بين يوتوبيا الخلافة الفاضلة وواقع الديمقراطية : ما هي مسؤولية الخطاب السلفي ؟

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن أسباب نجاح تنظيم “الدولة الإسلامية” في استقطاب آلاف الشباب المسلمين المتحمسين لإقامة “خلافة إسلامية” وهي نظام سياسي يقول مناصروه بأنه هو السبيل الوحيد لاسترجاع أمجاد العرب والمسلمين والتخلص من التخلف الذي تفرضه الأنظمة غير الشرعية الحاكمة والمتحالفة مع القوى الخارجية. ديكتاتورية

ورغم اختلافهم حول السبيل الأمثل لتحقيق هذا “الحلم” فإنهم متفقون على أنه لا حل للتخلف والضعف الذي يعيشه المسلمون عامة والعرب خاصة إلا بالرجوع للخلافة كنظام سياسي أثبت نجاعته حسب اعتقادهم في توحيد الشعوب وتحرير طاقتها الإبداعية والحضارية. فبالنسبة لهؤلاء، بالإمكان استنساخ نظام حكم الخلافة الذي ساد في القرون الأولى للإسلام وإقامته بحذافيره في القرن الواحد والعشرين وبالقوة إن لزم الأمر باعتبار ذلك واجبا دينيا. لكن آخرون يؤكدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يورث نظاما سياسيا بعينه لإدارة شؤون المسلمين بل ترك الباب مفتوحا لاجتهاداتهم باعتبارهم أعلم بشؤون دنياهم وبأن “أمرهم شورى بينهم”.  ومنذ سقوط آخر خلافة قبل 90 عاما، لا يزال الحلم يراود الإسلاميين للعودة إلى هذا النظام بعد فشلت جميع الحكومات العربية القومية و”الإسلاماوية” الإستبدادية في تحقيق الحرية والعدالة وتصاعد شعور الشعوب العربية بالذل والمهانة بعد سلسلة الهزائم التي تكبدها العرب في حروبهم مع إسرائيل وبقائهم تحت الهيمنة الغربية.

ما من شك أن رغبة الشعوب العربية في تغيير أنظمة الحكم الاستبدادية مشروعة وضرورية ولكن ما هو النظام السياسي البديل ؟ الخلافة (بمفهومها السلفي) ؟ أم الديمقراطية ؟ يتفق الجميع على أن الشعوب العربية الثائرة في السنوات الأخيرة في ثونس ومصر وسوريا واليمن كانت تنادي بالحرية وتدعو لإنهاء الإستبداد وانفراد الديكتاتوريين بالسلطة والثروة بينما تعاني الشعوب من الفقر والحرمان. فما الذي دفع بالتنظيمات السلفية الجهادية على غرار القاعدة وداعش – وهي التي ترفع شعار “الخلافة” (غير الديمقراطية) كبديل للديكتاتوريات العربية – إلى الواجهة ؟ ما هو سر نجاحها في استقطاب الثائرين واليائسين من الديكتاتوريات العربية العلمانية والإسلاماوية على حد سواء ؟ كيف سرق السلفيون الجهاديون من القاعدة و”داعش” الثورات الشعبية العربية وحولوها لحرب دينية هدفها إقامة “خلافة إسلاماوية” ذات الحكم الفردي الإستبدادي تشرعن الإستيلاء على الحكم بالقوة وتعد الناس بالعدل والتطور والعزة ؟

التراث السلفي-الوهابي يحرم الديمقراطية

عودة الحديث عن الديمقراطية كحل واقعي لأزمة الشرعية التي تعاني منها الأنظمة العربية الإستبدادية جاء غداة اندلاع شرارة ما يسمى “الربيع العربي” عام 2011 وقد خرجت الجماهير للشوارع منادية بالحرية والديمقراطية للتخلص من الأنظمة القمعية. وسرعان ما اغتنم الإسلاميون الفرصة، وهم الذين عانوا من القمع السياسي على مدى عقود، وانضموا إلى جانب الشعوب مطالبين بحقهم في الحكم عن طريق الإنتخاب. وتمكن تيار الإخوان المسلمين لأول مرة من الوصول للسلطة في تونس ثم مصر عبر صناديق الإقتراع. لكن تجربتهم لم تدم طويلا إذ تراجعت شعبية حركة النهضة في تونس وتمت الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي من طرف العسكر وبمباركة المملكة العربية السعودية “السلفية” التي طالما رفضت قيام أي نظام “إسلاماوي” آخر يهدد احتكارها للزعامة الدينية على المسلمين، خصوصا إذا كان يؤمن بنظام الإنتخاب الذي يعتبر من أشد المحرمات التي قد تهدد نظام الحكم السعودي القائم على الوراثة المطلقة بتزكية من مشايخ السلفية-الوهابية المتحالفين معه.

