هَل سَينْجح حرَاك 2019 في تَحقيق ما فَشل فيه حرَاك 1988؟

ربما لا يتذكر البعض أن مطالب شباب الثمانيات الذي خرج للشوارع في مظاهرات 5 أكتوبر 1988 هي نفس مطالب شباب الحراك الشعبي اليوم : الحرية والديمقراطية في ظل دولة القانون. فهل لجيل اليوم فرصة أفضل لتحقيق هذا المطلب الشعبي؟

مظاهرات 15 مارس في الجزائر العاصمة - صورة رياض ق - أ ف ب
مظاهرات 15 مارس 2019 في الجزائر العاصمة – صورة رياض ق – أ ف ب

 إنجازات حراك 5 أكتوبر 1988

كان لانهيار أسعار المحروقات وتردي الأوضاع الإقتصادية و الاجتماعية الدور الأكبر في إشعال شرارة الإحتجاجات التي راح ضحيتها المئات. سقف المطالب ارتفع و أجبر النظام على فتح المجال أمام التعددية السياسية وحرية الإعلام في تجربة نادرة في العالم العربي. لكن اكتساح الإسلاميين للساحة السياسية وفوزهم بالإنتخابات التشريعية دفع المؤسسة العسكرية لإلغاء المسار الإنتخابي قبل أن تغرق البلاد في حرب أهلية راح ضحيتها مئات الآلاف من الجزائريين بين قتيل ومفقود. جيل الثمانيات لم يفشل تماما بل ترك لنا هامشا من حرية الإعلام خصوصا فيما يتعلق بالصحافة المكتوبة. لكن النظام تأقلم مع الوضع الجديد. فالبرغم من التعددية الحزبية وحرية الإعلام المكتوب النسبية إلا أنه تمكن من البقاء وراء الستار عبر إجراء انتخابات شكلية. ولعل مجيء عبد العزيز بوتفليقة عام 1999 كأول رئيس مدني للجزائر من الاستقلال وفوزه في انتخابات كان هو المرشح الوحيد فيها – بعد انسحاب منافسيه من السباق الإنتخابي –  يشكل إنجازا نوعيا للنظام بعدما تمكن من طي عشرية الحرب  الأهلية وتوظيف رئيس مدني بإمكانه تحسين صورته في الخارج وتقديم نفسه كأفضل شريك للقوى الكبرى في البلاد.

في الحقيقة أن مطلب الجزائريين الأساسي في نهاية التسعينات من القرن الماضي هو السلم وإنهاء الحرب الأهلية وهذا  ما وعد به بوتفليقة. لكنه بدلا من استخلاص الدروس وإقامة دولة القانون فإنه سارع إلى سن قانون المصالحة الذي مكن المتورطين في الحرب الأهلية من الإفلات من العدالة. كما تم طي صفحة مفقودي الحرب الأهلية مقابل صرف مبالغ مالية لذويهم.

اقتصاد الريع كسبيل لشراء الولاءات وضمان السلم الإجتماعي

المجال اليوم ليس للحديث عن قانون المصالحة ولكن عن كيفية تسيير عقدين من الزمن في ظل بحبوحة مالية لم تشهدها الجزائر منذ الإستقلال. كان هدف بوتفليقة في عهدته الرئاسية الأولى هو إعادة الجزائر للمحافل الدولية عبر تقديم النظام كشريك أساسي للقوى الدولية في ما سمي بـ”الحرب على الإرهاب” بعد أحداث 11 سبتمبر. ولم يتردد النظام في المعالجة الأمنية لأحداث “الربيع الأسود” في منطقة القبائل مخلفا عشرات القتلى ومئات الجرحى. استراتيجية النظام القمعية لم تتغير إذا بعد مجيء الرئيس المدني بوتفليقة. وتزامن انحسار عمل الجماعات الإرهابية وانتصار الجيش نهائيا على المسلحين مع ارتفاع في مستويات أسعار النفط. وانعكس ذلك  على مشاريع حكومات بوتفليقة المتعاقبة في مجال السكن والبنية التحتية وما شابها من تبذير كبير للمال العام.
وقد شهدت فترة حكم الشاذلي الأولى نفس الأخطاء في التسيير وتبذير المال العام قبل أن تنهار أسعار النفط وتعجل بأحداث 5 أكتوبر. وباختصار استفاد بوتفليقة كما استفاد الشاذلي في بداية حكمه من بحبوحة مالية (ارتفاع اسعار النفط)، لكنه بدلا من إحداث إصلاح سياسي واقتصادي شامل لإقامة دولة ديمقراطية ذات اقتصاد تنافسي، فإنه استعمل الريع لشراء الولاءات و المشاريع غير المجدية التي جنت ثمارها الطبقة الأوليقارشية التي احتكرت الصفقات العمومية. ولأن التاريخ يعيد نفسه ولأن النظام لا يتعلم من أخطائه فقد أراد مواصلة المشوار خلف حكم بوتفليقة رغم عجزه منذ 2012 وفي ظل تراجع أسعار النفط وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين. وهذه الظروف هي التي أنتجت حراك 22 فبراير2019. 

