أن يدغدغ مشاعر اللوبي المغربي في فرنسا، وجلب أهتمام وسائل الإعلام، وهذا هو حلمه الأساسي، بمعارضة الموقف الرسمي الجزائري في ما يخص نزاع الصحراء الغربية باتهام الجزائر بخلق البوليساريو واحتجاز آلاف اللاجئين في تيندوف وصرف 200 مليار دولار على هذا النزاع.

ففي مقال تحت عنوان ” هل أتاك حديث مخيمات البوليزاريو في تندوف ؟”، والذي استهله بهذه الجملة ” أعرف أن هذه الإعترافات ستكون بمثابة القنبلة” (ألم نقل لكم بأن المخادع أنور مالك يحب “تفجير القنابل الإعلامية لشد انتباه الإعلام؟)، يؤكد أنور مالك بأن البوليزاريو صنيعة جزائرية لأجل خلق بوابة للجزائر نحو المحيط الأطلسي وهذا ما تسعى إليه الأطروحة المغربية حول هذا النزاع.  بل قال أن مخيمات اللاجئين الجزائريين في تندوف “حولت لأوكار للدعارة المنظمة وسجون للتعذيب والإختطاف والحجز” ! فضلا عن أن “البوليزاريو التي تمارس سلطتها على شعب يبدو أنه مسجون في هذه المخيمات وليس فارا من جحيم الإحتلال كما يروج له”. هذا ما كتبه أنور مالك. ويحكي هذا المخادع “شهادات جنود وهميين وتسريبات استخباراتية واعترافات مصطنعة” حول الوضع في تندوف في إطار سعيه للتقرب من اللوبي المغربي في فرنسا مقابل حفنة دراهم.

وفي مقال آخر كتب أنور مالك : “حدثني يوما أحد عناصر البوليساريو (هو يكذب كالعادة، لم يحدثه أحد وإنما اخترع قصة) أنهم مستعدون لإبادة نزلاء المحتشدات لو فكروا في المغادرة الجماعية نحو الصحراء او المغرب أو حتى أعماق الجزائر، والسؤل المهم : لماذا يخون كل جزائري يرفض السياسة المنتهجة والتي يراد من خلالها تفجير المنطقة المغاربية وتدمير شعوبها بحروب وهمية قذرة؟
لماذا تحولت قضية البوليساريو إلى شيء مقدس في الجزائر وخط أحمر كل من يتجاوزه فقد جنى على نفسه؟!! ما الذي ستجنيه الشعوب المغاربية من دولة جديدة أو حتى أخر قادمة؟ ماذا سيستفيد الصحراويون من دولة تقودها جبهة تربت في ثكنات المخابرات الجزائرية”.

مخادعا كعادته، نوار عبد المالك يتبنى خطاب النظام المغربي ويريد استمالة الإعلام المغربي الذي سيستقبله بصدر رحب باعتباره مواليا لأطروحة الصحراء المغربية ومعارضا للنظام الجزائري. لكن ذلك لم يكفي لجلب الأموال والشهرة الموعودة، فاختار أنور المحتال طريقة “الانقلاب” (لخلق ضجة إعلامية أخرى) بعد زيارة  لمدينة الداخلة المغربية للمشاركة في ملتقى دولي شهدته المدينة المغربية. أختار أنور مالك الإنقلاب تماما على الأطروحات السابقة فيما يخص نزاع الصحراء الغربية وكتب مقالات (أو “فجر قنابل إعلامية” كما يحب دائما) موالية للبوليساريو ومعادية للمغرب وهذا ما سبب صدمة لبعض الإعلاميين المغاربة الذين شعروا بمرارة الخديعة.

وفي مقال للصحفي المغربي نورالدين لشهب، الذي كانت تربطه علاقات جيدة بأنور مالك (للأسف تمكن هذا الأخير من خداعه) وسبق أن حاوره حول قضايا يوالي فيها القصر الملكي المغربي وينتقد النظام الجزائري، يفسر هذا الأخير انقلاب أنور مالك على الأطروحة المغربية وتغييره لموقفه لصالح البوليساريو قائلا : “ الملاحظة الأولى هي أن الزميل أنور مالك توقف عند الصوت الانفصالي وحسب، ولم يهتم بالصوت الوحدوي، والسبب كما روى لي مصدر مطلع أنه لم يأبهوا به ولم يؤدوا له مصاريفه كاملة للتنقل من فرنسا إلى أقصى جنوب ألمغرب“.

وقد انتبه المتابعون للشأن المغربي لنفاق أنور مالك وسعيه المستمر لتغيير آرائه حسب مبدأ من يدفع أكثر. وتغيير أنور مالك لموقفه ليس حبا في الصحراء الغربية بل انتقاما من عدم اهتمام السلطات المغربية به (مالا وإعلاما) رغم تبنيه لموقف كلفه الكثير أمام الرأي العام الجزائري المتعاطف مع البوليساريو. بعد فشله في الحصول على “الرز المغربي” هاهو أنور مالك يتبنى خطاب البوليساريو لترميم سمعته أمام الرأي العام الجزائري. وقد انتبه المتابعون لهذا الحرباء كيف خدع المغاربة وانقلب عليهم بسب عدم حصوله على “الرز” الذي كان يتمناه.

بالطبع هذا الموقف الجديد لأنور مالك مربح إعلاميا لأنه جلب انتباه بعض الصحف الجزائرية الموالية للنظام وعلى رأسها جريدة الشروق التي خصصت صفحاتها “للقنبلة الإعلامية الجديدة التي فجرها أنور مالك“. ألم نقل لكم بأن المخادع أنور مالك اختصاصي في القنابل الإعلامية ؟ وكما ترون فأنور مالك سواء ساند المغرب أو البوليساريو دائما بارع في خداع جمهوره في إطار سعيه للنجومية عبر وسائل الإعلام، ولو حصل هذا اللاجئ على دعم مالي من أطراف مغربية لاستثمر ذلك للنضال من أجل “وحدة التراب المغربي” وضد البوليساريو ولما انتبه للرز السعودي. نحن هنا لا نتبنى أي موقف من قضية الصحراء الغربية وإنما نبين فقط مدى انتهازية اللاجئ أنور عبد المالك وسعيه المستمر للدفاع عن قضية معينة والدعاية لها مقابل أموال وشهرة وتغيير مواقفه كلية إذا لم يحقق “استثماره” النجاح المطلوب. 

القنبلة الثالثة : البعبع الشيعي الإيراني للدعاية لنظام آل سعود والاستمتاع بأرزه !

بعدما فشل نوار عبد المالك في استمالة المال والأعلام المغربي عبر الاتجار بقضية الصحراء الغربية أدرك هذا المخادع بأن الوقت قد حان للتودد للإعلام الخليجي وركب موجة العداء للشيعة وإيران وحزب الله تقربا من آل سعود وطمعا في “مكرماتهم” السخية.  نوار عبد المالك الذي خدم في مكتب الاتصال عندما كان عسكريا في الجيش يعرف الدعاية الإعلامية –  حسب تعاليم المدرسة السوفييتية التقليدية – ويسخرها للاسترزاق، لذلك انتبه إلى تصاعد التوتر الطائفي في الخليج على خلفية التنافس السعودي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط داعيا لركوب موجة المحذرين من تنامي التيار الشيعي والتحذير من “الخطر الداهم” على الجزائر أولا لخلق ضجة إعلامية تضعه تحت أضواء القنوات التلفزيونية الخليجية، وهذا هدف أساسي، وأيضا لاستمالة الأطراف الخليجية الثرية المنخرطة في الصراع الإعلامي والسياسي بين إيران والسعودية، ويالها من تجارة رابحة.

بدأ انور عبد المالك الإستثمار في “مشروع البعبع الشيعي” عبر نشر مقالات تحكي صراعات وقصص شبيهة فأفلام الإثارة يلفقها كعادته لجلب انتباه الرأي العام والإعلام. وجميع القصص التي اخترعها عبد المالك بدءا بتعرضه للتعذيب من طرف وزير جزائري إلى احوال اللاجئين الصحراويين في تندوف إلى الغزو الشيعي المزعوم في الجزائر لا يمكن التحقق منها. دائما تحقيقات أنور مالك تعتمد على أوراق استخباراتية مسربة (يكتبها بنفسه) واعترافات وصلته من أصدقاء وهميين له في النظام الفلاني وهكذا. وربما ذلك ما دفعه عن التنازل عن الدعوى القضائية التي رفعها ضد سلطات بلاده الجزائر في المحاكم الدولية ومزاعمه حول التعذيب التي تعرض له. فلقد حصل على اللجوء السياسي وضمن الإقامة في فرنسا وأصبح مشهورا ولم تعد هناك حاجة لاختلاق المزيد من مسلسلات التعذيب المزعومة التي تمنحه الحق في اللجوء والشهرة والمال.

حان الوقت إذا لأنور مالك، كغيره من أشباه الصحفيين المرتزقة الذين لا يمتون بصله لمهنة الإعلام، للاستثمار في الدعاية لصالح المملكة السعودية عن طريق التخويف من إيران والشيعة والدعوة للالتفاف حول آل سعود باعتبارهم قادة “للأمة العربية” وأصدقاء للثوار العرب في سوريا والكل يعلم أن آل سعود وقفوا دوما ضد الثورات العربية وضد القوميين وضد الديمقراطية في مصر واليمن والبحرين وتونس. موقف أنور مالك باختصار يتماشى مع الرؤية السعودية ولذلك مثلا يتحاشى انتقاد نظام السيسي العسكري في مصر باعتباره حليفا قويا للسعودية. لكن ما هو موقف نوار عبد المالك من العرب قبل اندلاع الربيع العربي؟ وهل كان مدافعا عن حقوقهم في الحرية والديمقراطية كما يدعي اليوم ؟ لا، أبدا.

أنور مالك قبل الربيع العربي : العرب متخلفون ولصوص ولا يصلحون أصلا للحضارة !

دعونا نعود قليلا لما قاله أنور مالك عن العرب في 2009 على قناة الجزيرة قبل الربيع العربي وقبل تورط السعودية في الحربين السورية واليمنية، بل وقبل أن يصبح “ناشطا حقوقيا مزيفا”. ماذا قال أنور مالك عن العرب ؟ ونقصد الشعوب وليس الأنظمة. قال في حوار مع فيصل القاسم : “أن العرب مصابون بداء الفانتازيا وأنهم اخترعوا الصفر فمنهم من جلس عليه، ويوجد من وضعه على رأسه – وهو يستهزء بالعقال الذي يضعه العرب على رؤوسهم في الشام ودول الخليج قبل أنه يضعه هو بنفسه على رأسه تيمنا “بالرز السعودي” كما يبدو في الصورة أعلاه – وهناك من حزم به وراح يهز الصدر والبطن والورك حتى يثبت للعالم بأن الإنسان العربي قادر على فعل شيء ما (يقصد الرقص الشرقي باعتباره تراثا عربيا) … الإنسان العربي متخلف متخلف متخلف ولا يصلح أصلا للحضارة”. هذا ما قاله قال أنور مالك عندما كان يريد الظهور بمظهر الثائر في الفضائيات العربية. بالتأكيد أن الشعوب العربية اليوم مهزومة ومتخلفة ولكن من المسؤول عن هذا الوضع ؟ أليست الأنظمة العربية الإستبدادية التي قتلت روح الإبداع في الإنسان العربي؟ بالنسبة للانتهازي أنور مالك “الشعوب العربية هي المسؤولة عن ذلك لأن الحاكم العربي خرج منها”. أنور مالك قال هذا قبل اندلاع الربيع العربي عندما تحول فجأة لمدافع عن حقوق الإنسان العربي ! ويضيف أن “أي مواطن عربي لو وصل إلى الحكم فسيفعل أسوء مما يفعل الحكام الحاليين ولا فرق بين الحكام والمحكومين كلهم في سلة واحدة مادام عنوانهم العرب” وهو بذلك لا يقف بجانب الشعوب المظلومة التي تستحق حسبه كل هذا القمع والتخلف ! وبعد عامين تحول أنور مالك لصديق للشعوب وركب موجة الربيع العربي حسب وجهة نظر القنوات الخليجية التي تستضيفه.

