لماذا دفع الوهابيون-السعوديون الجزية لترامب وهم صاغرون ؟

ترامب يرقص مع الملك السعودي كما رقص جورج بوش قبله

المتتبعون لشؤون العالم العربي أصيبوا بالذهول لحجم الجزية التي دفعها مؤخرا ملوك وأمراء الوهابية-السعودية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقابل تعهده بمواصلة بحماية عرش هؤلاء الصعاليك الذين يتحكمون في بلاد الحجاز منذ عقود طويلة. سياسة النفط والمال لأمريكا مقابل الحماية ليست جديدة بل تمتد جذورها لاتفاقية كوينسي 1945 التي جمعت مؤسس المملكة  الوهابية-السعودية الثالثة عبد الله بن عبد العزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت التي أسست للعلاقات بين المملكة وأمريكا : حماية العرش (من الخطر الداخلي أو الخارجي) مقابل النفط الرخيص. ومنذ ذلك الحين، لم يقتصر دور ملوك الوهابية-السعودية على تقاسم “غنائم النفط” مع الأمريكان ورمي الفتات لشعب الحجاز، بل تعداه للتدخل في شؤون الدول العربية التي لا تخدم المصالح الأمريكية الإسرائيلية ودعم جميع الحملات العسكرية الغربية في المنطقة. لماذا؟ لأن محاولة أي دولة عربية التخلص من الهيمنة الغربية في المنطقة يشكل تهديدا لحكم آل سعود الأوتقراطي الإستبدادي الذي يسعى لتزعم العرب والمسلمين وضمان

الرئيس فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود على متن طراد كوينسي(1945).

استمرار “الملكية الوراثية الوهابية” كنظام حكم أفضل للعرب (الذين لا تلائمهم الديمقراطية). وكأن المملكة قطعت عهدا على نفسها يتمثل في ردع أي نظام عربي لا يخضع للعباءة الأمريكية ضمانا لمصالح القوى الغربية من جهة، وحماية لنظام آل سعود الديني الوراثي من أي منافس على الزعامة في العالمين العربي والإسلامي من جهة أخرى.

الملكية الدينية المطلقة لقمع الداخل وخدمة الخارج 

فعلى الصعيد الداخلي، وبالإضافة لقمع وسجن وتقطيع رؤوس المعارضين على الطريقة الداعشية، يستمد النظام السعودي-الوهابي شرعيته من الإيديولوجية الوهابية التي تفرض على الرعية خضوعا تاما للملوك والمشايخ المتوارثين للحكم والثروة باعتباره ركنا من الدين (حسب تعاليم الوهابية) وسبيلا لنيل مرضاة الله. ولذلك يحرم الوهابيون الإنتخاب والديمقراطية والتعددية التي تهدد بدون شك سلطتهم وثروتهم. ويحرص هؤلاء على تطبيق الحدود على الضعفاء من الشعب والأجانب العرب والبنغاليين لمخادعة الناس وإيهامهم بأن النظام يطبق فعلا الشريعة وينبغي الخضوع له. والكل يعلم أن الأمراء والأجانب الغربيين يفلتون من العقاب ناهيك عن صمت المؤسسة الدينية في البلاد إزاء أعمال النهب والسلب التي يقترفها الأمراء وبذخهم وتضييعهم للمال العام في الملاهي الأوروربية والآسياوية. أما على الصعيد الخارجي، فيعتمد الأمراء الوهابيون-السعوديون على الثروة النفطية لخدمة إقتصاد الدول الغربية التي تضمن حمايتهم (من شعبهم أولا) والإغداق عليهم بالعطايا والتبرعات وصفقات الأسلحة والرشاوى حتى ترضى عنهم القوي الغربية.