فهل سينجح حراك 2019 فيما فشل فيه حراك 1988؟ 

الإجابة عن هذا السؤال ليست هينة لكن الظروف الحالية تختلف عن السياق التاريخي لأحداث 1988. النظام لم يتغير وقوي أكثر من أي وقت مضى، صحيح، إلا أن حراك اليوم تعلم من أخطاء الماضي عبر استراتيجية الإحتجاج السلمي الذي يختلف عن أحداث الشغب التي شهدتها البلاد في 1988. كما أن النظام أدرك أن قمع المعارضين كما فعل في الماضي لم يعد ممكنا فالعالم أصبح قرية صغيرة ولا يمكن إخفاء ما يجري في الشارع عبر إسكات وسائل الإعلام التقليدية. زد على ذلك فإن زمن الشرعية الثورية قد ولى سواء في الشارع أو في داخل النظام نفسه، والجيل الجديد أدرك أن الإنتقال الديمقراطي – الذي سيكون صعبا بدون شك – حل لا مفر منه لتفادي الإنهيار التام للدولة كما جرى في ليبيا أو سوريا أو العراق.
الربيع العربي مليء بالدروس القاسية وبإمكان الجزائر الإستفادة منها وهذا ما يتمناه كل جزائري. ولعل الأصوات التي خرجت مؤخرا من البرلمان الأوربي للتعليق عما يحدث في الجزائر تنبيه للجميع بأن موقع الجزائر الحيوي في المحيط المتوسطي لا يسمح لها إلا بالتوجه لحل توافقي ينهي الأزمة. كل هذه الظروف والتجارب تزيد من حظوظ حراك 2019 لإنجاز ما عجز حراك 1988 عن تحقيقه والوصول بتريث إلى نظام تعددي ديمقراطي. ولكن قبل ذلك يجب تجاوز عقبة موعد 12 ديسمبر …

الجزائر نت

النهاية المأساوية لحكم بوتفليقة رسالة لكل الديكتاتوريين العرب

أعتقد الرئيس الجزائري الغائب عبد العزيز بوتفليقة وحاشيته أن الحكم لمدة عشرين عاما دون منازع سيستمر حتى لو كان طريح الفراش حفاظا على مصالح إخوانه وزمرة المنتفعين حوله من الريع البترولي. لكن الحراك الشعبي المقدس الذي انطلق بعفوية منذ أربعة أسابيع أخلط أوراق نظام لم يفكر يوما واحدا أن الحشود الشعبية ستطرده من قصر المرادية وسيخرج من الباب الضيق وهو الذي لا يزال يريد الموت على كرسي العرش كما يحلم كل الديكتاتوريين.