وعداء أنور مالك لحزب الله ليس بسبب تدخله في سوريا إلى جانب الأسد كما يزعم اليوم، فقد أعتبر في حواره على الجزيرة حرب 2006 مع إسرائيل مجرد “مؤامرة فارسية” تتحمل وزرها إيران وليست إسرائيل. وختم أنور مالك انتقاده للعرب بهجوم على المهاجرين العرب الذين يعيشون في الغرب (أنسي أنه واحد منهم ؟) جميعهم بلا استثناء ووصفهم بأنهم على خلاف شعوب العالم الأخرى “لصوص، يطاردون النساء في الشوارع، وكل الأخلاق السيئة موجودة في الإنسان العربي” ! فبعد كل ما قاله، كيف لنا أن نصدق تحول أنور مالك اليوم لمدافع عن الشعب السوري ضد الديكتاتورية ؟ ألم يقل بأن الشعوب ستكون أسوء لو سمح لها باختيار حاكميها ؟ كيف نصدق دعوته العرب للاصطفاف وراء الملك السعودي – ديكتاتور رجعي آخر– لإنقاذ الإنسان العربي ؟ اتهامات أنور مالك للشعوب العربية جارحة شديدة التعميم ولا ضير إن تلقفتها مؤسسة “ميمري” الإسرائلية الدعائية، وهي مختصة في تشويه صورة العرب عند الرأي العام الغربي، فقامت بترجمتها للإنجليزية وبثها للجماهير الغربية وكأنها تقول لهم “وشهد شاهد من أهلها، هذه هي صورة العرب الحقيقية كما وردت على لسان “مثقف” عربي”.

أنور مالك : قواد آل سعود وخصم للموقف الجزائري

بقدرة قادر، أغتنم أنور مالك فرصة اندلاع أحداث الربيع العربي ليتبنى موقف السعودية في سوريا واليمن والبحرين ومصر لأن ذلك سيفتح له الطريق للقنوات التلفزيونية الخليجية وهو الذي يحب الظهور في الإعلام منذ أن كان ضابطا في الجيش الجزائري باسماء متعددة ومستعارة. نشاط أنور مالك على مواقع التواصل الاجتماعي يقتصر في أيامنا هذه على البروباغندا لفائدة العائلة الحاكمة في السعودية ويبدو أن الرسائل موجهة في جوهرها للجمهور السعودي لتجنيده وحشده وراء العائلة المالكة وتخويفه من “المد الشيعي الجارف” الذي يتهدد المملكة وإثارة عواطفه.

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2016-01-12 10:05:38Z | |
تويت دعائي لأنور مالك لصالح أمراء آل سعود يستغل فيه العواطف الدينية لحث الناس على الإلتفاف حول الأسرة المالكة.

أنور مالك يدرك أن رسائله الدعائية لصالح آل سعود وانتقاده لمواقف وطنه السابق (الجزائر) الرافضة للحرب السعودية في اليمن وسوريا، وتجاهل حكومة بوتفليقة للحلف “الإسلامي” السعودي ضد الإرهاب، لا يلقى اهتماما في الشارع الجزائري. لذلك ارتأى غوبلز آل سعود الجديد تحريك الطائفية، وهي الوصفة السحرية التي يتقنها آل سعود ومشايخهم لتخويف الرأي الداخلي من الخطر الإيراني الداهم وإشغاله عن همومه اليومية، متهما سفير طهران في الجزائر بنشر التشيع في البلاد. وانتشرت “الحملة التويترية الخليجية” كالنار في الهشيم مطالبة بطرد السفير الإيراني وإرجاع الجزائر للحضن السعودي وقد تبنتها القنوات السعودية الطائفية كقناة “وصال” للضغط على الرأي العام الجزائري لكنها فشلت في تحقيق ذلك.

 هذا الإتهام هو بحد ذاته احتقار للشعب الجزائري لأن من يعتقد أن الجزائريين سيغيرون دينهم ومذهبهم وتقاليدهم لمجرد وجود سفير إيراني في الجزائر يشكك في عبقرية هذا الشعب الذي حافظ على ثقافته وهويته بالرغم من 132 عاما من الإحتلال الفرنسي. ثم أن السعودية لا تشكل بالنسبة لأي جزائري نموذجا للنهوض وللحرية والديمقراطية حتى ينساق وراء سياساتها وحروبها المذهبية، فقد عانت الجزائر من الإرهاب الإسلاماوي، ولا تزال إلى يومنا هذا بقايا تنظيم القاعدة تهدد أمن البلد، وهي ليست بحاجة لنقل الحرب المذهبية الداعشية التي تعاني منها شعوب الشرق الأوسط إلى عقر دارها. إذا كان اللاجئ أنور مالك يخشى انتشار التشيع في الجزائر، وهذا غير حقيقي وبروباغندا فاشلة، فإننا نخشى أكثر انتشار التيار السلفي-الوهابي-السعودي في البلاد (وهذا أمر واقعي ويراه يوميا كل الجزائريين) والذي قد يهدد التعايش في المجتمع الجزائري، ليس بسبب الشيعة فهم يعدون على الأصابع وأغلب الجزائريين لم يصادفوا شيعيا في حياتهم، ولكن بسبب تمسك الناس بالتراث المالكي المغاربي المعتدل الذي يعيش في كنفه المتصوفة والإباضيين والعلمانيين العرب والأمازيغ بسلام منذ قرون طويلة.

وأحداث مدينة غرداية الأخيرة تثبت ما نقول وبينت وجود تيار سلفي متطرف يكيل الشتائم للأقلية الإباضية ويتهمهم بالخوارج وهم أبناء البلد وتاريخهم أصيل وتقاليدهم وتراثهم يشرف كل جزائري. زد على ذلك فكل جزائري يتذكر التهديدات بالقتل التي أطلقها الناشط السلفي المتطرف عبد الفتاح زراوي حمداش،  قائد “جبهة  الصحوة الحرة الإسلامية السلفية الجزائرية”، ضد الصحفي كمال داود و دعوته من سماهم “أهل السنة في العالم” إلى حرق كتب ورسائل وديوان الشاعر السوري أدونيس

كل من يعيش في الجزائر يعلم اليوم أن الخطر الشيعي المزعوم لا يتعدى مواقع التواصل الاجتماعي التي يديرها متعاطفون مع الوهابية السعودية وأن التيار الديني الأكثر نشاطا في الجزائر هو التيار السلفي السعودي الذي يستولي على المساجد ويضغط على الجزائريين لثنيهم عن ممارسة عاداتهم وثقافتهم وإخضاعهم لمبادئ الوهابية السعودية المتشددة. بل أن وزير الشؤون الدينية الجزائري دق ناقوس الخطر محاولا استرجاع المساجد من قبضة السلفيين ‏الذين استولوا على المنابر عندما كانت الجزائر مشغولة بالحرب ضد الجماعات الجهادية المسلحة.

قد يقول أحدهم، أليس من حق العسكري الفار نوار عبد المالك الوقوف بجانب السعودية ودعمها في حروبها في اليمن وسوريا ووقوفها ضد النفوذ الإيراني المتزايد في الشرق الأوسط ؟ والجواب نعم. لكن أن ينخرط في نشر الكراهية الطائفية والمذهبية التي يعتمد عليها النظام السعودي لتفتيت شعوب المنطقة وتقديم نفسه باعتباره “زعيم المسلمين” والمدافع عن حقوقهم فهذا أمر مثير للإستغراب. ليس فقط لأن حقوق الإنسان في السعودية نفسها في أسوء الحالات كغيرها من ديكتاتوريات الشرق الأوسط،  ولكن لأن تبني الصراع المذهبي الذي راح ضحيته الآلاف في سوريا والعراق وباكستان واليمن ووصل للسعودية نفسها ونقله للجزائر مقابل حفنة دولارات تعتبر خيانة ممن يقدم نفسه على أنه مدافع على مصالح وحقوق العرب والجزائريين على وجه الخصوص. ثم ألم يغير المجتمع الفرنسي المبني على الحريات الدينية والديمقراطية والعيش المشترك الذي يحتضن هذا اللاجئ (الهارب من القمع السياسي كما يدعي) شيئا في أفكاره ؟ هذا هو الواقع، فهل يصدق أحد دعاية اللاجئ أنور مالك وتصريحات وفتاوى مشايخه السعوديين؟ ومن يصدق أحد حرصه على أمن الجزائر وخوفها على أمنها وهو الذي فر منها قاصدا اللجوء لفرنسا (المحتل السابق) ومن ثم حاول رفع دعوات قضائية دولية ضد مؤسستها العسكرية ؟ بإمكان هذا الحرباء امتطاء تيار الطائفية وحشد الرأي العام السعودي وراء ولي أمره لقبض دولاراتهم، هذا شأنه، لكن الأولى له أن يترك الجزائر بعيدة عن مغامرات مملكة الوهابية وحروبها المذهبية.

للإشارة فإن أنور مالك لا يكن الود لآل سعود وإنما لدولاراتهم. فقد كتب في مقال في السابق، أي قبل أن ينضم لصف لاعقي أحذية آل سعود، منتقدا ملك آل سعود ومشايخ الوهابية الذين اعتبرهم يهود خيبر : “الملك السعودي عبدالله صار منشغلا بولاية عهده لأن الحالة الصحية للأمير سلطان حرجة، وفي سياسته وأطروحاته الوضيعة يباركها ثلّة من علماء يتقنون لعق الصحون بأصابعهم والزحف على بطونهم في قصر جلالته، يمجدون ويخيطون فتاوى على مقاس حذاء يستعمله الملك لدخول بيت الخلاء، أو يكتبونها على ورق يستعمل في مراحيضه المزخرفة بالذهب الخالص !!… وطبعا لا ينتظر الخير من يهود خيبر أبدا“.

اليوم انقلب أنور مالك عما كتبه وغير رأيه بعدما تذوق حلاوة دولارات آل سعود وأصبح من أكبر المدافعين عن سياساتهم، أكثر من السعوديين أنفسهم. أنور مالك ليس وحده من يطبل لآل سعود، مؤخرا انضم له المحامي القادم لتوه من الجزائر “إسماعيل خلف الله” الذي أصبح بسرعة فائقة “ناشط في حقوق الإنسان” ومعارض للنظام الجزائري وخبير بالشأن الإيراني ومناهض للتشيع عبر رابطة أصدقاء السعودية “التويترية” و “المرصد الدولي لتوثيق وملاحقة جرائم إيران” الذي تم إنشاؤه في فرنسا مقابل دولارات سعودية. وهذا الحرباء كان منذ قصير مسؤول الإعلام والاتصال في حزب جبهة التحرير الوطني بفرنسا ودافع بكل شراسة عن حزب السلطة على قناة فرانس 24 قبل أن يعتنق النفاق ويصبح معارض للنظام وخبير في حقوق الإنسان وصديق مقرب لأنور مالك وبوق لآل سعود. وقبل أن ننهي المقال …

“قنبلة” أخرى فجرها أنور مالك كهدية للقارئ

لا ننوي الإطالة أكثر و نذكركم بالضجة التي أحدثها المراوغ نوار عبد المالك عندما أعلن في 2012، بعد مسرحيته في سوريا وانسحابه من البعثة التي زارت سوريا والتي ادعى فيها كاذبا كعادته بأن نظام الأسد أراد إغوائه بالحسناوات السوريات في الفندق الذي يؤوي البعثة، عندما تعرض للضرب في فرنسا وصرح لأحدى القنوات الموالية للمال الخليجي بأن جهات ما (يعني استخباراتية كما يردد دائما) تنوي قتله وأنه تلقي رسائل تهدده (رسائل كتبها بنفسه بدون شك). هدفه بدون شك خلق بلبلة وجلب تعاطف الرأي العام معه.

