هَل سَينْجح حرَاك 2019 في تَحقيق ما فَشل فيه حرَاك 1988؟

ربما لا يتذكر البعض أن مطالب شباب الثمانيات الذي خرج للشوارع في مظاهرات 5 أكتوبر 1988 هي نفس مطالب شباب الحراك الشعبي اليوم : الحرية والديمقراطية في ظل دولة القانون. فهل لجيل اليوم فرصة أفضل لتحقيق هذا المطلب الشعبي؟

مظاهرات 15 مارس في الجزائر العاصمة - صورة رياض ق - أ ف ب
مظاهرات 15 مارس 2019 في الجزائر العاصمة – صورة رياض ق – أ ف ب

 إنجازات حراك 5 أكتوبر 1988

كان لانهيار أسعار المحروقات وتردي الأوضاع الإقتصادية و الاجتماعية الدور الأكبر في إشعال شرارة الإحتجاجات التي راح ضحيتها المئات. سقف المطالب ارتفع و أجبر النظام على فتح المجال أمام التعددية السياسية وحرية الإعلام في تجربة نادرة في العالم العربي. لكن اكتساح الإسلاميين للساحة السياسية وفوزهم بالإنتخابات التشريعية دفع المؤسسة العسكرية لإلغاء المسار الإنتخابي قبل أن تغرق البلاد في حرب أهلية راح ضحيتها مئات الآلاف من الجزائريين بين قتيل ومفقود. جيل الثمانيات لم يفشل تماما بل ترك لنا هامشا من حرية الإعلام خصوصا فيما يتعلق بالصحافة المكتوبة. لكن النظام تأقلم مع الوضع الجديد. فالبرغم من التعددية الحزبية وحرية الإعلام المكتوب النسبية إلا أنه تمكن من البقاء وراء الستار عبر إجراء انتخابات شكلية. ولعل مجيء عبد العزيز بوتفليقة عام 1999 كأول رئيس مدني للجزائر من الاستقلال وفوزه في انتخابات كان هو المرشح الوحيد فيها – بعد انسحاب منافسيه من السباق الإنتخابي –  يشكل إنجازا نوعيا للنظام بعدما تمكن من طي عشرية الحرب  الأهلية وتوظيف رئيس مدني بإمكانه تحسين صورته في الخارج وتقديم نفسه كأفضل شريك للقوى الكبرى في البلاد.

في الحقيقة أن مطلب الجزائريين الأساسي في نهاية التسعينات من القرن الماضي هو السلم وإنهاء الحرب الأهلية وهذا  ما وعد به بوتفليقة. لكنه بدلا من استخلاص الدروس وإقامة دولة القانون فإنه سارع إلى سن قانون المصالحة الذي مكن المتورطين في الحرب الأهلية من الإفلات من العدالة. كما تم طي صفحة مفقودي الحرب الأهلية مقابل صرف مبالغ مالية لذويهم.

اقتصاد الريع كسبيل لشراء الولاءات وضمان السلم الإجتماعي

المجال اليوم ليس للحديث عن قانون المصالحة ولكن عن كيفية تسيير عقدين من الزمن في ظل بحبوحة مالية لم تشهدها الجزائر منذ الإستقلال. كان هدف بوتفليقة في عهدته الرئاسية الأولى هو إعادة الجزائر للمحافل الدولية عبر تقديم النظام كشريك أساسي للقوى الدولية في ما سمي بـ”الحرب على الإرهاب” بعد أحداث 11 سبتمبر. ولم يتردد النظام في المعالجة الأمنية لأحداث “الربيع الأسود” في منطقة القبائل مخلفا عشرات القتلى ومئات الجرحى. استراتيجية النظام القمعية لم تتغير إذا بعد مجيء الرئيس المدني بوتفليقة. وتزامن انحسار عمل الجماعات الإرهابية وانتصار الجيش نهائيا على المسلحين مع ارتفاع في مستويات أسعار النفط. وانعكس ذلك  على مشاريع حكومات بوتفليقة المتعاقبة في مجال السكن والبنية التحتية وما شابها من تبذير كبير للمال العام.
وقد شهدت فترة حكم الشاذلي الأولى نفس الأخطاء في التسيير وتبذير المال العام قبل أن تنهار أسعار النفط وتعجل بأحداث 5 أكتوبر. وباختصار استفاد بوتفليقة كما استفاد الشاذلي في بداية حكمه من بحبوحة مالية (ارتفاع اسعار النفط)، لكنه بدلا من إحداث إصلاح سياسي واقتصادي شامل لإقامة دولة ديمقراطية ذات اقتصاد تنافسي، فإنه استعمل الريع لشراء الولاءات و المشاريع غير المجدية التي جنت ثمارها الطبقة الأوليقارشية التي احتكرت الصفقات العمومية. ولأن التاريخ يعيد نفسه ولأن النظام لا يتعلم من أخطائه فقد أراد مواصلة المشوار خلف حكم بوتفليقة رغم عجزه منذ 2012 وفي ظل تراجع أسعار النفط وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين. وهذه الظروف هي التي أنتجت حراك 22 فبراير2019. 

فهل سينجح حراك 2019 فيما فشل فيه حراك 1988؟ 

الإجابة عن هذا السؤال ليست هينة لكن الظروف الحالية تختلف عن السياق التاريخي لأحداث 1988. النظام لم يتغير وقوي أكثر من أي وقت مضى، صحيح، إلا أن حراك اليوم تعلم من أخطاء الماضي عبر استراتيجية الإحتجاج السلمي الذي يختلف عن أحداث الشغب التي شهدتها البلاد في 1988. كما أن النظام أدرك أن قمع المعارضين كما فعل في الماضي لم يعد ممكنا فالعالم أصبح قرية صغيرة ولا يمكن إخفاء ما يجري في الشارع عبر إسكات وسائل الإعلام التقليدية. زد على ذلك فإن زمن الشرعية الثورية قد ولى سواء في الشارع أو في داخل النظام نفسه، والجيل الجديد أدرك أن الإنتقال الديمقراطي – الذي سيكون صعبا بدون شك – حل لا مفر منه لتفادي الإنهيار التام للدولة كما جرى في ليبيا أو سوريا أو العراق.
الربيع العربي مليء بالدروس القاسية وبإمكان الجزائر الإستفادة منها وهذا ما يتمناه كل جزائري. ولعل الأصوات التي خرجت مؤخرا من البرلمان الأوربي للتعليق عما يحدث في الجزائر تنبيه للجميع بأن موقع الجزائر الحيوي في المحيط المتوسطي لا يسمح لها إلا بالتوجه لحل توافقي ينهي الأزمة. كل هذه الظروف والتجارب تزيد من حظوظ حراك 2019 لإنجاز ما عجز حراك 1988 عن تحقيقه والوصول بتريث إلى نظام تعددي ديمقراطي. ولكن قبل ذلك يجب تجاوز عقبة موعد 12 ديسمبر …

الجزائر نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.