رضا الخارج بدلا عن الشرعية الشعبية

الشعوب العربية المضطهدة من طرف الأنظمة الرجعية هي الأكثر صبرا وتحملا لما تعانيه من قمع واستبداد. ولعل ذلك ما دفع الديكتاتوريين المتحكمين فيها للإعتقاد بأنه يمكن ترويضها والسيطرة على قرارها للأبد تارة بتخويفها من بعبع الإرهاب وتارة أخرى من التدخل الخارجي. والحقيقة أن الإٍرهاب يتغذى من الإضطهاد الذي تمارسه الأنظمة الرجعية ضد شعوبها. كما أن هذه الأنظمة هي التي تحتمي بالدعم الخارجي للإستمرار في الحكم. لذلك لا تقيم الأنظمة الرجعية وزنا للرأي العام المحلي فيما تسعى لكسب الرأي العام في الخارج لتزيين صورتها القبيحة. حلفاؤهم في الغرب يعرفون جيدا مدى جبنهم ونذالتهم لكن يستمرون في دعمهم حماية لمصالحهم الإقتصادية والجيوسياسية. ثم بالله عليكم، من يرفض اليوم التعامل مع ديكتاتور يبيع كل ثروات ومقدرات بلده لصالح من يحميه في الخارج؟ بما أن الشرعية ليست من الشعب وإنما من القوى الخارجية فالتبعية هي سبيل الديكتاتوريين العرب للإستمرار.

سياسة التخويف والوعيد

منذ أيام كان أحمد أويحي، الوزير الأول السابق في نظام بوتفليقة، يتباهى بقدرة النظام على التحكم في الشارع وفعلا تمكن في سنة 2014 من اقتطاف أي معارض للعهدة الرابعة في الشارع وإيداعه الحبس الإحتياطي ثم الإفراج عنه في نهاية اليوم. لكن إحتجاجات اليوم بالملايين ولن تتسع مقرات الشرطة لسجن شعب بأكمله. كما أن طابعها السلمي سبب إحراجا عميقا للنظام الذي كان بارعا في قمع أي احتجاج يخرج عن السيطرة. كما ذكر هذا الوزير سيئ الصيت بالمأساة السورية للحيلولة دون خروج الجزائر للتظاهر لكن ذلك باء بالفشل. بل أن استراتيجية التخويف التي اتبعها هي التي دفعت الناس للخروج سلميا كبرهان على تحضرها وتحديا لمن يشككون في نضجها  .

مشكلة الأنظمة العربية الرجعية غلى غرار النظام الجزائري هي أنها تعامل الشعوب كالأطفال وتعتقد أن توفير قليل من الخبز والأمن لها كفيل بإبقائها في سبات عميق لعقود. الشعوب كسرت اليوم حاجز الخوف ولا سلاح لديها سوى الحناجر للصراخ والهواتف الذكية لتذكير العالم بأن هناك من يطالب بالحرية والعدالة وأنه لا يمكن الإستمرار في دعم حكم الفرد والعشيرة. طبعا حاول المنتفعون من النظام الإلتفاف على مطالب الشعب عبر تقديم تنازلات تبدو أنها واعدة لكنها كانت مجرد حيلة قذرة لربح المزيد من الوقت لإيجاد بديل لبوتفليقة وتمكين هذا الأخير من الخروج من الحكم بشكل يحفظ ماء وجهه. كما استمات أصحاب إيديولوجية “وجوب طاعة الأمراء” من جمهور التيار السلفي الوهابي التابع للسعودية (التي تقود مع الإمارات الثورة المصادة لإجهاض أي مشروع ديمقراطي في العالم العربي) في الهجوم على فكرة الإحتجاج السلمي لكن جهودهم باءت بالفشل. فلقد برهن لهم الجزائريون أن الجزائر ليست السعودية ولا يمكن لفتاوى موالاة السلاطين أن تغير مجرى الأحداث.

و عقدنا العزم أن تحيا الحزائر، فارحلوا فارحلوا فارحلوا…

وها هو اليوم بوتفليقة وزمرته يجدون أنفسهم أمام التاريخ : هل سينزلون من برجهم العاجي ويتركون الشعب يقرر مصيره؟ أم سيستمرون في التحايل وربح الوقت وربما اللجوء للعنف لقمع الإرادة الشعبية؟ إذا كان بوتفليقة يعتبر نفسه مجاهد فيجب تذكيره بأن مجاهدي ثورة 1954 رفعوا السلاح لتحرير الشعب الجزائري وليس للتحكم في مصيره عن طريق نظام رجعي فاسد فاقد للشرعية. وإذا كان مجرد ديكتاتور على الطريقة السوفييتية فليعلم أن ما بناه ستالين وخروتشوف وبريجنيف وغيرهم انهار في عام 1989. الديكتاتورية لا يمكنها الإستمرار ومن يحب بالفعل بلده وشعبه عليه أن ينسحب الآن وليس غدا. رياح التغيير التي تجتاح العالم العربي منذ 2011 لن تتوقف ولن يهنأ الديكتاتوريون العرب لأن العالم تغير والشعوب استفاقت من غفلتها. ثم أننا لسنا في سنوات السبعينات وعصر التعتيم الإعلامي والشعارات الديماغوجية البراقة. إن أنصار الثورة المضادة قد ينجحوا مرة أو مرتين لكنهم لن يستطيعوا إيقاف مسار التاريخ. التغيير لن يأتي من شيوخ تجاوزا الثمانيين، بل من شباب الألفية الثالثة الذي رددوا في شوارع العاصمة اليوم : ” و عقدنا العزم أن تحيا الجزائر، فارحلوا فارحلوا فارحلوا”.