والحقيقة أن الذي تشاجر معه ليس عميل سوري كا يوحي نوار عبد المالك وإنما صهره المقيم في فرنسا والذي شرح للرأي العام لتوه بأن أنور مالك كاذب ويريد إحداث ضجة إعلامية لخدمة صورته وأجندته التي توالي المال الخليجي. وفي الفيديو أدناه لقاء مطول مع صهره الذي قدم للرأي العام حقائق مذهلة عن شخصية نوار عبد المالك منذ وصوله لفرنسا ونترك للقارئ الحكم بنفسه. 

وللحديث بقية.

الجزائر نت

 

 

 

 


هل تأجيج التوتر الطائفي ضرورة لنظام الحكم السعودي؟ قراءة في تداعيات إعدام نمر النمر

بررت العائلة الحاكمة في السعودية إعدامها الجماعي لسبع وأربعين (47) معارضا، وعلى رأسهم رجل الدين الشيعي نمر النمر، بمحاربتها “للإرهاب” سواء كان سني أو شيعي. السعودية وجهت رسالة شديدة اللهجة ليس إلى الأقلية الشيعية وإيران كما يزعم الإعلام الدعائي السعودي والخليجي الموالي، بل إلى الأغلبية السنية التي تشكل الخطر الأكبر على حكم آل سعود. كيف ذلك؟

السعودية وإيران

عداء السعودية للزعماء القوميين العرب
نجح ملوك آل سعود منذ عشرات السنين في خوض حروب ناجحة بالوكالة ضد كل “الأشقاء” العرب المسلمين الذين يهددون سلطانهم وزعامتهم للعالمين العربي والإسلامي أو من يتجرؤون على انتقاد سياساتهم وعلاقاتهم الوثيقة بالمعسكر الغربي الإمبريالي. وسلاحهم الفتاك لتحقيق ذلك هو البترودولار والوهابية. وبعيدا عن الحرب الطائفية الحالية، فقد وقف آل سعود ضد الزعماء القوميين العرب بدءا بجمال عبد الناصر في ستينات القرن الماضي – عندما انخرطوا عسكريا ضد الثوار اليمنيين الجمهوريين المدعومين من عبد الناصر والتي خلفت عشرات الآلاف من القتلى في صفوف الجيش المصري – وختاما بصدام حسين بعد انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية والتي قاتل فيها الرئيس العراقي الجمهورية الإسلامية (الغريم الشيعي) بالنيابة عن دول الخليج قبل أن ينقلبوا عليه عندما احتل الكويت ويستقبلون المارينز الأمريكي على أراضيهم لاحتلال العراق والإطاحة به. وقبل ذلك انخرطت السعودية في الحرب السوفياتية الأفغانية عندما أعلنت الجهاد ومولته بالسلاح خدمة لمصالح الصديق الأمريكي في إطار الحرب الباردة قبل أن تنقلب مرة أخرى على الجهاديين العرب الذين أسسوا القاعدة. لا شك أن آل سعود يتمتعون بدهاء بالغ مكنهم من الحفاظ على الحكم في الجزيرة العربية واستمرار سيطرتهم على منابع النفط لما يقارب القرن من الزمن رغم كل التغيرات التي شهدها الشرق الأوسط.

… ووقوفها في صف الثورات المضادة للربيع العربي
وتمكن آل سعود من تجاوز “محنة الربيع العربي” باللجوء السلاح التقليدي الذي لا يزال فعالا للحفاظ على العرش : البترودولار والوهابية. البترودولار لإسكات الجبهة الداخلية عبر المساعدات الاجتماعية السخية، والوهابية لحث المواطنين على طاعة السلطان باعتبار ذلك من “الدين” من جهة، والتخويف من العدو الداخلي الخارجي الذي تشكله الأقلية الشيعية على الأغلبية السنية. وفي السنوات الأخيرة انخرطت السعودية في حروب ونزاعات عديدة في إطار صراعها على زعامة العالم العربي والإسلامي وبالتالي الحفاظ على حكم آل سعود للجزيرة العربية. فبالإضافة لدعمها حتى النهاية للديكتاتور حسني مبارك في مصر والزعيم التونسي الفار زين العابدين بن علي، فإنها انخرطت في الحراك السياسي في اليمن والبحرين المجاورين لها وأفشلت أي عملية تحول ديمقراطي.

… وتخوفها من رياح التغيير الداخلية
وتخوف آل سعود من تيار التغيير الذي يجتاح العالم العربي هو الذي دفعهم لإعدام 47 شخصا تتهمهم بالإرهاب، بعضهم متعاطف مع داعش وآخرون مع القاعدة وهم سنة لا يبالي أحد بحياتهم. أما إعدام رجل الدين الشيعي المعارض نمر النمر فقد أشعل نيران الطائفية في الشرق الأوسط وهذا بالضبط ما تبحث عنه الأسرة المالكة في السعودية. فطالما اتهمت التنظيمات الإرهابية (السنية) كالقاعدة وداعش آل سعود بالتقاعس عن لجم النفوذ الإيراني الشيعي وقمع الجهاديين السنة. هذا موقف صحيح إلى حد ما، لأن أغلب معارضي آل سعود وأكثرهم خطرا عليه هم سنة وليس شيعة كما يحاول الإعلام الخليجي الدعائي تصويره. وقد أشار الرئيس الأمريكي، ردا على الإنتقادات التي وجهت لإدارته بعد توقيع الإتفاق حول البرناج النووي الإيراني والمزاعم حول تخلي أمريكا عن حلفائها الخليجيين العرب، بأن الخطر على هذه البلدان ليس خارجي (إيراني) بل داخلي (الجهاديين المعارضين للسلطات الحاكمة)، وأوباما يدرك جيدا ما يقول. ولذلك أطلقت السعودية مؤخرا العنان لآلتها الإعلامية والدينية لتشويه سمعة تنظيم الدولة (منافسها الوهابي العنيد) عند السعوديين الذين يناصرونه نظرا لتقارب الإيديولوجية السلفية الوهابية الرسمية وأيديولوجية داعش التي تسعى للعودة لتعاليم الحركة الوهابية الراديكالية الأصلية التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى في أواسط القرن 18.

تأجيج الطائفية كضرورة للنظام الحاكم
ويؤكد في هذا الإطار الباحث الفرنسي فرانسوا بورغات بأن تأجيج الطائفية المذهبية في المنطقة هو “مشكل سعودي داخلي” وأن توتر العلاقات الدبلوماسية مع إيران هو نتيجة صراع داخلي يخص نظام الحكم في السعودية نفسها وليس لأسباب دينية أو إقليمية كما يصوره البعض. فالعائلة الحاكمة في المملكة تتخوف بدون شك من الأكثرية السنية في البلاد وليس من الأقلية الشيعية التي تتهمها بالولاء لإيران. إن الإعدام الجماعي لـ 47 معارضا يحمل في طياته رسالة للأغلبية السنية في البلاد وشعور بخطر داهم من السنة الموالين لتنظيم الدولة والذي يلقى حسب بعض المصادر تعاطفا واسعا في الشارع السعودي. هذه الفرضية يدعمها التوجه الأخير لتنظيم الدولة الذي بات يهدد آل سعود عبر عشرات الفيديوهات الدعائية ويتهمهم ليس بمساعدة الأمريكان والأوروبيين الذين يقصفونه في سوريا والعراق فحسب، بل وبموالاة الإيرانيين والشيعة العراقيين الذين يقاتلونه في العراق وسوريا.

مواطنة سعودية متعاطفة مع تنظيم الدولة الإسلامية (المصدر تويتر)
مواطنة سعودية متعاطفة مع تنظيم الدولة الإسلامية (المصدر تويتر)

الأسرة المالكة في السعودية تتعامل بجدية مع تهديدات داعش وكذلك تفعل حينما تشعر بصعود نجم جماعات إسلامية تنافسها الزعامة على العالم السني التي تشكل التجارة الرابحة لآل سعود منذ عشرات السنين. فإذا كان الملك السعودي الراحل عبد الله قد تمكن من الإطاحة بالتيار الإخواني (السني) في مصر ودافع بالبترودولار وأعلام الوهابية عن شرعية الحكم العسكري في مصر وعن “حرمة” الإنتخاب والديمقراطية في العالم العربي، فإن الملك سلمان يتكفل حاليا بالحرب ضد تنظيم الدولة الذي ينافسه الزعامة على التيار السلفي الوهابي في العالم الإسلامي.

… وكوسيلة لسحب البساط من تحت قدمي تنظيم الدولة
وإذا كان تنظيم الدولة لا يخف رغبته في القضاء على الوجود الشيعي (والأقليات الدينية الأخرى) في الجزيرة العربية منتهجا سياسة التطهير العرقي، فإن النظام السعودي (الراعي الرسمي للوهابية والناطق الرسمي باسم السنة في العالم) يبدو أحوج من أي وقت مضى لتلميع صورته في أوساط الجماهير والظهور كنظام يعول عليه لردع الشيعة وإيران. ويبدو أن الآلة الإعلامية الدعائية السعودية-الخليجية قد نجحت في تمرير هذه الرسالة إذ تناست أكثر من 40 معارض سني تم إعدامهم وركزت على إظهار إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر كدليل على حزم آل سعود ضد الشيعة وإيران لكسب تضامن الجمهور السني المحلي والإقليمي، واصطفافه وراء آل سعود، وسحب البساط من تحت تنظيم الدولة، “بطل” الجهاد ضد الشيعة في المنطقة. وانطلاقا من هذه الرؤية يمكن أيضا رؤية الحرب السعودية في اليمن ضد الحوثيين ودعمها للسلفيين الجهاديين الموالين لها في سوريا ضد الأسد وحليفه حزب الله كأداة لحماية سمعة النظام السعودي الذي يسعى للظهور كبطل المقاومة السنية ضد النفوذ الإيراني الشيعي المتزايد في المنطقة. فإن كان آل سعود في السابق يواجهون عسكريا وإيديولوجيا جناح تنظيم القاعدة الذي لا يواليهم في الجزيرة العربية، فإن لهم اليوم منافس آخر أكثر خطرا وهو تنظيم الدولة ذو الإيديولوجية السلفية-الوهابية الذي لا يعترف بشرعية آل سعود ولا بعلمائهم ومشايخهم ويسعى لإقامة دولة (خلافة) تنهي سيطرة آل سعود على الجزيرة العربية وعلى الأماكن المقدسة. إنه تنافس سعودي-“داعشي” على زعامة العالم الإسلامي وصراع على السلطة بتفعيل تعاليم التيار السلفي-الوهابي الذي يتغذى على الشحن الطائفي لجلب المؤيدين، فمن سيكسب هذه المعركة ؟

الجزائر نت

 

ما حقيقة الحلف السعودي ’’الإسلامي‘‘ ضد الإرهاب ؟

ولي ولي العهد السعودي وهو يعلن عن تشكيل تحالف إسلامي بقيادة سعودية ضد الإرهاب
ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وهو يعلن عن تشكيل تحالف إسلامي بقيادة سعودية ضد الإرهاب

