الجزائر المستقلة : نصف قرن من الصراع على السلطة (ج2)

بعدما تعرضنا في الجزء الأول لمسلسل الصراع على السلطة في الجزائر منذ الأيام الأولى للإستقلال إلى انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1989، نعرج في هذا الجزء الأخير على فترة “العشرية السوداء” ومجيء الرئيس بوتفليقة لسدة الحكم.

algerie-FIS_madani
زعيما الجبهة الإسلامية للإنقاذ عباسي مدني (يمين) وعلي بلحاج (شمال)

فرضت المظاهرات الشعبية على نظام الشاذلي القيام بإصلاحات سياسية أنهت عهد الحزب الواحد وسمحت للناشطين للمرة الأولى في تاريخ البلاد بإنشاء أحزاب سياسية تعكس التنوع الإيديولوجي للشارع الجزائري. وكرس دستور 1989 التعددية السياسية الموعودة وشرعت حكومة مولود حمروش في إصلاحات عميقة سمحت بتحرير قطاع الإعلام وفتحت المجال أمام الأحزاب السياسية الجديدة للتعبير عن برامجها وتطلعاتها. وبرز الإسلاميون بقيادة حزب “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” كأكبر قوة سياسية معارضة للحزب الذي حكم البلاد منذ الإستقلال (جبهة التحرير) مستفيدين من المعارضة الشعبية العميقة للحزب العتيد وتطلعات المواطنين لبديل ديمقراطي حقيقي لنظام الحزب الواحد. وسخر التيار الإسلامي بقيادة علي بلحاج وعباسي مدني أماكن العبادة لحشد الجماهير وتأليبها ضد النظام الحاكم. وكما كان متوقع فقد فازت “الجبهة الإسلامية” في الإنتخابات البلدية وأضحى من المتوقع فوزها في الإنتخابات التشريعية والرئاسية. وأراد الشاذلي الإستمرار في المسار الديمقراطي رغم الإضطرابات والمشادات التي يشهدها الشارع بسبب تخوف الإسلاميين من تراجع السلطة عن وعودها باستكمال المسار الإنتخابي. وزاد من حالة الإحتقان التي شهدتها البلاد اعتقال السلطات للزعيمين علي بلحاج وعباسي مدني في صائفة 1991 واستقالة حكومة مولود حمروش الإصلاحية.

وعبرت قيادة الجيش عن موقفها من الإسلاميين في إفتتاحية لمجلة الجيش أعلنت فيها بوضوح أن “قوات الجيش الوطني الشعبي لن تسلم مقاليد الحكم لمتطرفين يريدون إرجاع البلاد للعصور الوسطى”. وقللت دوائر السلطة من احتمال فوز الإسلاميين بالأغلبية في الإنتخابات التشريعية المقررة في ديسمبر/كانون الأول 1991 بإلإعتماد على “نظام التمثيل النسبي” الذي سيمنح الإسلاميين – حسب تقديراتها– 30 بالمائة من الأصوات على أكبر تقدير. وعلى غير المتوقع، فاز الإسلاميون في الدور الأول من الإنتخابات ب48 بالمائة من الأصوات مما أدى بالمراقبين للتكهن بفوزهم بالأغلبية المطلقة في الدور الثاني. وفي هذا الوقت خرج سعيد سعدي، الزعيم العلماني لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، في مسيرات مع أنصاره مطالبا قوات الجيش بالتدخل لإيقاف المسار الإنتخابي وتفويت الفرصة على الإسلاميين. أما حسين آيت أحمد، زعيم حزب القوى الإشتراكية، ولويزة حنون، رئيسة حزب العمال، فقد عبروا عن رغبتهم في استكمال المسار الإنتخابي مبررين تقدم الإسلاميين بعزوف جماهير عريضة عن الإنتخاب بسبب الإعتقالات والجو المشحون الذي تعيشه البلاد. وفي يناير/جانفي 1992 استقال (أو أُقيل) الرئيس الشاذلي من منصبه فاسحا المجال للسلطات بإيقاف الإنتخابات التشريعية (التي كاد الإسلاميون أن يحسموها لصالحهم) والتوجه بسرعة نحو انتخابات رئاسية.

