كيف تجند السعودية الإعلام والوهابية لسياساتها الخارجية ؟

منذ اندلاع العدوان العسكري السعودي على اليمن، الذي سماه آل سعود “عاصفة الحزم” تيمنا بالعملية العسكرية الأمريكية ضد العراق عام 1991 والتي سميت آنذاك “عاصفة الصحراء”، حتى بدأت الآلة الدعاية الإعلامية-السلفية السعودية في عملها لتبرير حربها ضد أفقر وأضعف البلدان العربية رغم أنها تقع بين أغنى مشيخات النفط “الشقيقة”. وكسائر الحروب المعاصرة تلعب وسائل الإعلام حجر الأساس لتبرير العملية العسكرية وحشد الرأي العام المحلي والدولي لصالحها. لكن المملكة السعودية تتوفر على وسيلة أخرى للدعاية وهي الإيديولوجية السلفية-الوهابية (السنية) التي تغلغت في سائر البلاد العربية والإسلامية عن طريق الدعاة السلفيين الوهابيين الذين يغزون الفضاء الإعلامي العربي.

ففي مجال الإعلام التلفزيوني أعتمدت المملكة السعودية على قنواتها الإخبارية المتعددة لإقناع الجماهير بجدوى حربها على اليمن وبالخصوص قناة “العربية” التي تعد الناطق الإعلامي الرسمي لآل سعود والمدافع الشرس عن السياسات الأمريكية في المنطقة. واعتماد السعوديين على البروباغندا لأقناع الجماهير والتاثير على الحكومات العربية والإسلامية (خصوصا مصر وباكستان) لجلبها لصفها في حربها سببه عدم امتلاك المملكة لجيش قادر على خوض حرب تقليدية برية في اليمن رغم صفقات السلاح الهائلة التي تعقدها سنويا مع الولايات المتحدة. والحقيقة أن عدم امتلاك السعودية لجيش وطني قوي كسائر البلدان يعود لخوف الأسرة المالكة من تنامي قوة هذا الجيش وتهديده لعرشها. ولهذا تمتلك السعودية ميليشيا موازية تسمى “الحرس الوطني”، وهو أكثر كفاءة ويتكون خصوصا من أفراد القبائل المقربة من آل سعود، ومهمته الأساسية هي حماية الأسرة المالكة من الأخطار الداخلية كالإنقلابات العسكرية و الجماعات المقربة من القاعدة. وبسبب عدم كفاءة الجيش السعودي لجأت المملكة لمحاولة “كراء” الجيشين المصري والباكستاني للتدخل بريا في اليمن لكن طلبها قوبل بالرفض إلى الآن على الرغم من وعود ببلايين الدولارات ولا زالت مصر وباكستان ترفضان الزج بجيشهما في الحرب.

واعتماد السعودية على الإعلام والإيديولوجية الوهابية كأدوات في سياساتها الخارجية ليس جديد، فمنذ سنوات الخمسينات بدأ آل سعود في تمويل الصحف اللبنانية ثم استقبلوا في لندن جيشا من الصحفيين اللبنانيين الفارين من الحرب الأهلية في منتصف السبعينات من القرن الماضي وتم توظيفهم في المؤسسات الإعلامية التابعة لآل سعود في الخارج. وبعد إنشاء مجموعة MBC في عام 1991 سيطر آل سعود كليا على المشهد التلفزيوني و الرأي العام العربيين بالإعتماد على الصحفيين اللبنانيين المارونيين. وبعد دخول قناة الجزيرة القطرية سنة 1996، التي اعتمدت على صحفيين من أصول فلسطينية وأردنية ومغاربية، كمنافس للآلة الإعلامية السعودية في العالم العربي ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أدرك آل سعود ضرورة إنشاء قناة إخبارية عربية أكثر احترافية لمكافحة النفوذ القطري المتنامي في الرأي العام العربي. وهكذا تم إنشاء قناة “العربية” الإخبارية بالإعتماد كالعادة على اللوبي اللبناني المسيحي المحافظ للتسويق لوجهة النظر السعودية الموالية للسياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