وعندنا في الجزائر يتبنى أعلام السلفية-الوهابية الذين زاولوا تكوينهم الديني والإيديولوجي في السعودية، على غرار الشيخ فركوس، نفس الموقف ويحرمون الإنتخاب كأداة للإنتقال السلمي للحكم باعتبار الديمقراطية نظام غربي “كفري” من صنع البشر لا يصلح لتداول السلطة عند المسلمين. يقول الشيخ في إحدى فتاواه : “(…) أمَّا المنظور الشرعي للنُّظُم الديمقراطية بمختلف أساليبها فهي مخالِفةٌ لمنهج الإسلام في السياسة والحكم، بل هي معدودة من صور الشرك في التشريع، حيث تقوم هذه النظم بإلغاء سيادة الخالق سبحانه وحقه في التشريع المطلق لتجعله من حقوق المخلوقين (1)”. أما الشيخ السلفي السعودي مقبل بن هادي الوادعي فيقر في إحدى فتاواه بكفر من أعتقد بأن الديمقراطية سبيل حقيقي لتحقيق العدالة : “وإن كانوا يقولون: نحن ديمقراطيون، إذا كان يعتقد أن الديمقراطية حق ويؤمن بها فهو كافر، لكن إذا كان متأولا لأجل مطامع الدنيا فهو ضال” (2). أما الشيخ السلفي السعودي المدخلي فيفتي بأن “الديمقراطية تعني حكم الشعب بالشعب” وأنها تمكن هذا الأخير من جعل الحرام حلالا والعكس وهي غير خاضعة لأمر الله وبذلك فهي حرام ولاتجوز (3). ويحذر بدوره الشيخ السلفي ناصر الدين الألباني من إجراء الإنتخابات والديمقراطية لأن ذلك سيمكن الفاجرين من الوصول للحكم عن طريق الشعب. ويؤكد بأن “الحكم لله وليس للشعب والشعب تابع للحكم الإسلامي، فالديمقراطية تعني ضد الحكم الإسلامي تماما، (أي) الحكم للشعب” (4). العريفي والديمقراطية

ولعل تغريدة الشيخ الوهابي-السعودي عبد العزيز الطريفي تلخص تماما النظرة السعودية-السلفية المعادية للديمقراطية باعتبارها “صنم” في يد الشعب يهدد الإسلام الوهابي-السعودي، خصوصا إذا أخذنا في الحسبان أن السلفيين – المواليين للملوك الديكتاتوريين الحاكمين أو الجهاديين المبايعين للقاعدة وداعش على حد سواء – يعتبرون أنفسهم الوارثين الحصريين للإسلام الصحيح والمدافعين عنه من خطر الديمقراطية. 

احتقار خيارات الشعب والتشكيك في حرصه على الدين

يتبين لنا بعد فحص بعض آراء وفتاوى أعلام السلفية-الوهابية أن عداء هذا التيار للديمقراطية نابع في ظاهره من خوفهم على الإسلام إذا ما أتيحت الفرصة للشعوب لاختيار حكامها. وبحكم وقوف السلفيين غير الجهاديين (تيار السلفية العلمية أو الجامية) إلى جانب الزعماء الديكتاتوريين، والسعودية أحسن مثال على ذلك، فهم لا يخشون على الإسلام تسلط الملوك الفاسدين الذين لم يختارهم الشعب والتابعين للقوى الخارجية والذين يبذرون الأموال ويستقبلون القواعد العسكرية الغربية في بلادهم ويزجون بنشطاء الرأي (المسلمين) في السجون. لا أبدا. بل هم يخشون خيارات الشعوب ويشككون في حرصهم على الإسلام فهم بالنسبة لهم جاهلون ومعادون للدين بطبيعتهم ولو أتيحت للشعب الفرصة لإبداء رأيه كما هو الحال بالنسبة للمجتمعات الديمقراطية فسيتنصل من الدين ويحاربه ! وهذا الحكم السلفي السلبي والمسبق على الشعوب العربية لم يأت صدفة، بل نابع من نظرة السلفية الدونية “للعوام” (عامة الشعب) الذين لا يملكون رأيا صائبا ولا يستحقون المشورة ولذلك لا بد أن تبقى أمور السياسة والدين في يد الأمراء والمشايخ (صفوة القوم) ولا يحق بأي حال من الأحوال للشعب أن يقول كلمته. ولذلك يبرر مشايخ السلفية-الوهابية (الجامية أو الجهادية على حد سواء) إقصاء الشعب واللجوء للحكم الإنفرادي المبرر دينيا بجهل الأخير في أمور الفقه والشريعة بينما حلفائهم الأمراء الديكتاتوريين (سواء كانوا ملوكا أو خلفاء) يبررون تسلطهم بعدم فهم الشعب للسياسة وجهله بمصالحه.