الجزائر.نت

العسكري اللاجئ أنور مالك : أعظم بهتان جزائري

أن يستعمل النظام السعودي أصوات المثقفين والصحفيين والشيوخ المحليين فهذا أمر معروف لكل متتبع لشؤون المملكة وإعلامها، وكذلك تفعل جل الأنظمة العربية، لكن أن نجد مثقفين جزائريين في طليعة المطبلين للنظام السعودي والأوائل في جلب رسائل الكراهية المذهبية الغريبة لبلادنا، والتي عادة ما يوظفها آل سعود لشرعنة حكمهم الوراثي، فهذا بالفعل مثير للقلق. والمتتبع لوسائل التواصل الاجتماعي في الأسابيع الأخيرة يلاحظ انتشار حملة “تويترية” ضد سفير إيران في الجزائر وضد الشيعة بشكل عام (وهم يعدون على الأصابع في الجزائر) يقودها اللاجئ السياسي الجزائري المقيم في فرنسا نوار عبد المالك، المدعو “أنور مالك”.

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-12-23 19:36:41Z | | ÿaVÿ4|pÿ<…xÿ/ž‚`á‚
العسكري السابق نوار عبد المالك في ضيافة أمراء آل سعود

فكيف تحول هذا العسكري اللاجيء في فرنسا والذي تصفه القنوات الإعلامية الخليجية “بالخبير والحقوقي والدكتور والإعلامي الجزائري” إلى بوق لنظام أجنبي رجعي يروج للكراهية المذهبية والتطرف للجزائر بلد الإسلام المالكي المعتدل الذي يعيش في كنفه العلمانيون والصوفيون والإباضيون والأقلية المسيحية بكل أمان ؟ وما سر تفرغ هذا اللاجئ لخدمة النظام السعودي على مواقع التواصل والفضائيات بدعم حروبه في اليمن وسوريا وحشد الدعم الجماهيري للمملكة الوهابية بالإعتماد على الخطاب الطائفي العرقي المشحون بالكراهية الذي يتبناه آل سعود لجماية عروشهم ؟ ألا نتبجج نحن في الجزائر “بالنيف” الذي لا يشترى بالمال ؟ أم أن “الأرز السعودي” أكبر من أن يقاومه أشباه مناضلي حقوق الإنسان ؟ أم أن الإنقسام الإيديولوجي والطائفي الذي تعانيه بلدان المشرق العربي والذي يغذي الحروب المدمرة في سوريا والعراق واليمن يشق طريقه لبلادنا عن طريق أبواق آل سعود المقيمين في أوروبا والذين ينعمون بديمقراطيتها وحرياتها ؟ وهل بإمكاننا التحدث عن لوبي سعودي يستهدف المثقفين الجزائريين ويسعى لتجنيدهم بعدما فشل آل سعود في جر الجزائر لحروبهم في سوريا واليمن وتبني الجزائر رسميا لموقف مستقل عن مغامرات أمراء الوهابية.