ولطالما مزج آل سعود وظائف الإعلام التقليدية بالرسالة الوهابية للتصدي لخصومهم في البلاد العربية بدءا بالقوميين الناصريين والبعثيين بالإعتماد على شيوخ التيار السلفي-الوهابي الذين استغلوا الطابع اللائكي والجذور المسيحية لهذا التيار لنزع الشرعية عنه في أوساط الجماهير الإسلامية. وقد يبدوا متناقضا دعم المملكة السعودية لحركة الإخوان المسلمين في الستينات من القرن الماضي لإضعاف عدوها القومي جمال عبد الناصر رغم الإختلاف الإيديولوجي بين هذه الحركة ومبادئ الوهابية، لكن ذلك يفسر بالتقاء مصالح التياران. لكن الوهابيين وآل سعود انقلبوا جذريا على الإخوان، أعدائهم السنة، منذ اندلاع ما يسمى “الربيع العربي” ودعموا الإنقلاب العسكري ضدهم في مصر ومنعوهم من الوصول للسلطة في اليمن، ثم أدرجوهم في قائمة الإرهاب خوفا من وصول عدوى الحراك السياسي للمملكة السعودية التي تدين بالوهابية المنادية بالطاعة المطلقة لأسرة آل سعود وتحريم التظاهر والإنتخاب.

ولعل الحرب الحالية ضد اليمن قد كشفت للجميع وظيفة المؤسسة الإعلامية-الدينية السعودية وقد شاءت الأقدار أن تتحالف مع منافستها قطر وجزيرتها لتكوين حلف إعلامي- إيديولوجي-وهابي لشرعنة الحرب سياسيا ودينيا. ففي وسائل الإعلام التلفزيونية تمتنع قنوات “الجزيرة” و”العربية” تماما عن تقديم صور للقتلى المدنيين أو لحجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية في اليمن رغم أن الأمم المتحدة تحدثت عن آلاف القتلى والجرحى المدنيين. وهي إذ تسوق “للحرب النظيفة” فإنها تستلهم هذه الصيغة الجديدة من البروباغندا الإعلامية من الحروب الإسرائيلية في جنوب لبنان وغزة والتي لا تخلف، حسب الروايات الإسرائيلية، سوى القتلى العسكريين وأن الضحايا المدنيين كانوا مجرد ذروع بشرية يستخدمها خصومها للإحتماء من الضربات الجوية. وتكتفي “الجزيرة” و”العربية” على حد سواء ببث تصريحات الناطق الرسمي السعودي باسم “عاصفة الحزم” في مؤتمره اليومي حول مجريات عمليات القصف بدون أدنى إشارة للضحايا المدنيين ولمعاناة مئات الآلاف من اللاجئين المشردين.

أما مشايخ الوهابية، وهم في الحقيقة صحفيون مختصون في الدعاية السياسية-الدينية، فقد تهافتوا على القنوات التلفزيونية ووسائل التواصل الإجتماعي لتكفير أنصار الرئيس اليمني السابق وحلفائه الحوثيين وتأجيج الحرب الطائفية التي طالما استخدمها وهابيو آل سعود لحشد أنصارهم السلفيين في العالم لإظهار آل سعود كزعماء للسنة والعرب ضد الشيعة والفرس. فهذا الوهابي الدعائي عبد العزيز الطريفي يتهم الحوثيين، كما اتهم من قبل شيعة العراق وسوريا، بعبادة الأوثان (وكفرهم إذا) لتبرير الحرب فيتوجه لجمهوره السلفي داعيا ” اللهم نصرك على أهل الأوثان وعبّاد القبور حوثية اليمن ونصيرية الشام واثني عشرية العراق “.  

أما الشيخ الصحفي السلفي محمد العريفي فيدعوا لطاعة آل سعود والدعاء لهم بالنصر ضد اليمنيين كما يتهم الإعلاميين الذين لا يتبنون الرواية الرسمية بأنهم “شياطين” . وأيد من جهتهم خطباء الحرم المكي الوهابيين الحملة العسكرية مستغلين مشاعر المسلمين اتجاه البقاع المقدسة لحشدهم ضد ابناء الشعب اليمني بتهمة الكفر والتقارب مع إيران.