boudiaf
الرئيس الراحل محمد بوضياف

وبعد إيقاف المسار الإنتخابي تم استدعاء محمد بوضياف، المناضل القديم الذي رفض الإنضمام لنظامي بن بلة و بومدين و الذي عاش في المنفى، لتوليته رئاسة البلاد. ولا يخفى على أحد مواقف بوضياف المعارضة للحكم الشمولي واستقلاليته التامة عن الأطراف المتصارعة على الحكم في الجزائر. لكن ذلك لم يمنعه من قبول تولي القيادة بسبب إدراكه للخطر الذي يداهم البلاد التي تمر بأوقات العصيبة بعد تعطيل المسار الإنتخابي. وفي خطوة منه لمعالجة الأسباب التي رمت بالجزائريين إلى أحضان الإسلاميين، قرر بوضياف معالجة المشكل الحقيقي الذي يعانيه البلد : الفساد. وفي الوقت نفسه بدأت الهجمات الإرهابية في استهداف قوات الأمن والمثقفين وبرز نجم الجيش الإسلامي للإنقاذ، الجناح المسلح للجبهة الإسلامية التي تم حظرها، الذي يستمد “مشروعه الجهادي” من الخطابات النارية التى ألقاها علي بلحاج قبل أعتقاله والتي برر فيها رفع السلاح ضد الدولة. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

وفي هذه الظروف الإستثنائية أعتقلت السلطة الحاكمة عشرات الآلاف من المتعاطفين مع الجبهة الإسلامية المحظورة وتعرض الكثير منهم للإختفاء القسري. و بدأ بوضياف في كسب التأييد الشعبي عن طريق “سياسة الأيادي النظيفة” التي أعتمدها كركيزة أساسية لإقامة دولة القانون والقضاء على الرشوة والإرهاب. لكن ذلك لم يرق بدون شك للطبقة الأوليغارشية المتحكمة في اقتصاد البلاد. في شهر جوان/حزيران 1992 توجه بوضياف لمدينة عنابة (شرق البلاد) لإلقاء خطاب جماهيري تعرض خلاله لعملية اغتيال شاهدها الجزائريون مباشرة على شاشات التلفزيون. وشكلت هذه الحلقة الدرامية في الصراع على السلطة في الجزائر ضربة قاضية لأحلام ملايين الجزائريين في إقامة دولة الحرية والعدالة التي أرادها ثوار ثورة نوفمبر الأوائل وعلى رأسهم محمد بوضياف. ووُجهت أصابع الإتهام لأحد المتعاطفين مع الإسلاميين من الحرس الرئاسي الذي أعترف بجريمته لكن العديد من المراقبين يعتقدون بأن أطرافا في النظام من الطبقة الأوليغارشية كانت غير راضية على سياسة الأيادي النظيفة التي انتهجها الرئيس دورا في أغتياله. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

وعُين علي كافي على رأس ما سمي “بالمجلس الأعلى للدولة” بالتزامن مع توجه البلاد نحو حرب أهلية فظيعة خلفت مئات الآلاف من الضحايا والمفقودين.

زروال
الرئيس الأسبق اليمين زروال

وتم استدعاء الجنرال اليمين زروال في شهر جانفي/يناير 1994 عى رأس المجلس الأعلى للدولة كحل وسط بين طرفي النظام الذين لا يمانعون من التفاوض مع الإسلاميين لدرأ الفتنة والإقصائيين الرافضين لأي تواصل مع أولئك الذين رفعوا السلاح ضد الدولة والذين يفضلون الطريقة الأمنية لسحق الإرهاب. وفور تعيينه سعى زروال للتقرب من الإسلاميين وقام بإطلاق سراح علي بلحاج وعباسي مدني زعيما الجبهة الإسلامية المحظورة. لكن حمام الدم لم يتوقف وأضحى على قائمة العناوين الصحفية في العالم خصوصا بعد المجازر المروعة المنسوبة للجماعة الإسلامية المسلحة الأكثر تشددا والتي راح ضحيتها الآلاف من المدنيين العزل في المناطق النائية. ولجأت السلطات لتسليح القرويين وتكوين مليشيات موالية للدولة ساهمت  في توجيه ضربات قاصمة للجماعات الإسلامية المسلحة لكنها – على غرار كل حرب أهلية – لم تكن بمنأى عن تجاوزات وعمليات ثأر راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء.