الخلافة الفاضلة كبديل للديمقراطية

ولأن الديمقراطية كآلية سلمية لتبادل السلطة تجنب الشعوب ويلات الحروب الأهلية لا تزال حلما بعيد المنال في جميع البلاد العربية وتفتقد حتى الآن للشرعية عند صناع الرأي (رجال الدين وكذلك المثقفين الليبراليين المتحالفين مع الحكام الديكتاتوريين) فإننا نلاحظ أن أغلب الجماعات الثائرة التي تصارع لأجل التغيير، خصوصا منذ اندلاع “الربيع العربي”، لا تسعى لإقامة نظام ديمقراطي يسمح للشعوب الثائرة بتقرير مصيرها بنفسها بل تنادي بإقامة “حكم إسلامي فردي” (خلافة أخرى ؟) كسبيل أوحد لإقامة دولة العدالة. وبالطبع ففي هذه “المملكة الفاضلة” سيحتكر مشايخ السلفية (حراس الدين) والأمراء (حراس الدنيا) الرأي ولا يسمحون للشعب بقول كلمته خوفا من انتشار الفساد والكفر على حد زعمهم، فالشعب حسبهم بفطرته غير حريص على الدين ولا يفقه شيء من أمور الدنيا.

ولو ضربنا مثالا بما يجري في سوريا اليوم فإننا نعاين ما قلناه أعلاه في أرض الواقع. فقد خرج السوريون في مظاهرات شعبية كسائر الشعوب المضطهدة في تونس ومصر واليمن وغيرها مطالبا بالديمقراطية والحرية لطي صفحة الديكتاتورية والحكم الفردي. وها نحن نرى اليوم بعدما تهدمت البلاد وسقط مئات الآلاف من الضحايا العسكريين والمدنيين أن أقوى الفصائل التي تحارب نظام الأسد لا تنادي بالديمقراطية – التي قد تعطي الكلمة للشعب “الغبي غير المتدين”  – بل تريد إقامة “دولة إسلاماوية سلفية” ذات حكم فردي (في يد الملك أو “الخليفة”) لا يحق لأحد فيها إبداء رأيه ما عدا المشايخ المقربين والأمراء المتحالفين معهم ! وهي بذلك دولة استبدادية تقصي الشعب مرة أخرى من المشاركة في اتخاذ القرار. فلو كان تنظيم القاعدة أو “داعش” يقاتل لأجل بناء مجتمعات الديمقراطية والحرية لتحولت دول الشرق الأوسط إلى قوى إقليمية نافذة في مدة قصيرة بالنظر لإمكانياتها البشرية والمادية ولتم التخلص من كابوس الإرهاب والفساد الذي أنهك المجتمعات العربية وأرجعها للوراء في الوقت الذي تتنافس فيه الدول العالم بأكمله لتقاسم كعكة العولمة. لكن الديمقراطية – التي لم يتذوقها بعد أي شعب عربي تم تحريمها وتجريمها مسبقا من طرف رجال الدين والمثقفين وحلفائهم الحكام حتى يستمروا في السلطة – تم استبدالها بفكر شمولي يعيش على إنجازات الماضي الغابر والرافض لكل ما توصل الإنسان من سبل لتداول الحكم سلميا بعد قرون من الحروب والصراعات على السلطة.