وقد نجح أل سعود وشيوخ الوهابية لحد بعيد في حشد السلفيين الأجانب لصالح الحرب وتبريرها “حسب فهمهم للسلف” إذ أن الإيديولوجية الوهابية-السعودية، التي أسميها “السعوهابية”، هي خليط من الدين حسب فهم محمد عبد الوهاب ومشايخ آل سعود الذين توارثوا إيديولوجيته والمواقف السياسية للأسرة المالكة. ولا ريب إن وجدت جماهير السلفيين في العالم يتبعون الرأي السياسي لشيوخهم “الربانيين” ويدعمون الحرب. وقد تناقشت مع إحدى السلفيين الجزائريين وسألته لماذا يساند الملك السعودي في حربه ضد اليمن فقال لي أنه ينبغي محاربة الشيعة الكفار وإطاعة ولي الأمر (أي الملك السعودي) الذي أمر بالحرب. ولما قلت له بأن النظام في الجزائر لم يساند الحملة العسكرية وأنه دعا للحوار بين اليمنيين فلماذا لم تطع “ولي أمرك” في الجزائر وأطعت ولي أمر السعوديين ؟ فلم يجد السلفي-الوهابي الجزائري من رد إلا السكوت. والحقيقة أن السلفي أينما كان يتبع فتاوى شيوخ الوهابية السعوديين والآراء السياسية لآل سعود قبل ولي امره “المحلي”. وإذا تمكن الوهابيون السعوديون ووسائل إعلامهم من حشد أتباعهم السلفيين في سوريا و العراق ضد “الأنظمة الكافرة ” ومولوهم وسلحوهم بالتعاون مع الولايات المتحدة، أليس من حقنا التساؤل عن خطر هذا التيار على الوطن لو توترت العلاقات السياسية بين الجزائر والسعودية ونادى مشايخ الوهابية كعادتهم تلاميذهم السلفيين المحليين “بالجهاد” ضد بني جلدتهم غير التابعين لآل سعود؟

الجزائر نت

9 رأي حول “كيف تجند السعودية الإعلام والوهابية لسياساتها الخارجية ؟”

  1. انا لا افهم في الفتنة التي تروجون لها ما اريد قوله انك عالجت الموضوع بنظرة عقائدية وتريد الترويج لصراع بين الوهابية والشيعية لذا انا كمسلم كمسلم لا يهمني غباء افكارك ولا تطرفك و علمني ديني انه اذا اقتتلت طائفتان من المسلمين قاصلحوا هذا اول امر انتم تروجون للفتنة هداكم الله

    1. أهلا يا رمضان،
      أنا لا أفهم لماذا تتهمني بأنني أريد فتنة بين السنة والشيعة، بل أريد العكس وهذا دليل على أنك لم تقرأ المقال. أنا لست مختصا في الدين لأعالج الإختلاف الشيعي السني عقائديا، بالعكس. أنا تطرقت للجانب السياسي للتيار السلفي الوهابي الذي تديره السعودية وخطره على التعايش بين المسلمين بمختلف أطيافهم. انتقاد المواقف السياسية آل سعود لا يمس الدين. أم إن كنت تعتقد أن ملوك آل سعود يمثلون المسلمين فتلك طامة كبرى.
      على أية حال أعتقد أننا متفقون على ضرورة التعايش بين جميع المسلمين، سنة وشيعة وإباضية وصوفية … وهذا ما يرفضه الوهابيون والدواعش والقاعدة، أليس كذلك؟

      1. الجزائر نت :
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..في البداية اشكر لك اخي الكريم اهتمامك بالوضع اليمني الذي تحالفت له قوى الشر والشيطنة ،، وقد قال رسولنا الكريم : ( من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم ) لذلك فمقالك هذا وضع البلسم على الجرح الغائر .. وبين كنه هذا العدوان الوهابي على اليمن الميمون ..هذا العدوان الذي حاول فاسلا أن يوظف الدين في سبيل تبرير العدوان الذي يهدف لمطامع سياسية واقتصادية استراتيجية على مستوى المنطقة واليمن خصوصا .. ولم تعد خافية هذه المطامع التي يسيل لها اللعاب الصهيوني والامريكي بالفم السعودي .. لذا فأستئذنك أخي الكريم : الجزائر نت أن أنشر مقالك الرائع هذا في إحدى مجلاتنا الإعلامية في صنعاء اليمن .. هذا المقال الذي يمثل الصوت العربي الحر الحقيقي .. والسلام عليمن

        1. أهلا وسهلا الأخ عبدالرحمن،
          أعتذر مسبقا عن الرد المتأخر و بالطبع بإمكانكم نسخ وإعادة نشر المقال بكل حرية بشرط أن تنوهوا في موقع “مصدر المقال وهو الجزائر.نت”. نحن نقف معكم في محنتكم وندين بشدة الحل العسكري الذي تتبناه السعودية في اليمن الشقيق. تحياتنا.

  2. بالعكس الكاتب قاعد يسلط الضوء على من مثيري الفتن. الفتنه تجدها بقنوات ال سلول من العبرية وتوابعها
    للامانه صدقت بكل كلمة قلتها لا نقول الا حسبنا بالله هو المنتقم من هؤلاء الخونه الذي يبدو انهم
    لم يشبعوا بعد من الدماء العربية .وابواقهم المؤجورة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.