أعلنت المملكة العربية السعودية في الأسابيع الأخيرة عن حلف يضم 34 دولة تعتبرها “إسلامية” ضد الإرهاب وهو في الحقيقة تحالف لسد الطريق أمام تنظيم “داعش”، التنظيم الذي استولى في الأعوام الأخيرة على أجزاء واسعة من العراق وسوريا ويتمدد في اليمن ومصر وليبيا. جاء الإعلان عن هذا الحلف الجديد بالموازاة مع إعلان فاعلين آخرين من الدول الغربية، كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، والإقليمية، كالعراق وسوريا وإيران، بالإضافة لروسيا عن مزيد من التعاون في هذا المجال. كل هؤلاء أعلنوا الحرب ضد ما يسمى “الإرهاب”. وتصنيف الأطراف المتنافسة في الشرق الأوسط للمجموعات الإرهابية يختلف حسب مصالحها في المنطقة. فالنظام السوري وحلفائه يعتبرون تنظيم الدولة وجبهة النصرة (ذراع القاعدة في سوريا) وعشرات الجماعات المسلحة الأخرى منظمات إرهابية. بينما ترى السعودية وحلفائها أن تنظيم الدولة هو الخطر الداهم الأكبر رغم أنه يؤدي دورا أساسيا في الحرب ضد أعدائها في سوريا : نظام الأسد وإيران وحزب الله اللبناني. فما الذي دفع بالأسرة الحاكمة في السعودية إلى الإعلان عن حلفها “الإسلامي” ضد الإرهاب ؟ ولماذا لم يضم هذا الحلف دولا محورية كسوريا و العراق وإيران؟

الإعلان السعودي جاء في الوقت الذي تكثف فيه روسيا من جهودها العسكرية لمساعدة قوات الأسد لاستعادة زمام المبادرة في الحرب الأهلية التي تعصف بهذا البلد منذ 5 سنوات والتي أدت إلى صعود نجم المتطرفين الجهاديين وسيطرتهم على مفاصل المعارضة السورية وتحويلهم للصراع الدائر هناك إلى حرب مذهبية طائفية تكرس التنافس الإيراني-الشيعي السعودي-الوهابي على الزعامة في العالم الاسلامي. لكن “داعش”، وهو تنظيم سلفي-جهادي، كسب معركة القلوب والعقول وفرض نفسه في أوساط السلفية الجهادية كفاعل سني قوي في العراق وسوريا يمكن أن يهدد شرعية المملكة السعودية القائمة على زعامة السنة في العالم باعتبارها أرض الحرمين والدولة السنية الوحيدة التي تطبق الإسلام، حسب فهم التيار السعودي-الوهابي للشريعة.

الوهابية والليبرالية كأدوات للسياسات الداخلية والخارجية

من المعلوم أن شرعية النظام الحاكم في الرياض مبني على تطبيق العائلة المالكة الصارم لتعاليم الوهابية، وهي تيار سني ينشد العودة “للإسلام الصافي النقي” حسب فهم السلف للشريعة وضع أركانه الشيخ محمد عبد الوهاب في القرن الثامن عشر في الجزيرة العربية بالتعاون مع محمد بن سعود كحجر أساس للدولة السعودية الأولى عام 1744. ولا تختلف إيديولوجية الدولة السعودية الحديثة، التي أسسها عبد العزيز بن سعود في أوائل القرن العشرين بدعم بريطاني على أنقاض الخلافة العثمانية، عن الأفكار ألأولى للوهابية-السعودية باعتبارها حركة دعوية سلفية (غطاء إيديولوجي) من جهة، وحكم ملكي مطلق (نظام سياسي) يتوارث فيه آل سعود المناصب السياسية وآل الشيخ (محمد عبد الوهاب) المناصب الدينية من جهة أخرى. ويبرر النظام السعودي-الوهابي (بشقيه السياسي والديني) مشروعيته عند جمهور المسلمين باعتباره خادم وحيد للأماكن المقدسة وحامي الشريعة الإسلامية (السنية) عن طريق مئات من الدعاة والمشايخ. ويتوفر رجال الدين الموالون للسلطة على أفضل المنابر الإعلامية في العالم الإسلامي للدفاع عن الدعوة الوهابية النجدية باعتبارها “الإسلام الصحيح” والنظام الحاكم باعتباره “حتمية دينية” لا يجوز الخروج عنه أو انتقاده أو حتى التفكير في إصلاحه “ما لم يعلن كفر بواح ويمنع الصلاة”، وهذا بالطبع لن يحدث مما يضمن استمرار الحكم الوراثي تحت غطاء ديني.

أما على الجبهة الخارجية، أي على الساحة الدولية، فيعتمد النظام السعودي-الوهابي المعاصر على علاقاته الوثيقة بالمعسكر الغربي الليبرالي منذ نشأته وتحالفه التاريخي مع الولايات المتحدة منذ اتفاقية كوينسي (1945) الشهيرة (النفط مقابل الحماية) التي تربط مصير العائلة السعودية المالكية والمشايخ الوهابيين المتحالفين معهم بأكبر قوة عسكرية وسياسية في التاريخ الحديث. ورغم التناقض الصارخ بين الخطاب السعودي-الوهابي المحافظ المعادي للحداثة الموجه لجمهور المسلمين داخل وخارج حدود المملكة، والسياسة الخارجية الموالية للمعسكر الليبرالي الأنجلوساكسوني ، فإن المملكة لا تزال تدير بشكل بارع الحرب الإيديولوجية على المستويين الداخلي والخارجي للحفاظ على النظام السياسي-الديني القائم.

فيديو دعائي يتعرض لاتفاقية كوينسي
لقطة من فيديو دعائي لتنظيم داعش الإرهابي يتعرض لاتفاقية كوينسي بين بن سعود وفرانكلين روزفلت عام 1945

غيرة المملكة السعودية من “دولة الخلافة” الفتية

لكن إعلان أبو بكر بكر البغدادي في شهر جوان/حزيران 2014 عن قيام دولة “الخلافة الإسلامية” دق ناقوس الخطر في الرياض باعتبار أن هذه الخطوة هي تهديد واضح لأركان الدولة السعودية التي تحتكر “التراث الوهابي” الذي يشكل حجر الأساس للنظام القائم في الجزيرة العربية منذ الدولة السعودية الأولى. تنظيم “الدولة الإسلامية” لا ينتقد الإيديولوجية الوهابية التي تقوم عليها المملكة كما يفعل خصوم آل سعود، لا، بل يستولي عليها و “يصفيها” من الشوائب التي علقت بها على مر السنين، وهنا مكمن الخطر بالنسبة للنظام السعودي. فتنظيم الدولة الإسلامية لا يعترف بالنظام السعودي الحالي ولا بمشايخه وعلمائه ويعتبره “خائنا” للدعوة الوهابية النجدية الأصلية بسبب ارتمائه في أحضان المعسكر الغربي وخدمته لمصالح “أعداء الإسلام” حسب اعتقاده.

دعونا نعود للعلاقات الوثيقة بين النظام السعودي والمجاهدين العرب الأفغان إبان الحرب السوفيتية-الأفغانية (1979-1989)، فقد قاد النظام السعودي بشقيه السياسي والديني بالتعاون مع الولايات المتحدة – في إطار الحرب الباردة – “الجهاد” ضد السوفييت “الملاحدة”. وقام أسامة بن لادن، بدعم من العائلة المالكة وعلمائها الرسميين، بدور مهم في قيادة الجهاديين العرب وتمويلهم إبان الحرب. وبعد انتهاء الحرب عاد أسامة إلى بلاده وبدأ في انتقاد سياسيات العائلة المالكة، لا سيما بعد إفتاء علماء البلاط بجواز الإستعانة بالجنود الأمريكان واستضافتهم في أرض الحرمين لشن الحرب ضد قوات صدام حسين التي غزت الكويت. ومنذ ذلك الحين أصبح بن لادن، زعيم القاعدة التي تأسست في أفغانستان في أواخر الثمانيات، خصما لآل سعود ولعلمائهم. كذلك يفعل “تنظيم الدولة الإسلامية”، وهو وريث تنظيم القاعدة، فلا يعترف ليس بشرعية النظام السعودي فحسب، بل بجميع الأنظمة العربية.

فيديو دعائي لتنظيم الدولة 36
لقطة من فيديو دعائي لتنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي – يظهر فيه الملك فيصل والرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون – ينتقد فيه النظام السعودي ويندد بتحالفه التاريخي مع الأمريكان

لكن خطره الإيديولوجي تضاعف بعدما أعلن الخلافة الإسلامية عام 2014 في تحد واضح لزعامة تنظيم القاعدة للتيار السلفي الجهادي من جهة، ومن جهة أخرى للنظام الملكي السعودي الذي يتزعم ويستغل التيار السلفي-الوهابي للحفاظ على الحكم كما أسلفنا الذكر. هناك إذا ما يشبه “غيرة” سعودية من تنظيم الدولة الإسلامية الذي يتبنى الرسالة الوهابية الأصلية ولا يأبه – كما يفعل آل سعود – لمقتضيات العصر وما تمليه من تنازلات سياسية لصالح القوى الغربية.

الحلف “الإسلامي” السعودي يواجه مشروع الخلافة

إعلان المملكة السعودية على لسان ولي ولي العهد عن تكوين حلف إسلامي (سني) تحت قيادة سعودية ليس ضد الإرهاب بمفهومه الشائع، كما يبدو للمتتبع للشأن السعودي، وإنما ضد القوى الجهادية التي تسعى لإحياء “مشروع الخلافة” الذي يقوده تنظيم الدولة في أيامنا هذه. فمفهوم الإرهاب غير واضح المعالم ويتغير بتغير الظروف ومصالح الدول : فالمجاهدين العرب الأفغان الذين أسسوا تنظيم القاعدة في أواخر الثمانينات كانوا “ثوار حرية” بالنسبة للقوى الغربية المعادية للسوفييت قبل أن يتحولوا لإرهابيين عندما وجهت القاعدة بنادقها ضد المصالح السعودية والغربية. وتنظيم “الدولة الإسلامية” لم يتعرض له أحد عندما كان يقترف المجازر ضد الأقليات الدينية والعرقية في العراق منذ 2006 ويفجر يوميا الشوارع والأسواق باعتباره سد منيعا أمام النفوذ الإيراني المتزايد في البلاد، لكنه أضحى “إرهابيا” عندما أعلن خلافته المزعومة وأصبح يهدد الدول العربية “السنية”.

وحسب اعتقادنا فإن القرار السعودي بإنشاء وتزعم حلف إسلامي ضد الإرهاب يمكن قراءته من زوايا متعددة : أولا، أن هذا التحالف النظري في الوقت الراهن هو بمثابة رد على الأصوات المتزايدة في الدول الغربية بشأن مسؤولية المملكة السعودية عن انتشار التيار الجهادي بسبب تطابق الإيديولوجية الوهابية-السعودية الرسمية مع إيديولوجية “داعش” ، على الأقل من الناحية النظرية، إضافة لغض السلطات الطرف عن الأثرياء السعوديين الذين يتبرعون بالأموال للتنظيمات الجهادية المختلفة في سوريا والعراق. ثانيا، محاولة إثبات الدور السعودي الضروري في إطار ما يسمى “الحرب على الإرهاب” بالنظر لتزعم المملكة للتيار السني في العالم وخشيتها من تقارب غربي أكبر مع إيران، غريمها الشيعي، في إطار الحرب الشاملة ضد التطرف والإرهاب. ثالثا، إيصال رسالة قوية لتنظيم الدولة الإسلامية لثنيه عن استهداف المملكة ونظامها الديني-السياسي وحثه على توجيه سهامه نحو أعداء السعودية في المنطقة (طهران، بغداد، دمشق). وبغض النظر عن جدوى الحلف “الإسلامي” السعودي ضد الإرهاب، والذي لا يضم العراق وسوريا وإيران والجزائر لأسباب سياسية معروفة، وهي دول محورية في الحرب ضد الإرهاب، فإن سلطات الرياض لا تنوي القضاء فعلا على من يحارب أعدائها في دمشق وبغداد وإنما تريد تقليص خطرهم والاحتماء من عدوى “الخلافة” التي ينشرها تنظيم الدولة والتي تلقى ترحيبا شعبيا متزايدا في الأوساط السنية ليس في العراق وسوريا فحسب وإنما على أراضي المملكة نفسها، وهذا الخطر الداخلي يشكل أكبر تحد لنظام الحكم السعودي-الوهابي الحالي في الجزيرة العربية. ونحن ننتهي من كتابة مقالنا هذا، خرج علينا اليوم أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم “داعش” الإرهابي، منددا في خطاب صوتي بالحلف السعودي الجديد ضد الإرهاب ومعترفا بأن دولته هي المستهدفة من وراء هذا القرار … وللحديث بقية.