عندما يستثمر العسكري الفار في الدعاية لنظام آل سعود

دعونا نتعرض لظاهرة جديدة في الفضاء الإلكتروني الجزائري وهي انخراط شخصيات مقيمة في أوروبا ومحسوبة على الجزائر، على غرار نوار عبد المالك، في الصراع السعودي-الإيراني ورغبتهم في نقل الصراع المذهبي والقومي بين النظامين إلى الجزائر عن طريق البروباغندا الإعلامية. مخطئ من يعتقد أن ظاهرة شراء أصوات الصحافيين والمشايخ والفنانين لصالح الآلة الدعائية السعودية هي حالة خليجية بحتة وأن المثقف المغاربي – والجزائري على وجه الخصوص – سيبقى بعيدا عن التنافس المحموم على الزعامة الدينية والسياسية بين طهران والرياض.  صحيح أن موقف جمهور السلفيين في الجزائر يتعارض مع موقف “ولي الأمر المحلي” (الرئيس بوتفليقة) ويقف بقوة إلى جانب ولي الأمر الأجنبي السعودي-الوهابي ويبرر إيديولوجيًا ودينيا انخراطه في سوريا واليمن والعراق وكذلك دعمه المباشر للثورات المضادة لإفشال الربيع العربي في مصر والبحرين، وهذا مفهوم بسبب العلاقة الوثيقة بين تيار السلفية-الوهابية العابر للحدود وطبيعة نظام الحكم الديني الوراثي السعودي. لكن الملفت للإنتباه هو تفطن بعض المغتربين اللاجئين من أمثال الضابط الفار أنور مالك لضرورة ركوب موجة التطبيل للسياسات السعودية من منفاهم مقابل حفنة دولارات. ربما لكسب قوتهم ؟ بدون شك فهم يدركون الصورة القاتمة للمملكة الوهابية في أوروبا بسبب اضطهادها للناشطين والنساء وسطوة الأمراء على السلطة والثروة بالتحالف مع مشايخ الوهابية النجدية والقوى الغربية. لذلك فالبروباغندا تستهدف الرأي العام العربي الخليجي بالخصوص ويتجلى محتواها في تسويق الإيرانوفوبيا والكراهية المذهبية وتبجيل أمراء آل سعود الفاسدين باعتبارهم ورثة الصحابة ! هي دعاية وهابية تقليدية ضرورية للنظام السياسي السعودي يحترفها آلاف المشايخ والصحافيين المرتزقة والتي تبدو غريبة عن المشهد الديني الجزائري والمغاربي بشكل عام الأكثر اعتدالا مقارنة بالمجتمع السعودي، من جهة، وعن مبادئ المجتمع الأوروبي الذي يعيشون فيه هؤلاء اللاجئين والمبني على الحرية الدينية والتعايش و الديمقراطية من جهة أخرى.

ومن أبطال هذه “البروباغندا” المدفوعة الأجر أنور مالك، اللاجئ حاليا في فرنسا، واسمه الحقيقي نوار عبد المالك و هو ضابط سابق في الجيش الجزائري مكلف بالإتصال (الدعاية ؟) طرد من الخدمة ثم فر إلى فرنسا طالبا اللجوء السياسي. واليوم يقدم هذا الرجل في وسائل الإعلام الخليجية بصفتة مراقب دولي لحقوق الإنسان وناشط سياسي و”خبير” في التشيع والشؤون الإيرانية ! 

نوار عبد المالك: من جندي شاعر في قصر العطش إلى لاجئ !

نوار عبد المالك، العسكري السابق، فر من الجزائر طالبا اللجوء في فرنسا زاعما تعرضه للتعذيب بسبب قناعاته السياسية، بينما السلطات الجزائرية تتهمه بتزوير الحقائق وأنه تم سجنه بسبب تورطه في تجارة المخدرات. الضابط أنور انضم لمؤسسة الجيش عام 1991 في عز الأزمة الأمنية واختار طواعية الإنضمام للنظام ليس حبا في المؤسسة العسكرية أو اقتناعا بضرورة المشاركة في الحرب ضد الإسلاميين الذين رفعوا السلاح ضد الدولة بعد إلغاء الإنتخابات التشريعية، لا أبدا، بل للإسترزاق ! أنور مالك يريد الحصول على المال والقضية ليست قضية قناعات ومبادئ وهكذا الحال إلى يومنا هذا إذ يغير أرائه حسب الجهة التي تدفع له. أنور عبد المالك العسكري

وقد صرح في 2007 لصحيفة الوسط التونسية أنه انخرط في الجيش بسبب ” رغبته في تحقيق مستوى إجتماعي لأسرته”. لكن ذلك ليس كاف، فأنور مالك لا يريد مالا فقط بل شهرة إعلامية أيضا، فابن قصر العطش متعطش فعلا للشهرة والثروة ، ولذلك شرع في نشر أشعار بأسماء مستعارة في صحف ناطقة بالعربية مكنته من الظهور في التلفزيون الجزائري وهو لا يزال في الجيش.