في هذه الظروف فاز اليمين زروال في الإنتخابات الرئاسية لعام 1995 فاسحا المجال لبعض الإسلاميين المعتدلين للحصول على بعض الحقائب الوزارية في الحكومة. ورغم عمليات التواصل المتقطعة مع الفصائل الإسلامية المسلحة في عهد زروال فإن مسلسل العنف بقي يراوح مكانه رغم إحراز القوات الحكومية تقدم مهم في الجبهات مدعومة بمليشيات الدفاع الوطني والرفض الشعبي المتنامي للفظائع التي ارتكبتها الجماعة الإسلامية المسلحة في حق المواطنين العزل و التفجيرات التي استهدفت الأماكن العمومية. وفي سبتمبر/إيلول 1998 فاجأ الرئيس زروال الجميع بإعلان تنحيه عن الحكم وإجراء انتخابات رئاسية مسبقة. وقد فسر العديد من المراقبين هذه الخطوة بالضغوط التي تعرض لها من أطراف في الجيش أرغمته على التنحي. وهذا فصل آخر من فصول الصراع السلطة في جزائر الإستقلال.

butaflika
الرئيس عبد العزيز بوتفليقة

وتقدمت للإنتخابات الرئاسية لعام 1999 العديد من الشخصيات المرموقة مثل مولود حمروش وحسين آيت أحمد وأحمد طالب الإبراهيمي بالإضافة إلى عبد العزيز بوتفليقة الذي أختفى عن المشهد السياسي منذ رحيل بومدين وقضى سنوات “العشرية السوداء” في الخارج. وسارع الملاحظون إلى التأكيد على أن بوتفليقة هو مرشح النظام وأنه لا جدوى من الترشح للرئاسيات بدون ضمانات لتجنب التزوير مما دفع بانسحاب المرشحين المنافسين الذي رأوا في الإنتخابات مجرد تمثيلية باعتبار أن بوتفيلقة قد تم اختياره بالفعل للمنصب. لكن ذلك لم يمنع بوتفليقة – المرشح الوحيد – من الفوز بالإنتخابات. واختصر هذا الأخير مشروعه الإنتخابي في ثلاث نقاط أساسية : إنعاش الإقتصاد وإيقاف مسلسل العنف واسترجاعه المكانة الدولية للبلاد التي تضررت بسبب عقد كامل من الحرب الأهلية. وحصل مشروع “الوئام المدني” على الأغلبية الساحقة في استفتاء عقد عام 1999 والذي تم بموجبه العفو عن الإسلاميين المسلحين مقابل تركهم للعمل المسلح وتم دفع تعويضات مالية لضحايا ما سمي “بالعشرية السوداء”. ومكن القانون ألاف من مسلحي الجيش الإسلامي للإنقاذ، الجناح المسلح للجبهة الإسلامية المحظورة، من إلقاء السلاح والعودة لذويهم. ورغم تراجع حدة العنف فإن جماعات محدودة تابعة لما يسمى “قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي” لازالت ترفض التراجع عن العمل المسلح.

ورغم تراجع العنف في بداية الألفية الجديدة، فإن العلاقة بين الشعب والسلطات الحاكمة بقيت متوترة ومن الصعب ترميمها. فقد شهدت منطقة القبائل مشادات عنيفة عام 2001 بين المواطنين المحتجين والشرطة بعد وفاة شاب على أيدي قوات الدرك. وقد تسببت المشادات في وفاة وجرح المئات من المواطنين. وقد دفعت الأحداث الرئيس بوتفليقة إلى إدراج اللغة الأمازيغية كلغة وطنية في الدستور في محاولة منه لتهدئة الشارع الأمازيغي. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

