ما حقيقة الحلف السعودي ’’الإسلامي‘‘ ضد الإرهاب ؟

ولي ولي العهد السعودي وهو يعلن عن تشكيل تحالف إسلامي بقيادة سعودية ضد الإرهاب
ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وهو يعلن عن تشكيل تحالف إسلامي بقيادة سعودية ضد الإرهاب

أعلنت المملكة العربية السعودية في الأسابيع الأخيرة عن حلف يضم 34 دولة تعتبرها “إسلامية” ضد الإرهاب وهو في الحقيقة تحالف لسد الطريق أمام تنظيم “داعش”، التنظيم الذي استولى في الأعوام الأخيرة على أجزاء واسعة من العراق وسوريا ويتمدد في اليمن ومصر وليبيا. جاء الإعلان عن هذا الحلف الجديد بالموازاة مع إعلان فاعلين آخرين من الدول الغربية، كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، والإقليمية، كالعراق وسوريا وإيران، بالإضافة لروسيا عن مزيد من التعاون في هذا المجال. كل هؤلاء أعلنوا الحرب ضد ما يسمى “الإرهاب”. وتصنيف الأطراف المتنافسة في الشرق الأوسط للمجموعات الإرهابية يختلف حسب مصالحها في المنطقة. فالنظام السوري وحلفائه يعتبرون تنظيم الدولة وجبهة النصرة (ذراع القاعدة في سوريا) وعشرات الجماعات المسلحة الأخرى منظمات إرهابية. بينما ترى السعودية وحلفائها أن تنظيم الدولة هو الخطر الداهم الأكبر رغم أنه يؤدي دورا أساسيا في الحرب ضد أعدائها في سوريا : نظام الأسد وإيران وحزب الله اللبناني. فما الذي دفع بالأسرة الحاكمة في السعودية إلى الإعلان عن حلفها “الإسلامي” ضد الإرهاب ؟ ولماذا لم يضم هذا الحلف دولا محورية كسوريا و العراق وإيران؟

الإعلان السعودي جاء في الوقت الذي تكثف فيه روسيا من جهودها العسكرية لمساعدة قوات الأسد لاستعادة زمام المبادرة في الحرب الأهلية التي تعصف بهذا البلد منذ 5 سنوات والتي أدت إلى صعود نجم المتطرفين الجهاديين وسيطرتهم على مفاصل المعارضة السورية وتحويلهم للصراع الدائر هناك إلى حرب مذهبية طائفية تكرس التنافس الإيراني-الشيعي السعودي-الوهابي على الزعامة في العالم الاسلامي. لكن “داعش”، وهو تنظيم سلفي-جهادي، كسب معركة القلوب والعقول وفرض نفسه في أوساط السلفية الجهادية كفاعل سني قوي في العراق وسوريا يمكن أن يهدد شرعية المملكة السعودية القائمة على زعامة السنة في العالم باعتبارها أرض الحرمين والدولة السنية الوحيدة التي تطبق الإسلام، حسب فهم التيار السعودي-الوهابي للشريعة.

الوهابية والليبرالية كأدوات للسياسات الداخلية والخارجية

من المعلوم أن شرعية النظام الحاكم في الرياض مبني على تطبيق العائلة المالكة الصارم لتعاليم الوهابية، وهي تيار سني ينشد العودة “للإسلام الصافي النقي” حسب فهم السلف للشريعة وضع أركانه الشيخ محمد عبد الوهاب في القرن الثامن عشر في الجزيرة العربية بالتعاون مع محمد بن سعود كحجر أساس للدولة السعودية الأولى عام 1744. ولا تختلف إيديولوجية الدولة السعودية الحديثة، التي أسسها عبد العزيز بن سعود في أوائل القرن العشرين بدعم بريطاني على أنقاض الخلافة العثمانية، عن الأفكار ألأولى للوهابية-السعودية باعتبارها حركة دعوية سلفية (غطاء إيديولوجي) من جهة، وحكم ملكي مطلق (نظام سياسي) يتوارث فيه آل سعود المناصب السياسية وآل الشيخ (محمد عبد الوهاب) المناصب الدينية من جهة أخرى. ويبرر النظام السعودي-الوهابي (بشقيه السياسي والديني) مشروعيته عند جمهور المسلمين باعتباره خادم وحيد للأماكن المقدسة وحامي الشريعة الإسلامية (السنية) عن طريق مئات من الدعاة والمشايخ. ويتوفر رجال الدين الموالون للسلطة على أفضل المنابر الإعلامية في العالم الإسلامي للدفاع عن الدعوة الوهابية النجدية باعتبارها “الإسلام الصحيح” والنظام الحاكم باعتباره “حتمية دينية” لا يجوز الخروج عنه أو انتقاده أو حتى التفكير في إصلاحه “ما لم يعلن كفر بواح ويمنع الصلاة”، وهذا بالطبع لن يحدث مما يضمن استمرار الحكم الوراثي تحت غطاء ديني.