أنور عبد المالك الشاعر
العسكري نوار عبد المالك “الشاعر” في أولى خطواته نحو الشهرة يكتب في صحيفة “البلاد” باسم مستعار
انور عبد الملك في التلفزيون الجزائري
العسكري نوار عبد المالك في ضيافة التلفزيون الحكومي بهوية مستعارة (شاعر)

ودون الخوض في تفاصيل تعرضه المزعوم للتعذيب علي يد وزير جزائري وطرده من الجيش وسجنه حتى تمكنه من الفرار من الجزائر، استغل أنور مالك هويته الجديدة في منفاه للهجوم على مؤسسة الجيش الوطني الشعبي سعيا للتقرب لوسائل الإعلام وتحقيق حلمه بالشهرة الإعلامية. فبعد أن كان ضابطا منخرطا في الحرب ضد الإرهاب طوال “العشرية السوداء”  التي شهدتها الجزائر، تحول اللاجئ أنور مالك بعد أن وضعت الحرب أوزارها لعدو للجيش الجزائري متهما أياه باقتراف جرائم في حق الإسلاميين رغم أنه انخرط بنفسه وبمحض إرادته في الجيش طوال الحرب الأهلية ! ولجلب انتباه وسائل الإعلام شرع فور وصوله لفرنسا وحصوله على اللجوء السياسي في نشر مقالات على موقع “الحوار المتمدن” يزعم فيها كشف فظائع لإحراج الدولة الجزائرية مرتديا زي المعارض “اليساري”  للنظام (انظر مثلا هنا وهنا وهنا !).

لكن كل تلك المقالات والقصص المفبركة لم تمكن العسكري نوار عبد المالك من جلب انتباه وسائل الإعلام الخليجية، لذلك توجه هذا الرجل المخادع لموقع يوتيوب في عام 2008 للكشف عن تعرضه المزعوم للتعذيب على يد وزير محاولا جلب انتباه الفضائيات الخليجية. و يحرص نوار عبد المالك على تقديم نفسه على أنه “الكاتب والصحفي المضطهد” وعلى استعمال اللغة الفصحى حتى يفهمه الإعلام الخليجي ويكتشف مهاراته الخطابية كضابط جزائري معارض وربما صحافي موهوب يستحق الاهتمام. وهذا ما تحقق إذ بدأت قناة الجزيرة في محاورته في برنامج “الصراخ” (الإتجاه المعاكس).

أنور مالك : مختص في “تفجير القنابل الإعلامية” لجلب الإعلام والمال

القنبلة الأولى : أنور مالك “الصحفي” يحاور نوار عبد المالك “الضابط الفار”. يحاور نفسه بنفسه ؟

كما أسلفنا الذكر فنوار عبد المالك يبحث عن الشهرة الإعلامية بأي ثمن ولذلك شرع في كتابة المقالات على الانترنيت باسمه المستعار “أنور مالك” تهاجم النظام الجزائري الذي خدم فيه طوال الحرب الأهلية واختلاق “قنابل إعلامية” لجلب انتباه الفضائيات الخليجية على الخصوص. ومنذ أن كان في الجزائر استعمل نوار عبد المالك اسماء مستعارة متعددة للكتابة في الصحف وللظهور في التلفزيون الحكومي دون الكشف عن مهنته الحقيقية في المؤسسة العسكرية. لذلك واصل على نفس النهج المخادع عندما وصل لفرنسا في إطار سعيه للولوج لعالم الصحافة. بل أنه حاور نفسه بنفسه عام 2009 عندما ابتكر كنيته المعروف بها اليوم “أنور مالك” وقدم نفسه على أنه “صحافي ناشط اعلامي وسياسي جزائري” حاور الضابط الفار “نوار عبد المالك” في مقال نشر في صحيفة “وطن” الأماراتية ثم تناقلته وسائل إعلام أخرى على غرار قناة الجزائرية

نعم أنور مالك مستعد لفعل أي شيء للظهور في الإعلام ولو كان ذلك بمحاورة نفسه بنفسه باعتباره “الصحفي والضيف في نفس الوقت” بتقمص شخصيات متعددة واختلاق قصص وأكاذيب لخداع الجماهير. وقد انتبه مبكرا لذلك بعض القراء وكشفوا في 2009 كذب وانتهازية أنور مالك من أجل الشهرة.