الشيخ الوهابي العريفي يدعو أتباعه للإصطفاف وراء الملك السعودي وضيفة دونالد ترامب

الشر الذي يتجاوز الحدود

قد يتساءل أحدهم، أوليس من حق المملكة السعودية التحالف مع من تريد ؟ والإجابة بنعم. لكن التحالف لتبادل المصالح وليس لشراء الحماية من الشعب. وقد يقول آخر، ألا تفعل الدول العربية الأخرى نفس الشيء؟ والإجابة بنعم أيضا. كل الأنظمة العربية ديكتاتورية فاشية باستثناء تونس و بقدر أقل التجربة اللبنانية. لكن شر هذه الأنظمة العربية الإستبدادية لا يتجاوز في أغلب الأحيان حدودها وليس لها أي تأثير في محيطها، لذلك فهي غير قادرة على منع أي تحول ديمقراطي في البلدان الأخرى. أما شر النظام السعودي-الوهابي فلا يقتصر على شعب نجد والحجاز، بل هو عابر للحدود بسبب حرصه على نشر الإيديولوجية الوهابية لوأد أي أمل في نهضة الشعوب العربية والإسلامية وأي تحول لأنظمتها الديكتاتورية للديمقراطية باعتبارها حرام لا تجوز بينما الحكم الوراثي الإستبدادي حلال وجب الخضوع له.

بالله عليكم، من بإمكانه نفي الحقيقة الساطعة بأن أي زعزعة استقرار أي نظام عربي استبدادي سيفتح المجال للحركات السلفية الجهادية التي تسعى للسلطة على الحكم – على الطريقة الوهابية-السعودية – كما حدث في جزائر التسعينات وحديثا في سوريا وليبيا، الخ. الإيديولوجية الوهابية التي تصدرها مملكة آل سعود، وإن مكّنت هؤلاء على الصعيد الداخلي من إخضاع شعب الحجاز للحكم الوراثي الإستبدادي، فإنها تقف حجر عثر أمام أي تحول ثقافي وسياسي عربي نحو الديمقراطية والتعددية عبر إقصاء أي مشروع تقدمي.

ألم يعارض الوهابيون-السعوديون الثورة المصرية ودعموا العسكر للاستيلاء مجددا على مقاليد الحكم ليس كرها في الإخوان المسلمين (منافسيهم على الساحة الإيديولوجية) فحسب، وإنما خوفا من انتشار عدوى التحرر والديمقراطية في المنطقة  التي تهدد بدون شك حكمهم ومصالح القوى الغربية التي تحميهم. ألا يذكر القارئ وقوف النظام السعودي-الوهابي سابقا ضد الأنظمة العربية التقدمية في مصر جمال عبد الناصر وعراق صدام وغيرهم ؟ في تلك الحقبة أستعمل الوهابيون-السعوديون حجة دينية لخداع الشعب مفادها أن هؤلاء كفار بعثيين وجبت إزالتهم ولذلك وفروا كل الدعم للجيوش الأمريكية التي استقرت في الخليج لتدمير أي نظام عربي لا يخدمهم أو يهدد حليفهم الحقيقي الوحيد في المنطقة (إسرائيل)؟

موضة الخطاب الطائفي 

ألم يستعمل آل سعود الفزاعة الشيعية الإيرانية لمواصلة تضليل الرأي الداخلي وإبعاده أنظاره عن مشاكله الداخلية وثنيه عن أي محاولة لتغيير النظام الوهابي الوراثي ؟ ألم يغرر هؤلاء بصدام  حسين وساندوه في الحرب على إيران في الثمانينات ثم استضافوا المارينز ودمروا العراق بعد ذلك ؟ ألم يدعم الوهابيون-السعوديون الديكتاتور اليمني علي عبد الله صالح لعقود خوفا من صعود نجم الإخوان المسلمين والحوثيين في البلد قبل أن ينقلبوا عليه ويدمروا اليمن، ولا يزالون، مستعملين هذه المرة الفزاعة الشيعية-الإيرانية ؟ لم ينتظر الوهابيون-السعوديون أبدا المأساة السورية ولا الليبية ولا اليمنية لاستعمال الخطاب الطائفي لتبرير جزيتهم لترامب ونيتهم في إلهاء الرأي الداخلي وثنيه عن أي محاولة للتغيير. فقبل ذلك كما أسلفنا اعتبروا القوميين العرب كفارا والإخوان المسلمين مبتدعة والتقدميين والديمقراطيين العرب خارجين عن الملة متشبهين بالغرب (الذي يحمي عروشهم !). والخطاب الطائفي ضد الشيعة ما هو إلا فزاعة إيديولوجية جديدة لإلهاء الرأي الداخلي وربح بعض الوقت قبل أن يجرفهم سيل التغيير، وهو قادم لا محالة، سواء دفعوا الجزية أم لم يدفعوها.