أما على الجبهة الخارجية، أي على الساحة الدولية، فيعتمد النظام السعودي-الوهابي المعاصر على علاقاته الوثيقة بالمعسكر الغربي الليبرالي منذ نشأته وتحالفه التاريخي مع الولايات المتحدة منذ اتفاقية كوينسي (1945) الشهيرة (النفط مقابل الحماية) التي تربط مصير العائلة السعودية المالكية والمشايخ الوهابيين المتحالفين معهم بأكبر قوة عسكرية وسياسية في التاريخ الحديث. ورغم التناقض الصارخ بين الخطاب السعودي-الوهابي المحافظ المعادي للحداثة الموجه لجمهور المسلمين داخل وخارج حدود المملكة، والسياسة الخارجية الموالية للمعسكر الليبرالي الأنجلوساكسوني ، فإن المملكة لا تزال تدير بشكل بارع الحرب الإيديولوجية على المستويين الداخلي والخارجي للحفاظ على النظام السياسي-الديني القائم.

فيديو دعائي يتعرض لاتفاقية كوينسي
لقطة من فيديو دعائي لتنظيم داعش الإرهابي يتعرض لاتفاقية كوينسي بين بن سعود وفرانكلين روزفلت عام 1945

غيرة المملكة السعودية من “دولة الخلافة” الفتية

لكن إعلان أبو بكر بكر البغدادي في شهر جوان/حزيران 2014 عن قيام دولة “الخلافة الإسلامية” دق ناقوس الخطر في الرياض باعتبار أن هذه الخطوة هي تهديد واضح لأركان الدولة السعودية التي تحتكر “التراث الوهابي” الذي يشكل حجر الأساس للنظام القائم في الجزيرة العربية منذ الدولة السعودية الأولى. تنظيم “الدولة الإسلامية” لا ينتقد الإيديولوجية الوهابية التي تقوم عليها المملكة كما يفعل خصوم آل سعود، لا، بل يستولي عليها و “يصفيها” من الشوائب التي علقت بها على مر السنين، وهنا مكمن الخطر بالنسبة للنظام السعودي. فتنظيم الدولة الإسلامية لا يعترف بالنظام السعودي الحالي ولا بمشايخه وعلمائه ويعتبره “خائنا” للدعوة الوهابية النجدية الأصلية بسبب ارتمائه في أحضان المعسكر الغربي وخدمته لمصالح “أعداء الإسلام” حسب اعتقاده.

دعونا نعود للعلاقات الوثيقة بين النظام السعودي والمجاهدين العرب الأفغان إبان الحرب السوفيتية-الأفغانية (1979-1989)، فقد قاد النظام السعودي بشقيه السياسي والديني بالتعاون مع الولايات المتحدة – في إطار الحرب الباردة – “الجهاد” ضد السوفييت “الملاحدة”. وقام أسامة بن لادن، بدعم من العائلة المالكة وعلمائها الرسميين، بدور مهم في قيادة الجهاديين العرب وتمويلهم إبان الحرب. وبعد انتهاء الحرب عاد أسامة إلى بلاده وبدأ في انتقاد سياسيات العائلة المالكة، لا سيما بعد إفتاء علماء البلاط بجواز الإستعانة بالجنود الأمريكان واستضافتهم في أرض الحرمين لشن الحرب ضد قوات صدام حسين التي غزت الكويت. ومنذ ذلك الحين أصبح بن لادن، زعيم القاعدة التي تأسست في أفغانستان في أواخر الثمانيات، خصما لآل سعود ولعلمائهم. كذلك يفعل “تنظيم الدولة الإسلامية”، وهو وريث تنظيم القاعدة، فلا يعترف ليس بشرعية النظام السعودي فحسب، بل بجميع الأنظمة العربية.