الجزائر نت

 


 

المسلمون في الغرب : بين مطرقة داعش وسندان اليمين المتطرف

المتتبع لخطابات الجهاديين الموالين لتنظيمي القاعدة وداعش اتجاه المسلمين المقيمين في الغرب يكتشف أنها تنطبق في كثيرا من الأحيان مع آراء اليمين الغربي المتطرف الذي يرى في الجاليات المسلمة طابورا خامسا يهدد الديمقراطيات الغربية في عقر دارها. الجهاديون بُخرجون من الملة المسلمين الغربيين الذين لا يوافقونهم الرأي ويرفضون أعمالهم الإرهابية ضد العزل باسم الإسلام ويتهمونهم بالخيانة والردة. بينما يغتنم اليمين المتطرف المعادي للمسلمين الفرصة عند كل عملية إرهابية ليتهم المواطنين المسلمين بعدم الاكتراث لما يرتكبه المتطرفون الجهاديون من جرائم باسمهم وأن ذلك ينم عن “رضى خفي” عما يجري. وبين هذا ذاك يجد المسلم الغربي أو المقيم في الغرب نفسه بين مطرقة داعش وسندان اليمين المتطرف.

الإرهاب ليس من الإسلام
متظاهر مسلم يدعو لعدم الخلط بين الإرهاب والإسلام

عندما تلتقي إيديولوجية الجهاديين بخطاب اليمين المتطرف

تسعى الحركات الجهادية المتطرفة التى ترفع راية داعش كمؤشر لهويتها الإيديولوجية لتأليب الرأي العام الغربي ضد المواطنين المسلمين وخلق بيئة “حرب أهلية” تمكن التنظيم من نقل الحرب الدائرة في سوريا والعراق وليبيا ومصر واليمن، الخ، الى عقر دار الدول الغربية التي يعيش فيها ملايين المسلمين. قد يقول البعض أن ذلك متوقع بسبب انخراط هذه الدول في الحروب الأهلية الدائرة في العالم الإسلامي ودعمها لأطراف ضد أخرى ولأنظمة عربية ديكتاتورية عفى عنها الزمن، لكن ارتكاب جرائم القتل الجماعي للمدنيين في فرنسا وأمريكا باسم الإسلام والمسلمين وباسم “الخليفة” البغدادي وضع الجالية المسلمة في وضع لا تحسد عليه. فأنصار تنظيم داعش هللوا لهذه العمليات الإرهابية الإستعراضية انطلاقا من مبدأ “السن بالسن” وأغتنموا الفرصة لدعوة المسلمين من جديد بمغادرة “ديار الكفر” والهجرة “لدولة الخلافة”. هؤلاء الناس يقسمون العالم إلى ديار كفر وردة وديار خلافة وإسلام ويعتقدون جازمين في عصر العولمة الإقتصادية والثقافية والمالية أنهم بإمكانهم إقامة دولة منغلقة على العالم يتحكم فيها “خليفة” مدى الحياة بالإعتماد على الرؤية السلفية الوهابية لكيفية الوصول للحكم وإدارة الدولة. هم يرددون دائما بان ذلك هو “الإسلام الحقيقي” وغير ذلك بدع وردة. كذلك يفعل أنصار اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا إذ يرون في داعش “الإسلام الحقيقي” الذي يخيف المجتمعات الغربية الليبرالية وأن المسلمين غير الموالين للتنظيمات الجهادية، أو كما يصفونهم “بالمعتدلين”، لا يعرفون هذا “الإسلام الحقيقي” أو يمارسون “التقية”.

سعادة الجهاديين بفوز اليمين المتشدد الفرنسي

ولعل الفوز الأنتخابي الساحق لليمين المتطرف في فرنسا، والذي استفاد كثيرا من موجة الغضب التي عقبت مجازر باريس التي ارتكبها موالون لتنظيم الدولة الشهر الماضي، لأكبر دليل على نجاح استراتيجية داعش اتجاه الدول الديمقراطية والتي تسعى لتأليب الرأي العام الفرنسي ضد المسلمين ودفعهم للتقوقع والإنسحاب من الفضاء العمومي. نعم، هذا غريب لكن أنصار التيار الجهادي يريدون فوز اليمين المتطرف في فرنسا. وقد صرح أحدهم للصحفي الفرنسي دافيد ثومسون المختص في الحركات الجهادية والذي سأله : “لماذا ستكونون سعداء بفوز الجبهة الوطنية (حزب اليمين المتطرف) الفرنسية ؟” فأجاب الجهادي : “لأن ذلك سيشكل إهانة لأشباه المسلمين (الفرنسيين) الذين يدافعون عن مبادئ العلمانية” وأن ذلك “سيدفع المسلمين الحقيقيين للهجرة (لدولة الخلافة التي أعلنها البغدادي)”.

وبعد نشر نتائج الإنتخابات في فرنسا والتي أفرزت تقدما ساحقا لليمين المعادي للمهاجرين صرح أحد الجهاديين الموالين لداعش بأنه “مسرور لفوز الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف) لأن هذا الحزب هو الأقل نفاقا (بالمقارنة مع الأحزاب الأخرى التي حكمت في فرنسا). إنهم صريحون فيما يعتقدون (بخصوص المسلمين) وأنهم مختلفون عن الحزب الإشتراكي (الحاكم) الذي يقول بأنه يحترم المسلمين وأنه الأقل ضررا على المسلمين (وهذا ما يردده بعض الدعاة في فرنسا) ولكنه يقصف المسلمين في بلادهم (يقصد التدخل الفرنسي في سوريا ومالي) ولذلك فهو أسوء للمسلمين من الأحزاب الأخرى. حزب الجبهة الوطنية هو الأقل ضررا على المسلمين لأنه سيوقظهم من غفلتهم وسيدفعهم لحزم أمتعتهم (والهجرة لدولة الخلافة).”

هذا التصريح الخطير يلخص وجة نظر الجهاديين اتجاه الجالية المسلمة المقيمة في الغرب والتي يراها كعائق للحرب الكونية المزعومة بين الغرب والشرق، بين الإسلام والأديان والأمم الأخرى.  المسلمون الغربيون يراهم داعش كخزان بشري بعدم أن تمكن من تجنيد آلاف الشباب الأوروبيين للالتحاق به في سوريا والعراق. الكل يتذكر الغضب الشديد الذي انتاب أنصار تنظيم الدولة على مواقع التواصل وهم يرون مئات الآلاف من السوريين والعراقيين يغادرون بلادهم طالبين اللجوء في الدول الغربية “الكافرة” فكالوا لهم الشتائم بل وهناك من اتهمهم بالخروج من الملة بسبب تركهم لدولة الخلافة المزعومة والتوجه نحو “ديار الكفر”. المواطنون في سوريا والعراق وغيرهم ذاقوا مرارة العيش تحت سلطة الجهاديين السلفيين وأدركوا أن الحياة لا تطاق تحت حكم هذه الجماعة الفاشية ولذلك فضلوا ترك أوطانهم طمعا في حياة أفضل في أوروبا. دولة الخلافة البغدادية” لا تجذب في أوروبا إلا المغفلين من الشباب العربي الضائع والذي يصدق البروباغندا الجهادية على الأنترنيت التي تصور الحياة في الرقة والموصل على أنها أشبه ما تكون بالسياحة في المنتجعات الراقية وبصبغة إسلامية تحت رعاية الخليفة المزعوم.

كذلك فرح المتطرفون الإسلاميون الموالون لداعش والقاعدة بالتصريحات العنيفة التي أطلقها مؤخرا المرشح الجمهوري للانتخابات الأمريكية دونالد ترامب ضد المسلمين والتي دعا فيها إلى منع هؤلاء من الدخول للولايات المتحدة لتفادي الهجمات الإرهابية. وقرأنا على مواقع التواصل دعوات جديدة أطلقها المتعاطفون مع داعش للمسلمين يحثوهم على ضرورة مغادرة أوروبا وأمريكا والإلتحاق بصفوف داعش. والحقيقة أن أستراتيجية هذا التنظيم للتوسع سواء في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والدول الغربية واضحة : نشر الكراهية ضد المسلمين (السنة) بارتكاب أعمال إرهابية باسمهم وتأليب المجتمعات والطوائف التي يعيشون فيها ضدهم لدفعهم للانضمام لجماعة داعش التي تسعى في نهاية المطاف للظهور بمظهر المدافع الشرعي عن العرب والسنة بالتحديد والمحارب الوحيد ضد أعدائهم من الطوائف والقوميات الأخرى (السنة غير الجهاديين، الشيعة، الأكراد، الفرس، الغربيين، الخ). داعش يقسم العالم إلى قسمين : المسلمون العرب السنة ذوي التوجه السلفي الجهادي وبقية العالم، وهذا ما يريده المتطرفون اليمينيون في الغرب الذي يستعملون فزاعة التيار الجهادي لتخويف المجتمعات الغربية من الإسلام والمسلمين لحصد المزيد من الأصوات الإنتخابية.

وهذا ما حدث في فرنسا إذ حصل حزب الجبهة الوطنية (اليمين المتشدد) المعادي للمهاجرين على أكبر فوز انتخابي في تاريخه في الانتخابات المحلية التي جرت هذا الأسبوع بعدما قدم له داعش على طبق من ذهب أصوات ملايين الفرنسيين الغاضبين من العمليات الإرهابية المرتكبة باسم الإسلام والمسلمين في باريس. كما دفعت هذه العمليات الإرهابية إلى تشديد المراقبة على اللاجئين الهاربين من جحيم الحرب في سوريا والعراق وغلق الحدود أمامهم مخافة أن يتمكن داعش من الدفع ببعض أفراده للتسلل لأوروبا بين حشود اللاجئين. وهذا ما يخطط له داعش في الحقيقة إذ يسعى لثني السوريين والعراقيين عن الهروب لأوروبا بالإرهاب والعنف في دول اللجوء بعدما فشلت دعايته حول “الخلافة الفاضلة” في الميدان وأدرك الجميع بأنها ساحة يسود فيها القتل والذبح والسبي والصلب، والمسلمون هم ضحاياه الأوائل، باسم الدين ولأجل الخلافة (السلطة).

مسلمون غربيون ضد المتطرفين و لأجل إسلام الأنوار

المسلمون الفرنسيون سارعوا للنأي بأنفسهم عما ارتكبه المتطرفون باسمهم ونددوا بالإرهاب الذي شوه الدين. وخلف نداء المثقف الفرنسي المسلم محمد شيراني على تلفزيون “إي ثيلي” صدى واسع في الأوساط الإعلامية الفرنسية إذ توجه لداعش مباشرة بالفرنسية والعربية على الشاشة داعيا المسلمين إلى “جهاد الروح والمواطنة” ضد الإرهابيين الذين سرقوا الإسلام المتعايش والمتسامح وحولوه لإيديولوجية عنف وكراهية.