وبصراحة، الجزية مفروضة على أي نظام عربي اختار استمداد مشروعيته من الخارج وليس من الداخل وهي ليست حكرا على النظام السعودي-الوهابي. لكن حجم عمالة ومكر هذا النظام فاق كل الحدود فضلا عن نشره للتطرف في العالمين العربي والإسلامي وتدميره لإسلام الأنوار وتشويهه لصورة الإنسان العربي والمسلم في العالم بإظهاره بمظهر “الإسلاماوي المتزمت، المتشدد، الذكوري، المرتشي، المستبد، المتاجر بالدين، الخاضع لسيده الأمريكي، السارق للنفط، الكابت للحريات، القاهر للنساء والأقليات، الفاجر في ملاهي الغرب والظاهر بمظهر المتدين التقي في بلده خداعا لنفسه ولشعبه، الخ”. مساوئ هذا النظام الفاشي تتعدى حدود نجد والحجاز وحجم الجزية التي دفعوها لترامب فاقت كل التوقعات (تتجاوز 400 مليار دولار) وهي كافية لتطوير قارة بأكملها، فهنيئا للأمريكان.

ما نقله ترامب قبل وصوله للحكم يعبر عن نظرة دونية لأل سعود : “السعودية لا شيء سوى أبواق متحرشين وجبناء لديهم المال ولا يملكون الشجاعة”. 

هل يعقل أن يدفع الوهابيون-السعوديون كل هذه الأموال لترامب الذي يحتقرهم ويعادي المسلمين بينما الآلاف في اليمن المجاور لهم يموتون جوعا ومرضا؟ أليس ذلك من يدفع بالشباب للإرتماء في أحضان الجماعات الإرهابية في محاولة يائسة لاسترداد شيئا من الكرامة ؟ لماذا يتظاهر إذا الوهابيون-السعوديون أمام ترامب بنيتهم محاربة الإرهاب إذا كانوا هم سبب الإرهاب أولا باستبدادهم ودفعهم للجزية لمن يحميهم من شعوبهم، وثانيا بنشرهم في كافة أنحاء العالم للفكر الوهابي المتطرف الذي يغلق الطريق أمام أي ثورة ثقافية وسياسية تحررية تعددية في العالم العربي؟  

وفي الختام، أي نظام سياسي لا بد وأن يدفع الجزية لضمان استمراره في الحكم. فإما أن يدفعها لشعبه الذي انتخبه، كما هو الحال بالنسبة للأنظمة الديمقراطية التي تتفانى في خدمة شعوبها، وإما أن يدفع لسيده الذي يحميه من الخارج كما هو الحال بالنسبة للأنظمة العربية الرجعية. لكن سيل التغيير الجارف قادم لمحالة عندما تفرغ خزائن أي الديكتاتور ويعجز عن دفع جزيته وهذا ما تعلمه الأسرة السعودية المالكة بدون شك. هذه مسألة وقت لا غير والسؤال الذي يطرح نفسه عندئد : هل سيدخل شعب نجد والحجاز – الذي رضع حليب الإيديولوجية الوهابية الإقصائية منذ قرون- في حرب دينية واقتتال على السلطة كما فعل الوهابيون الأوائل للسيطرة على البقاع المقدسة ؟ هذا ما يصبوا إليه النظام السعودي الحاكم بنشر الإيديولوجية الوهابية في الداخل والخارج التي تمنع أي تحول ديمقراطي أو تداول سلمي للسلطة وتجعل احتمال إقصائه من الحكم فرضية غير محمودة العواقب.

الجزائر نت

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.