لذلك ترى الشعوب الثائرة ضد الديكتاتورية والظلم في العراق وسوريا تسقط في فخ “السلفية الجهادية” التي تعدهم بدولة “الخلافة المثالية” كبديل للديكتاتوريات السائدة وكمنافس للحل الديمقراطي. لكنها في واقع الأمر ما هي إلا ديكتاتورية جديدة أكثر عنفا وأكثر استبدادا. ولعل الأنباء الواردة من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” ذو التوجه السلفي الجهادي في العراق وسوريا تثبت ذلك، فهو يسيطر على الناس بالرعب ويجبر السكان على حضور مشاهد الذبح والصلب في الساحات العامة ويجوب رجال الحسبة (الشرطة الدينية) الشوارع ويتدخلون في أبسط شؤون الناس ويسوقونهم بالقوة لأداء الصلاة في المساجد وأضحى “النفاق” أفضل سبيل للحفاظ على الحياة تحت سيطرة دولة الخلافة الفاضلة المزعومة. نظام الخلافة المثالي الذي سوق له السلفيون  – و هم الذين أقاموا مملكتهم السعودية في نجد والحجاز ضد الخلافة العثمانية ! –  ما هو إلا وسيلة لقطع الطريق أمام أي تغيير للحكم وتهديد لمصالحهم رغم تبججهم بالدين والحرص على مصالح الشعوب المضطهدة. وما يفعله الجهاديون السلفيون في تنظيم “داعش” هو تطبيق لهذه الإيديولوجية المعادية للشعوب وخياراتها والتي بدورها ما إن تتمكن من الحكم حتى تقيم ديكتاتورية جديدة أسوء من سابقاتها. والأدهى أنها تبرر تسلطها وحكمها الإنفرادي بالنص الشرعي ولذلك فإن أي محاولة شعبية للتغيير هي في نظرهم تحد سافر للدين باعتبار أن نظامهم الشمولي – العادل والمثالي حسب زعمهم – هو تحقيق”للإرادة الإلهية”.

ضرورة إصلاح الأفكار لكسر شوكة الإستبداد

يتهمنا معارضونا بأننا علمانيين أو كارهين للدين لوقوفنا ضد النظرة السلفية للحكم التي هي جزء من الدين – حسب فهمهم له – ولكننا نرد عليهم بأننا نرى نتيجة معاداتهم لخيارات الشعوب وللديمقراطية كنظام يعود للشعب لمناقشة مسائله الدنيوية ويسمح له باختيار ممثليه ليس بالنظر للحية والقميص وتزكية المشايخ ولكن حسب الكفاءة وقدرته على تحسين ظروف حياة المواطنين وإقامة دولة القانون. فلو لم يتم تحريم الرجوع للشعوب (الديمقراطية) في الموروث السلفي المعاصر لتجاوز مشكلة الحكم لما رأينا “داعش” أو القاعدة أو بوكو حرام تقاتل لأجل إقامة الديكتاتورية الدينية بل جماعات تناضل لأجل الحرية والديمقراطية وتعطي للشعوب الحق في اختيار “خلفائها” وعزلهم بطريقة حضارية وبدون إراقة للدماء. أليس ذلك من الدين؟ ولو لم يتحالف مشايخ السلطان المنافقين مع الملوك الديكتاتوريين الفاسدين لعقود طويلة لما وقع الشباب اليائس في أحضان كهنة السلفية الجهادية الذين يقودون تنظيمات داعش والقاعدة من اليمن للجزائر ويعدون الناس بالخلافة الفاضلة. وإذا كانت الديمقراطية لا تعارض الدين ولا تهدده كما يزعم مشايخ السلطان المنتفعين فإنها تهدد بدون شك أعداء كثر من الملكيات الإسلاماوية الأوتوقراطية والديكتاتوريات العلمانية إلى القاعدة و “داعش” الساعين بدورهم للحكم الفردي. وبدون أي إصلاح فكري يعري أدبيات السلفية المعارضة للديمقراطية وينسف معتقداتها حول “التكفير المسبق الديمقراطية”، فإن الشباب العربي الثائر لأجل الحرية والكرامة سيفشل في إقامة مجتمع الحريات. فالإيديولوجيات الاستبدادية الرجعية – وإن ارتدت عباءة الدين – تقف عائقا أمام استيعاب الإنسان العربي لحقيقة واقعه المرير الذي هو نتيجة للإستبداد و الصراع الدموي على السلطة بعد تأخر بزوغ شمس الديمقراطية والحرية.

الجزائر نت

 المصادر:

1- http://ferkous.com/home/?q=fatwa-320

2- http://www.muqbel.net/files.php?file_id=5&item_index=18

3- https://app.box.com/s/cfk7zr5jdcespy9awkdz

4- https://www.youtube.com/watch?v=G89C4smj4Do

رأي واحد حول “بين يوتوبيا الخلافة الفاضلة وواقع الديمقراطية : ما هي مسؤولية الخطاب السلفي ؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.