و لم يمر هذا التدخل الشجاع من مسلم فرنسي ألجم المشككين من اليمين المتطرف في وطنيته ومعارضته للإرهاب. فقد انهالت عليه فورا رسائل تضامن من الفرنسيين من مختلف الطوائف من جهة، وخطابات التهديد والوعيد من أنصار داعش الذين يرون في من لا يوافقهم الرأي من المسلمين بأنه خائن بائع لدينه وموالي للكفار من جهة أخرى. فهل ينذر ذلك بأن الحرب ضد إيديولوجية تنظيم الدولة سيقودها مسلمون غربيون ؟ لا شك أن المسلمين في الغرب يتمتعون بهامش حرية تفكير ونقد لا مثيل له في العالم الإسلامي ولذلك فمن الطبيعي أن يتصدوا للحركات الجهادية التي تريد فرض إيديولوجياتهم بالدم وتسعى للعيش في زمن آخر لا يوجد إلا في مخيلاتهم وفي مخيلات المشايخ الذين درسوهم. بالله عليكم، ما هي مصداقية شيخ سعودي عندما يقف ضد تنظيم الدولة والقاعدة ويصفهم بالخوارج؟ ألا يدري بأن الناس كلهم يعلمون أنه مجرد ناطق باسم القصر الملكي وأنه يفتي بما يحقق مصالح هذا الأخير ؟ وكذلك الأمر بالنسبة لكل علماء السلطان في كل مكان. المفكرون والمشايخ في العالم العربي لا يتمتعون بأية استقلالية عن السلطات السياسية التي توظفهم ففقدوا مصداقيتهم عند الرأي العام وفتحوا المجال للتنظيمات الجهادية المتأسلمة للظهور بمظهر الثائر المقاوم ضد الأنظمة العربية الديكتاتورية والغطرسة الغربية في آن واحد. وبالنظر لاحتكاك المسلمين الغربيين بالحداثة وتمتعهم بحرية الفكر والرأي، فذلك سيمكنهم بتشكيل نواة “إسلام الأنوار” – كما سماه المفكر مالك شبال – الذي لا يروق لا للجهاديين السلفيين ولا لليمين المتطرف الذي يتغذى على أعمالهم الإجرامية ؟ ذلك هو السبيل للعودة إلى المبادئ الإسلامية السمحة التي مكنت من تعايش العرب والفرس وغيرهم من الشعوب من إنقاذ وتطوير المعارف اليونانية في بغداد وبناء حضارة فريدة في الأندلس. عندئد سينتقل المسلمون من زمن الظلمات الذي يعيشونه اليوم إلى عصر الأنوار والحداثة.

الجزائر نت

 

الإعلام الاجتماعي كمنبر لمقاومة الديكتاتوريات العربية : السعودية نموذجا

كثر الحديث في الأعوام الأخيرة عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الحريات الفردية في العالم العربي، ومنهم من وصف ثورات الربيع العربي “بثورات الفيسبوك” بالنظر للدور المهم الذي لعبته هذه الوسائط الرقمية في تواصل المعارضين للديكتاتوريات العربية وتنظيمهم للإحتجاجات ضد هذه الأنظمة الشمولية. وسبق ذلك ابتهاج المختصين الغربيين في الإعلام والإتصال “بالثورات الملونة” في جمهوريات الإتحاد السوفياتي البائد في العقد الأول من الألفية الثالثة ضد الأنظمة الموالية لموسكو ثم بعد ذلك في إيران. الإعلام الإجتماعيوانتقلت عدوى الاحتجاجات التي يتم تنظيمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى الدول الديمقراطية نفسها في السنوات الأخيرة كما هو الشأن بالنسبة للحركات المناوئة للسياسات الاقتصادية التقشفية في البرازيل واليونان وإسبانيا.  اللجوء لوسائل التواصل الاجتماعي في الدول الغربية الديمقراطية هو تعبير عن رفض المحتجين للطبقة السياسية المحلية وعدم رغبتهم في أن تركب هذه الأخيرة على موجات الإحتجاج لتحقيق مصالح سياسية ضيقة. وبالمقابل فإن اللجوء لفيسبوك وتويتر للتعبير عن الرأي في الدول العربية ذات الأنظمة الشمولية القمعية يعود لسيطرة السلطات على كل وسائل الإعلام التقليدية واحتكارها للكلمة وقمعها لكل أشكال التعبير عن الرأي و التظاهر السلمي.

وليس بالغريب أن تنطلق شرارة الربيع العربي في تونس. فهذا البلد له تاريخ في النضال على الانترنيت لأجل الديمقراطية والحرية منذ السنوات الأولى للألفية الثالثة وقبل ظهور الويب الاجتماعي. لجوء المدونين والناشطين للإعلام الاجتماعي للتعبير عن الرأي أصبح ظاهرة تعم الدول العربية ذات الأنظمة الشمولية وقد تعرض العديد منهم للمحاكمات السياسية والسجن في البلدان المغاربية ومصر ودول الخليج على حد سواء. غير أن دول الخليج العربي الثرية هي التي نالت النصيب الأكبر من سجناء الرأي بسبب انتشار الإعلام الاجتماعي بشكل رهيب في الأوساط الشابة التي ضاقت ذرعا بالأنظمة المتسلطة ومن جيش المثقفين والإعلاميين ورجال الدين الذين يدافعون عنها عبر الجرائد والفضائيات. ولعل المملكة العربية السعودية هي المثال الحي “للحرب الأهلية الالكترونية” التي تدور رحاها اليوم على موقع تويتر بين الناشطين المعارضين للديكتاتورية ولمؤسساتها الإعلامية والدينية الدعائية من جهة، وجيش من الكتاب الصحافيين والمثقفين والمشايخ والأمراء والمباحث (الشرطة السياسية) من جهة أخرى.

وقد يتساءل أحدهم : لماذا السعودية بالذات؟ والجواب هو أن هذه المملكة المنغلقة تتصدر استعمال الأنترنيت في العالم العربي وتحتل المراتب الأولى في العالم في استعمال شبكة تويتر وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي مقارنة بعدد سكانها.

تويتر في السعودية
السعودية في صدارة الدول التي تستعمل موقع تويتر (إحصائيات 2013).

وفي المقابل تأتي في ذيل الترتيب في حرية الإعلام حسب ما نشرته العام الماضي منظمة مراسلون بلا حدود إذ تأتي في المرتبة 164. وتملك المملكة العربية السعودية امبراطورية إعلامية قوية منذ عقود طويلة مكنتها من السيطرة على الرأي العام الداخلي من جهة والتأثير كقوة ناعمة على الرأي العام العربي. وبالإضافة إلى الجرائد الحكومية الصادرة في المملكة وفي لندن  منذ سنوات السبعينات ومحطات الراديو تفطنت العائلة الحاكمة لقوة الإعلام التلفزيوني الفضائي في أوائل التسعينات. لذلك تم إطلاق مركز تلفزيون الشرق الأوسط (MBC) سنة 1991 والذي يضم فضائيات تقوم بنشر منتجات الصناعات الثقافية الغربية من أفلام وموسيقى (أمريكية على الخصوص) في المجتمع السعودي والبلدان الأخرى لمقاومة التيارات المحافظة في المجتمعات العربية وتقريب الرأي العام العربي من السياسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط تبعا لما تمليه المصالح الأمريكية-السعودية. وفي عام 2003 انطلقت ” العربية” كقناة إخبارية سعودية موجهة للرأي العام العربي تتبنى خطابات “محور الإعتدال” الموالي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط الذي تقوده السعودية بعدما تمكنت قطر من كسر احتكار المملكة للإعلام المؤثر في الرأي العام العربي بإطلاقها لقناة الجزيرة عام 1996.

يذكر محمد الوافي، الباحث في الشؤون السياسية العربية والمحاضر في جامعة السوربون، بأن هناك ثلاث أبعاد للأخبار التي يتشكل عبرها الرأي العام العربي في كل دولة : وسائل الإعلام التقليدية التي تسيطر عليها السلطة، وسائل الإعلام الأجنبية الناطقة بالعربية (كالبي بي سي، فرانس 24، روسيا اليوم، الخ.) وأخيرا القنوات الفضائية العربية العابرة للحدود والتي تدعي بأنها تتجاوز مصالح الدول التي تمولها كقنوات الجزيرة والعربية. وارتأينا بدورنا – وهذا موضوع مقالتنا – أن نضيف بعدا رابعا مؤثرا في الرأي العام العربي ويتعلق بالإعلام الإلكتروني العابر للحدود والخارج عن سيطرة الأنظمة العربية الديكتاتورية. وفي السعودية يشكل الإعلام الإجتماعي أداة حقيقية للتأثير على الرأي العام الذي لا يصدق دائما الرواية الرسمية للأحداث التي ينقلها الإعلام الحكومي. وذكرت مؤخرا مواقع مختصة أن السعودية لا تزال تحتل المرتبة الأولى في استعمال موقع التدوين المصغر تويتر في منطقة الشرق الأوسط. وعلى خلاف المواقع الأخرى يتخصص موقع تويتر في نشر الأخبار وتداول الروابط التي تدل عيها في رسائل لا تتجاوز 140 حرفا. وبالنظر للغياب التام لحرية التعبير والتجمع، بل والحق في الحديث عن الأمور السياسية، فإن الكثير من السعوديين توجهوا لهذا الموقع للتعبير عن آرائهم وانتقاد تصرفات العائلة الحاكمة والمثقفين والمشايخ التابعين لها.

وعند تفحصنا لما ينشره  بعض الناشطين المدونين على تويتر على مدى أسابيع، اكتشفنا بدهشة بالغة أن المدونين السعوديين على تويتر لا يطالبون بالديمقراطية كحل للاستبداد الذي تعيشه البلاد كما فعل نظرائهم في تونس ومصر، بل يطالبون فقط ببعض الإصلاحات السياسية التي تكفل حل المشاكل الإجتماعية التي يعيشها المواطن السعودي وهي البطالة وأزمة السكن. سقف المطالب إذا ضعيف بالنظر للقمع الذي يتعرض له المواطن وحرمانه من جميع حقوقه السياسية لصالح أبناء وأحفاد آل سعود وآل الشيخ. كما لا يخفى على الجميع أن ثقافة الإنتخاب غائبة عن المجتمع السعودي الذي تربى على “تحريم” الإنتخاب والديمقراطية من طرف مشايخ الوهابية المتحالفين مع السلطان باعتبارها “شر غربي” لا يجوز تبنيه حتى تضمن العائلة المالكة توارث الحكم للأجيال القادمة. أغلب الناشطين  يؤدون دور الصحافي المستقل الذي يحلل مضامين الإعلام التقليدي ثم يعيد صياغتها ونشرها للمتابعين لفضح الدعاية الحكومية والصحافيين الموالين لها ومن ثم إبراز فساد العائلة الحاكمة وتقييدها للحريات.

آخرون يتهكمون أيضا على مشايخ تويتر الموالين للسلطة والمبررين لسياساتها. لكن المغرد “مجتهد” هو بدون شك الأكثر تأثيرا ونفوذا على الإطلاق. وعلى عكس المغردين الآخرين المعارضين للعائلة الحاكمة، فإن مجتهد ينفرد منذ سنوات بنشر مضامين إعلامية تخص الأسرة الحاكمة وتحضى بالكثير من المصداقية.

وقد نشرت عدة وسائل إعلام دولية أخبارا نقلا عن مجتهد وهذا ما يدل على مصداقية هذه الشخصية غير المعروفة وتأثيرها على الرأي العام المحلي. وتعرض حساب مجتهد لمحاولات اختراق عديدة آخرها كانت في الشهر الماضي. كما حاولت السلطات السعودية أكثر من مرة الضغط على شركة تويتر للحصول على معلومات تمكنها من تعقب المعارضين السياسيين الناشطين على الشبكة لكن دون جدوى. فهل انفلات الإعلام الاجتماعي من قبضة الأنظمة العربية الديكتاتورية، والسعودية نموذجا، سيشكل خطرا داهما عليها ؟ هل سيشهد العالم العربي المزيد مما يسمى “الثورات 2.0” ؟ أم أن قوة الإعلام الإجتماعي في الحياة السياسية مبالغ فيها ؟

حسابات تويتر الأكثر شعبية في السعودية
حسابات تويتر الأكثر شعبية في السعودية يديرها شيوخ السلفية الموالين للسلطة (إحصائيات 2015)

المختصون في الإعلام منقسمون في فيما يخص “أوتوبيا الإتصال” الحالية. فمنهم من يبتهج بكل ما هو جديد في تقنيات الإعلام ويعتبر ذلك خطوة حاسمة نحو مجتمع الحريات والعدالة والشفافية الذي سيسود العالم الذي أصبح بفضل ذلك “قرية صغيرة”. ومنهم من يشكك في قدرة الإعلام الجديد على نشر الديمقراطية والحرية باعتبار أن الأنظمة الشمولية تبتكر دائما آليات للالتفاف على كل ما هو جديد وتحويله كبوق لصالحها.