فيديو دعائي لتنظيم الدولة 36
لقطة من فيديو دعائي لتنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي – يظهر فيه الملك فيصل والرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون – ينتقد فيه النظام السعودي ويندد بتحالفه التاريخي مع الأمريكان

لكن خطره الإيديولوجي تضاعف بعدما أعلن الخلافة الإسلامية عام 2014 في تحد واضح لزعامة تنظيم القاعدة للتيار السلفي الجهادي من جهة، ومن جهة أخرى للنظام الملكي السعودي الذي يتزعم ويستغل التيار السلفي-الوهابي للحفاظ على الحكم كما أسلفنا الذكر. هناك إذا ما يشبه “غيرة” سعودية من تنظيم الدولة الإسلامية الذي يتبنى الرسالة الوهابية الأصلية ولا يأبه – كما يفعل آل سعود – لمقتضيات العصر وما تمليه من تنازلات سياسية لصالح القوى الغربية.

الحلف “الإسلامي” السعودي يواجه مشروع الخلافة

إعلان المملكة السعودية على لسان ولي ولي العهد عن تكوين حلف إسلامي (سني) تحت قيادة سعودية ليس ضد الإرهاب بمفهومه الشائع، كما يبدو للمتتبع للشأن السعودي، وإنما ضد القوى الجهادية التي تسعى لإحياء “مشروع الخلافة” الذي يقوده تنظيم الدولة في أيامنا هذه. فمفهوم الإرهاب غير واضح المعالم ويتغير بتغير الظروف ومصالح الدول : فالمجاهدين العرب الأفغان الذين أسسوا تنظيم القاعدة في أواخر الثمانينات كانوا “ثوار حرية” بالنسبة للقوى الغربية المعادية للسوفييت قبل أن يتحولوا لإرهابيين عندما وجهت القاعدة بنادقها ضد المصالح السعودية والغربية. وتنظيم “الدولة الإسلامية” لم يتعرض له أحد عندما كان يقترف المجازر ضد الأقليات الدينية والعرقية في العراق منذ 2006 ويفجر يوميا الشوارع والأسواق باعتباره سد منيعا أمام النفوذ الإيراني المتزايد في البلاد، لكنه أضحى “إرهابيا” عندما أعلن خلافته المزعومة وأصبح يهدد الدول العربية “السنية”.

وحسب اعتقادنا فإن القرار السعودي بإنشاء وتزعم حلف إسلامي ضد الإرهاب يمكن قراءته من زوايا متعددة : أولا، أن هذا التحالف النظري في الوقت الراهن هو بمثابة رد على الأصوات المتزايدة في الدول الغربية بشأن مسؤولية المملكة السعودية عن انتشار التيار الجهادي بسبب تطابق الإيديولوجية الوهابية-السعودية الرسمية مع إيديولوجية “داعش” ، على الأقل من الناحية النظرية، إضافة لغض السلطات الطرف عن الأثرياء السعوديين الذين يتبرعون بالأموال للتنظيمات الجهادية المختلفة في سوريا والعراق. ثانيا، محاولة إثبات الدور السعودي الضروري في إطار ما يسمى “الحرب على الإرهاب” بالنظر لتزعم المملكة للتيار السني في العالم وخشيتها من تقارب غربي أكبر مع إيران، غريمها الشيعي، في إطار الحرب الشاملة ضد التطرف والإرهاب. ثالثا، إيصال رسالة قوية لتنظيم الدولة الإسلامية لثنيه عن استهداف المملكة ونظامها الديني-السياسي وحثه على توجيه سهامه نحو أعداء السعودية في المنطقة (طهران، بغداد، دمشق). وبغض النظر عن جدوى الحلف “الإسلامي” السعودي ضد الإرهاب، والذي لا يضم العراق وسوريا وإيران والجزائر لأسباب سياسية معروفة، وهي دول محورية في الحرب ضد الإرهاب، فإن سلطات الرياض لا تنوي القضاء فعلا على من يحارب أعدائها في دمشق وبغداد وإنما تريد تقليص خطرهم والاحتماء من عدوى “الخلافة” التي ينشرها تنظيم الدولة والتي تلقى ترحيبا شعبيا متزايدا في الأوساط السنية ليس في العراق وسوريا فحسب وإنما على أراضي المملكة نفسها، وهذا الخطر الداخلي يشكل أكبر تحد لنظام الحكم السعودي-الوهابي الحالي في الجزيرة العربية. ونحن ننتهي من كتابة مقالنا هذا، خرج علينا اليوم أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم “داعش” الإرهابي، منددا في خطاب صوتي بالحلف السعودي الجديد ضد الإرهاب ومعترفا بأن دولته هي المستهدفة من وراء هذا القرار … وللحديث بقية.

الجزائر نت

 


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.