وتسبب إرتفاع أسعار النفط في السوق الدولية منذ مجئ عبد العزيز بوتفليقة لسدة الحكم في زيادة مداخيل الدولة مما مكن من الشروع في إنجاز مشاريع طموحة في البنية التحتية وزيادة الدعم للمواد الأساسية والأجور لتحسين مستوى المعيشة. لكن الفساد الذي انتشر في جميع أجهزة الدولة أفشل الكثير من المشاريع التنموية في البلاد وكشف عن هدر للمال العام لم يسبق له مثيل منذ الإستقلال. وتمكن الرئيس بوتفليقة من إبعاد منافسيه في دوائر القرار الواحد تلو الآخر وبسط سيطرة “مجموعة وجدة” على الحكم التي حكمت البلاد بيد من حديد في عهد أحمد بن بلة وهواري بومدين. وفاز بوتفليقة بأربع عهدات متتالية رغم كبر سنه وعجزه في السنوات الأخيرة بعد إصابته بجلطة دماغية أفقدته القدرة على الحركة. وهذا فصل آخر من فصول الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

ورغم الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد عام 2011 في غمرة الربيع العربي وانهيار العديد من الأنظمة الأوتوقراطية في العالم العربي تحت ضغط الشارع، فإن نظام بوتفليقة رفض بثقة تامة التراجع عن سياساته مستغلا تخوف الشعب الجزائري من عودة كابوس الإرهاب الذي لا يزال عالقا في الأذهان. وفي الوقت الذي تراجعت فيه أسعار المحروقات إلى النصف بسبب إغراق السوق العالمية بالذهب الأسود وتزايد إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة فإن الميزانية الجزائرية بدأت تسجل أول عجز لها منذ سنوات. ولجأت السلطة للمزيد من احتياطات النقد الأجنبي لدعم الميزانية وزيادة المساعدات الاجتماعية لتهدئة الشارع. لكن العديد من المراقبين يعتقون أن هذه الحلول الترقيعية لن تصمد طويلا إذا استمرت أسعار النفط في الإنخفاض بسبب اعتماد البلاد كليا على النفط لاستيراد حاجياتها الأساسية وضعف النشاط الصناعي والزراعي. كل ذلك ينذر بتواصل مسلسل الصراع على السلطة الذي تعيشه البلاد منذ الإستقلال و الذي أهدر فرص ثمينة للتمنية وإقامة دولة العدالة والحريات التي نادى بها بيان ثورة نوفمبر المجيدة. والسؤال الأهم لو استمرت أسعار النفط على حالها وعجزت الدولة عن دعم المواد الأساسية : فهل سيعيد التاريخ نفسه وهل نحن بصدد الرجوع إلى نفس الظروف التي أدت لانتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1988 ؟ فرجوع إيران المنتظر للسوق النفطية سيشكل ضغطا جديدا على الأسعار في السوق الدولية.

ولو عدنا للنقطة التي بدأنا منها هذا المقال، أي أحداث غرداية، لتيقنا أن الصراع وإن كان في ظاهره مذهبيا وعرقيا فإنه قبل كل شيء صراع على الأراضي والسكن والموارد الأساسية للحياة الكريمة بعدما ضاقت مدينة غرداية بقاطنيها الذين تعايشوا معا لقرون طويلة. أحداث غرداية تجسد صراع الجزائريين البسطاء فيما بينهم على الفتات الذي ألقته السلطات للشعب في شكل مساعدات للسكن والتجارة بعدما فشلت في توفير التمنية الحقيقية والحياة الكريمة لجيل الإستقلال. نتمنى أن يدرك أطراف النظام الحاكم حجم الضرر الذي لحق بالمجتمع بسب صراعهم على السلطة الذي جمد أي مشروع تقدمي تنموي يجنب الجزائريين الصراع فيما بينهم ويضمن لهم العيش الكريم. لقد ألتهم الصراع على الحكم نصف قرن من عمر الجزائر المستقلة وأهدر فرص عديدة للنهوض بالبلاد آخرها الطفرة النفطية التي شهدتها الجزائر منذ 15 عاما والتي لو تم اغتنامها واستثمارها في مشاريع إنتاجية مدروسة لتحولت الجزائر إلى مصاف الدول الناشئة على غرار الهند والصين والبرازيل… وللحديث بقية.

الجزائر نت
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.