إضافة إلى ذلك فإن التغيرات نحو مجتمعات الديمقراطية والحرية تتحكم فيها عوامل إجتماعية وسياسية وفكرية متشابكة وليس فقط تكنولوجيات الإتصال، والدليل على ذلك أن ثورات الربيع العربي فشلت كلها – باستثناء التجربة التونسية الفتية – في الإطاحة بالديكتاتورية. لسنا متشائمين ولكننا نميل لهذا الرأي الأخير ونعتقد بأن الإعلام الإجتماعي لا يكفي لتغيير الأوضاع رغم أنه مكن المواطنين من إيصال أصواتهم والتعبير عن آرائهم عبر هذا الفضاء الإفتراضي. صحيح أن وسائل التواصل ساهمت في تجاوز التعتيم الحكومي على الخبر والمعلومة لكن ذلك لم يثن السلطة عن مواصلة الدعاية عبر هذه القنوات الجديدة بالإعتماد على المثقفين والمشايخ والشرطة السياسية (المباحث) الناشطين على النت. بالإضافة إلى ذلك فإن مواقع التواصل تشكل حقلا خصبا لجمع المعلومات حول المواطنين وتتبع آثارهم والقبض عليهم. ولا يخف على أحد أن الحكومات العربية القمعية تلجأ لشراء أجهزة متطورة من الشركات الأمنية الغربية لفحض المضامين المنشورة على الأنترنيت وقمع المدونين بحجة “الحرب على الإرهاب”، لكن غالبا ما يتم استهداف الناشطين والمدونين لكشف هوياتهم وإسكاتهم. وللحديث بقية.

الجزائر نت


بعد مجازر ’’داعش‘‘ في بيروت وباريس : هل هناك ازدواجية في مواقف الإعلام العربي؟

المثقف العربي يتحمل جزءا من المسؤولية فيما يجري اليوم في البلدان العربية أين تنتشر ثقافة الكراهية والعنف والرفض التام للخطاب العقلاني لفائدة نظرية المؤامرة. المثقف العربي يده مغلولة وهو تابع لأميره وزعيمه وشيخه – وغالبا ما يقبل ذلك – ولذلك فهو جزء من المنظومة السياسية الاستبدادية التي أنتجت لنا القاعدة وداعش وغيرها من الحركات المتطرفة. المثقف العربي اليوم لا يدافع عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان كحرية التعبير والمشاركة السياسية والعدالة النزيهة الكفيلة بخلق بيئة اجتماعية سليمة ومتماسكة. لا أبدا. علم داعشهو يدافع عن مصالح الأمير والزعيم والخليفة وبيرر ذلك تارة “بنعمة الأمن والأمان” وتارة أخرى بالدين والقومية وغير ذلك. هذا المثقف – و قد يكون شيخ أو معلم أو مسؤول أو صحفي – يمهد بذلك لنشأة جيل غير قادر على التغيير ولا يؤمن بالخطاب العقلاني الذي يساعده على فهم أسباب تخلفه ويميل لنظريات المؤامرة الخارقة لتبرير وضعة المزري ويحمل الآخرين المسؤولية باعتباره دائما هو الضحية. هذا المثقف هو الحليف الأكبر للأنظمة الديكتاتورية العربية التي فرخت أجيالا من اليائسين الذين امتطوا “سفينة الإرهاب” كوسيلة للتعبير والتغيير.

هؤلاء القتلة اليائسين هم من فجروا البارحة أنفسهم في بيروت واليوم في باريس وهم يعتقدون جازمين أنهم يحسنون صنعا. كيف وصل الحال بالإنسان العربي إلى اقتناعه بأن تفجير الشوارع والأسواق بالأحزمة الناسفة وقتل المارة هو عمل محمود ؟ هل هناك كراهية ويأس أكبر من ذلك ؟ البعض ينظر للجهاديين السلفيين بأنهم ضحايا أنتجتهم الديكتاتوريات العربية المدعومة من الديمقراطيات الغربية. آخرون يعودون للنص الديني السلفي-الوهابي المتزمت الذي لا يقبل التغييرات الحالية التي تفرضها العولمة، فيلجأ للتقوقع على الذات، ويحملونه مسؤولية التطرف الديني. بينما يميل البعض الآخر إلى تفسير ظاهرة الإرهاب إلى الوضع السياسي العربي (الديكتاتورية) وانخراط القوى الغربية في حروب ضد بعض الدول العربية (العراق وليبيا وسوريا) ونشرها “للفوضى الخلاقة” بالإضافة للانقسام الطائفي والعرقي الذي يغذيه التنافس السعودي الإيراني على الزعامة في الشرق الأوسط. فما هي مسؤولية صناع الرأي العرب في هذه الأوقات العصيبة ؟ ما موقفهم من الفظائع التي ارتكبها مؤخرا تنظيم الدولة الإسلامية ضد المدنيين العزل في بيروت وباريس ؟ هل كانت هناك ازدواجية في المواقف بالنظر لانخراط الجهات التي تمولهم في الحروب الدائرة في المنطقة ؟
للإجابة عن هذه التساؤلات أرتأينا أن نعرج على موقع تويتر لكشف موقف بعض الشخصيات الإعلامية العربية من العمليتين الإرهابيتين التي اقترفها تنظيم الدولة وأودت بحياة ما يقرب من 200 مدني في بيروت وباريس.

فهذا أياد أبو شقرا، صحفي بجريدة الشرق الأوسط السعودية الصادرة في لندن، لا يجد حرجا في قبول مجزرة بيروت متمهما الضحايا – وهم مدنيون – بأنهم من أتباع إيران وأجانب ولذلك فهم يستحقون ما حل بهم.

لكنه يعاتب داعش فيما يخص مجزرة باريس لأن ذلك يخدم حسبه “أعداء الإسلام”. فهل ما حدث ببيروت عمل محمود يخدم الإسلام ؟ أم انها العنصرية المذهبية المقيتة ؟

هو لم يغضب مما حدث بباريس لدوافع أخلاقية ترفض قتل العزل في الشوارع والمقاهي، بل لأسباب سياسية خوفا من استثمار إيران (عدو السعودية) للحادث.

أما المهرج الجزائري أنور مالك – غوبلز آل سعود الجديد وخادم آلتهم الدعائية والذي يقدم نفسه كناشط حقوقي – فقد توعد اللبنانيين بالمزيد من الدماء مادام حزب الله موجود. وهو بذلك يساند علانية مجزرة داعش في بيروت ويردد وجهة النظر السعودية حول الوضع الداخلي اللبناني. 

بالمقابل فإنه يدين بسرعة جريمة داعش في باريس. ما سر هذه الإزدواجية ؟ هو لايملك خيار آخر فهو لاجئ في فرنسا منذ سنوات ويدرك أنه سيخسر إقامته هناك وسيطرد من البلاد بسبب دعمه للإرهاب. زد على ذلك فإن ذلك لا يصب في مصلحة الإيديولوجية الوهابية-السعودية التي كشف داعش حقيقتها.

وكسائر المهرجين الذي نراهم في الفضائيات العربية، فهو يلجأ لخطاب المؤامرة لتفسير العملية الإرهابية التي تقف وراءها “جهة ما” (ربما أعداءه في إيران أو سوريا) ويرفض الإعتراف بتورط داعش. هو يدين العملية فقط لأنها لا تخدم الأطراف التي تدعم الجماعات الجهادية في سوريا وعلى رأسهم السعودية.


اما صحفي قناة الجزيرة فيصل القاسم فلم يقل شيئا بخصوص مجزرة بيروت ولم يدن داعش بل اتهم بدوره إيران ! بالنسبه له المدنيين الضحايا هم بسبب تدخل إيران لأن – حسب الموالين لمحور الإعتدال القطري السعودي- كل مدني شيعي هو بالضرورة عميل إيراني دمه حلال.

لكن فيما يخص مجزرة باريس فيسارع فيصل القاسم بدوره لتحريك نظرية المؤامرة لتغليط الرأي العام، فهو لا يدين جريمة داعش، بل يتهم “جهات مخابراتية كبيرة” بالتورط فيها !


لكن ما هذه الأطراف المتورطة في مجزرة باريس ؟ بدون شك إيران وسوريا وربما روسيا. دائما يبرئ داعش ويغالط الرأي العام بخطاب المؤامرة. إن لم تستح فقل ما شئت !

أما الصحفي “الدكتور” أحمد موفق زيدان، مدير مكتب الجزيرة في باكستان، فإنه يحمل مجزرة بيروت لمن أشعل الحرب في سوريا. من هم ؟ السعودية ؟ قطر ؟ لا. إنما الأسد وحزب الله وإيران. لذلك فلا داعي لمعاتبة داعش الذي أعترف بجريمته.

لكنه يسارع لإدانة مجزرة  باريس رغم عدم رضاه عن التغطية الإعلامية. موفق زيدان مرغم على إدانة عملية باريس خصوصا وأنه سبق وأن صنفته وكالة المخابرات الأمريكية كعضو في تنظيم القاعدة.

أما “المحلحل” السياسي الفلسطيني ياسر الزعاترة الذي تستضيفه دوما الجزيرة وغيرها من القنوات الخليجية للتعليق على أحداث المنطقة فيلوم العالم على تضامنهم مع ضحايا تفجير بيروت. بالنسبة له إيران هي المسؤولة ولا داعي للوم داعش.


ولكنه يغير لهجته ليبدو غير راضي عن مجزرة باريس، لكنه لا يدينها، لأنها – على عكس مجزرة بيروت لا تخدم ‘فكرة الجهاد”. كيف ذلك ؟ لأن العالم قد يصدق فكرة أن “الدواعش تكفيريين” كما تقول إيران وسوريا وهذا غير مقبول !

وهذا المعارض السوري المقيم في لندن بسام جعارة، والذي تستضيفه دوما الفضائيات الخليجية الداعمة للمعارضة في سوريا، فلا يرى حرجا في قتل المدنيين في بيروت  بل ويهاجم “الأوباش” الذين ترحموا على أرواح الضحايا !

ولأنه يدافع كسائر المرتزقة الذين توظفهم السعودية عن تورط المملكة في نشر الوهابية الجهادية التي تدين بها داعش والقاعدة، فإنه يطلب من “خنازير لبنان” الكف عن اتهام آل سعود بدعم الإرهاب.

وبعد مجزرة باريس، ها هو بسام جعارة يهاجم من جديد “الخنازير” العرب والعجم المترحمين على الضحايا المدنيين في بيروت و باريس !

كمنا يرى القارئ فإن الكثير من المثقفين والإعلاميين العرب هم أطراف مشاركة في نشر ثقافة الكراهية وتبرير القتل العشوائي للمدنيين ولو تظاهروا بمعارضتهم لمجازر تنظيم داعش الفاشي في اوروبا. ذلك يفسر عدم اكتراثهم لمئات العمليات الإنتحارية التي يقترفها تنظيم الدولة في سوريا ولبنان والعراق وليبيا باعتبار أن ذلك يصب في مصلحة الجهة التي توظفهم. هؤلاء لا يملكون أي مبادئ أخلاقية ترفض القتل الجماعي للمدنيين في البلدان العربية مهما كانت الدوافع لأنه رغم كل الخلافات العربية-العربية-الإيرانية حول سوريا واليمن والعراق فإنه مبدئيا ينبغي رفض إرهاب داعش التي يقتل الأبرياء قبل غيرهم. كذلك يفعل شيوخ السلاطين الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الفضائيات إذ لا يدينون داعش إلا عندما يرتكب تفجيرات في بلدانهم (السعودية مثلا) أما في لبنان وسوريا والعراق وليبيا فلا بأس إذا كان ذلك يساهم في تأجيج الحرب المذهبية التي تخوضها دول المنطقة. إن إدانة المؤسسات الدينية الرسمية الخليجية لجريمة باريس وسكوتها عن جريمة بيروت لدليل قاطع على الانهيار الأخلاقي الذي تعيشه المجتمعات العربية بعدما فشل مثقفوها في نشر قيم التسامح والتعايش والسلام وانخراطهم في نشر الكراهية والموت التي تخدم في الأساس الأنظمة الديكتاتورية التي توظفهم. وإن انخراطهم في البروباغندا لصالح الأنظمة العربية الديكتاتورية وسعيهم الحثيث لنشر أفكار المؤامرة لتفسير “ظاهرة داعش” لدليل على افتقادهم لروح لمسؤولية ورغبتهم في تظليل للرأي العام. أليس هؤلاء “الأوباش” – كما قال بسام جعارة لمن لا يشاطرونه الرأي – هم المسؤولون  عن نشر الفكر الإنهزامي غير العقلاني والمتطرف والمتآمر المتوافق مع رؤى الأنظمة الديكتاتورية العربية والذي فرخ داعش وغيرها من الحركات الفاشية التي تنخر المجتمعات العربية والإسلامية ؟

الجزائر نت


 

 

عن شَعبية ’’الخطاب الشعبوي‘‘ في الجَزائر وانتشاره على شبكات التوَاصل الاجتماعي

فكرة هذا المقال ترجع لخبر نشرته جريدة “الخبر” الجزائرية والذي يعرض شريط فيديو لجندي جزائري يتوعد فيه القوات الإسرائيلية “بالقتل والذبح” معلنا مساندته اللامشروطة للشعب الفلسطيني. إلى هذه اللحظة الخبر يبدو عاديا إذ أن الجندي يعبر بدون شك عن غضبه من الوضع المزري الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الإحتلال ويأسه من رد الفعل العربي الرسمي المتخاذل اتجاه “انتفاضة السكاكين”. لا شك أن معظم الشعوب العربية وغير العربية التي تساند المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني في الحرية تتفهم غضب هذا الجندي، لكن تعليقنا على مضمون الرسالة التي بثها الجندي هو الذي أشعل النقاش على صفحة جريدة الخبر على موقع فيسبوك.

فقد علقنا باسم الجزائر.نت على الخبر قائلين : أن خطاب “الجندي شعبوي لا يدرك أنه يجب تحرير البلاد (أي الجزائر) وإقامة دولة القانون قبل تحرير الآخرين. هو لا يدري أن جيش إسرائيل أقوى من جميع الجيوش العربية مجتمعة وهذا ليس صدفة، بل لأن إسرائيل دولة ديمقراطية (للإسرائيليين) يحكم فيها القانون بلا رشوة ولا نهب للمال العام وجامعاتها قوية ومجتمعها متماسك. أما العرب فمجرد ديكتاتوريات بلا مستقبل ينتشر فيها الجهل والفقر…”. ( اضغط على رابط منشور جريدة الخبر على موقع فيسبوك).

ما لاحظناه للوهلة هو الأولى هم عدم تقبل بعض المعلقين لردنا وعجزهم عن فهم الفكرة التي أردنا إيصالها ومفادها أنه ينبغي علينا في الجزائر – وهذا ينطبق على المجتمعات العربية الأخرى – تحرير أنفسنا وتطوير بلداننا أولا قبل أن نفكر فعلا في مساعدة الآخرين لأننا لحد الساعة عاجزين عن توفير أبسط اختياجاتنا من الغذاء والدواء واقتصادنا نفطي ريعي وجامعاتنا ضعيفة فضلا عن انتشار الفساد وانعدام الحريات ودولة القانون. وبدون إصلاح بيتنا الداخلي فليس بإمكاننا مد يد العون للفلسطينيين سواء في وقت السلم أو الحرب. فمن المعلقين من اتهمنا “بالخوف من الإسرائيليين” أو أننا “نئن تحت وطأة الدعاية الصهيونية وجيشها المزعوم الذي لا يقهر” ومنهم من يؤكد أنه لو اجتمعت الجيوش العربية لأصبحت قوة عظمى قادرة على ترجيح الكفة للعرب في أي صراع مع الإسرائيليين. وهنا بيت القصيد لأن هذه الجيوش لن تجتمع في الظروف الحالية إلا لقمع الشعوب العربية نفسها.

هشاشة البيت الداخلي العربي

فالدول العربية بأنظمتها الحالية لا يمكنها أبدا التوافق على سياسية خارجية موحدة لأن أنظمتها فردية ديكتاتورية تهمها مصلحتها الذاتية وليس مصالح شعوبها، فهل ستفكر يوما في مصالح الشعب الفلسطيني الذي يعاني تحت الإحتلال منذ عقود ؟ لا، أبدا. ولذلك فلن يكون هناك أي توجه عربي رسمي حقيقي لدعم الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقه في إقامة دولته المستقلة. ولذلك أشرنا إلى أن إصلاح البيت الداخلي العربي وإقامة أنظمة ديمقراطية يشكل أول خطوة في الطريق الطويل لإصلاح الوضع الكارثي الذي تعيشه المجتمعات العربية على جميع المستويات. فلو ضربنا مثال ببلادنا الجزائر فإن الوضع الإقتصادي كارثي لاعتماد السلطات المطلق على النفط وفشلها في إقامة إقتصاد صناعي وزراعي متنوع ولو توقفنا عن إستيراد القمح لبضعة شهور فإن الشعب مهدد بالمجاعة. أما الوضع الاجتماعي فهو هش بسبب انتشار الفساد وانعدام الثقة في الدولة وانتشار الجريمة والمخدرات. أما على مستوى البحث العلمي، وهو قطاع حيوي لتطوير البلاد، فيكاد يكون منعدم نظرا للوضع الكارثي الذي تعيشه الجامعة الجزائرية جراء انخفاض أجور الباحثين وانتشار المحسوبية وفرار الباحثين للخارج سعيا لحياة أفضل. وكذلك الحال بالنسبة لقطاعات الصحة أو الثقافة. بالله عليكم، أليس من الأولى “تحرير” أنفسنا قبل التفكير في تحرير الآخرين (الفلسطينيين) ؟

عدم جدوى الخطاب الشعبوي

الخطابات الرنانة والحماسية التي أعتاد عليها الإنسان الجزائري تدغدغ فقط مشاعر الناس وتلهيهم عن واقعهم المزري. أليس من المعقول الشروع في إصلاح بيتنا الداخلي الآن قبل الغد إذا أردنا مساعدة الشعب الفلسطيني – وتلك مهمة نبيلة – في كفاحه للتحرر ؟ البعض يصدق “الخطاب الشعبوي الديماغوجي” الممزوج أحيانا بالخطاب الديني للترويح عن النفس لا غير، لكننا واثقون من أن الخطاب العقلاني هو القادر على تفسير أسباب ضعفنا ووضع الأصبع على الجرح. هذا ليس فكر انهزامي كما يعتقد بعض المعلقين على الخبر المذكور أعلاه، بل على العكس تماما. فقول الحقيقة هو أول خطوة للتغيير ومحاولة النهوض. الفكر الإنهزامي هو ما يردده الخطاب الشعبوي الديماغوجي الذي يكذب على الشعب والذات في نفس الوقت. فنحن متخلفون في جميع المجالات وعلينا العمل للنهوض أما الشعارات الجوفاء فهي لا تفيد. ولو رجعنا لثورة نوفمبر الخالدة لوجدنا أن الذين أشعلوها هم رجال مثقفون عقلانيون لم يعتمدوا فقط على الكمائن المسلحة والشعارات الرنانة لإقناع فرنسا بالخروج من البلاد، بل أستعملوا بذكاء المنابر السياسية المتاحة في الخارج للضغط على الديبلوماسية الفرنسية وإقناعها بضرورة التفكير في إعطاء الشعب الجزائري الحق في تقرير مصيره، وهذا ما حدث بالفعل. ولو اقتصرت جهود جبهة التحرير على الشعارات الحماسية والكمائن في الداخل ضد جيش محتل مدجج بالسلاح لما أقتنع الفرنسيون بضرورة مغادرة البلاد.

الديمقراطية كوسيلة للنهوض

وهكذا الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية، فالخصم الإسرائيلي أكثر تسلحا من جميع الجيوش العربية مجتمعة. زد على ذلك أنه شديد الفعالية في جهوده الديبلوماسية في الخارج لضمان مساندة دولية له تضاف لتفوقه العسكري والإقتصادي والعلمي وتلاحم الجبهة الداخلية وراء قيادته السياسية. وهذا ما لا نجده عند العرب المتخاصمين المتحاربين، بل وعند الفلسطينيين أنفسهم الذين ينقسمون بين مؤيد لفتح ولحماس، الخ. فهل ذلك هو محض صدفة ؟ لا. لأن المجتمع الإسرائيلي يعيش في ظل نظام ديمقراطي تعددي غير شمولي وذلك ما لا يريد البعض تقبله. نعم الديمقراطية ينعم بخيراتها الإسرائيليون وحدهم دون الفلسطينيين وتكرس بواسطتها إرادة الشعب الإنتخابية وتصون حرية الإعلام والرأي وتضمن استقلالية القضاء ودولة القانون. لكن ذلك لا يمنعها من أن تكون دولة احتلال لأن الديمقراطية وسيلة لتسيير المجتمع الإسرائيلي حتى تضمن له الرفاه والتفوق في جميع المجالات الإقتصادية والعلمية والعسكرية والسياسية على جيرانه العرب وهذا ما يحدث بالفعل. أليس ذلك ما ينقص المجتمعات العربية، ونحن في الجزائر على وجه الخصوص، لأن مقوماتها الإقتصادية والبشرية أكبر بكثير ولو أتيحت لها الفرصة لاختيار زعمائها وإقامة دول الحريات والعدالة والقانون لقطعت أشواطا في التطور ولتمكنت من تقديم مساعدة حقيقية وفعالة – وليست مجرد شعارات – للشعب الفلسطيني الجريح. الدعم بالخطابات الشعبوية الدعائية لم يفد الشعب الفلسطيني أبدا. وضعف الدعم العربي للشعب الفلسطيني هو من ضعف المجتمعات العربية التي ترزح تحت وطأة الديكتاتوريات التي تدعمها – وذا يجب ألا يغيب عن الأذهان – الدول الغربية الديمقراطية نفسها وهي التي تدري جيدا مدى خطورة عدوى الديمقراطية على مصالحها. فلوا جنحت الأنظمة العربية للديمقراطية فإن ذلك سيحرر الشعوب ويفجر طاقاتها الإبداعية ويقضي على الديكتاتوريات الفاسدة التي جمدت روح النهضة والإبداع في روح الإنسان العربي لعقود طويلة.

وخلاصة القول أن الطريق لا يزال طويلا أمامنا لتحرير أنفسنا أولا من الأنظمة الديكتاتورية الجاثمة على صدورنا والتي اثبتت فشلها وعدم قدرتها (أو رغبتها) في النهوض ببلداننا وإسماع صوتها بين الأمم بسبب افتقادها للشرعية وارتباط مصيرها بالقوى الخارجية التي يرى البعض بسذاجة – ومنهم الجندي الجزائري المتحمس لنصرة الفلسطينيين – أننا بإمكاننا الوقوف في طريقها وهزمها وتحرير الشعب الفلسطيني من ويلاتها ببعض الشعارات العاطفية البراقة. إن مسيرتنا الطويلة نحو الإصلاح لن تبدأ فعلا إلا بإتاحة الفرصة لشعوبنا المقهورة للتعبير عن آرائها واختيار ممثليها القادرين على بناء دول القانون والحريات المتماسكة داخليا و القوية خارجيا، فهي الوحيدة القادرة على مساعدة الشعب الفلسطيني وإنهاء مأساته بالأفعال وليس بالأقوال دون الحاجة للإعتماد على الخطاب الشعبوي غير العقلاني الذي لم يغير شيئا في واقعنا المرير.

الجزائر نت