القنبلة الثانية : أنور مالك يغازل المخزن المغربي وينتقد البوليساريو قبل ان ينقلب عليه !

في أولى سنوات اللجوء لفرنسا، وهو بحاجة للدعاية لقضية معينة لجلب الإهتمام والمال، ارتأى أنور مالك أن يدغدغ مشاعر اللوبي المغربي في فرنسا، وجلب أهتمام وسائل الإعلام، وهذا هو حلمه الأساسي، بمعارضة الموقف الرسمي الجزائري في ما يخص نزاع الصحراء الغربية باتهام الجزائر بخلق البوليساريو واحتجاز آلاف اللاجئين في تيندوف وصرف 200 مليار دولار على هذا النزاع.

ففي مقال تحت عنوان ” هل أتاك حديث مخيمات البوليزاريو في تندوف ؟”، والذي استهله بهذه الجملة ” أعرف أن هذه الإعترافات ستكون بمثابة القنبلة” (ألم نقل لكم بأن المخادع أنور مالك يحب “تفجير القنابل الإعلامية لشد انتباه الإعلام؟)، يؤكد أنور مالك بأن البوليزاريو صنيعة جزائرية لأجل خلق بوابة للجزائر نحو المحيط الأطلسي وهذا ما تسعى إليه الأطروحة المغربية حول هذا النزاع.  بل قال أن مخيمات اللاجئين الجزائريين في تندوف “حولت لأوكار للدعارة المنظمة وسجون للتعذيب والإختطاف والحجز” ! فضلا عن أن “البوليزاريو التي تمارس سلطتها على شعب يبدو أنه مسجون في هذه المخيمات وليس فارا من جحيم الإحتلال كما يروج له”. هذا ما كتبه أنور مالك. ويحكي هذا المخادع “شهادات جنود وهميين وتسريبات استخباراتية واعترافات مصطنعة” حول الوضع في تندوف في إطار سعيه للتقرب من اللوبي المغربي في فرنسا مقابل حفنة دراهم.

وفي مقال آخر كتب أنور مالك : “حدثني يوما أحد عناصر البوليساريو (هو يكذب كالعادة، لم يحدثه أحد وإنما اخترع قصة) أنهم مستعدون لإبادة نزلاء المحتشدات لو فكروا في المغادرة الجماعية نحو الصحراء او المغرب أو حتى أعماق الجزائر، والسؤل المهم : لماذا يخون كل جزائري يرفض السياسة المنتهجة والتي يراد من خلالها تفجير المنطقة المغاربية وتدمير شعوبها بحروب وهمية قذرة؟
لماذا تحولت قضية البوليساريو إلى شيء مقدس في الجزائر وخط أحمر كل من يتجاوزه فقد جنى على نفسه؟!! ما الذي ستجنيه الشعوب المغاربية من دولة جديدة أو حتى أخر قادمة؟ ماذا سيستفيد الصحراويون من دولة تقودها جبهة تربت في ثكنات المخابرات الجزائرية”.

مخادعا كعادته، نوار عبد المالك يتبنى خطاب النظام المغربي ويريد استمالة الإعلام المغربي الذي سيستقبله بصدر رحب باعتباره مواليا لأطروحة الصحراء المغربية ومعارضا للنظام الجزائري. لكن ذلك لم يكفي لجلب الأموال والشهرة الموعودة، فاختار أنور المحتال طريقة “الانقلاب” (لخلق ضجة إعلامية أخرى) بعد زيارة  لمدينة الداخلة المغربية للمشاركة في ملتقى دولي شهدته المدينة المغربية. أختار أنور مالك الإنقلاب تماما على الأطروحات السابقة فيما يخص نزاع الصحراء الغربية وكتب مقالات (أو “فجر قنابل إعلامية” كما يحب دائما) موالية للبوليساريو ومعادية للمغرب وهذا ما سبب صدمة لبعض الإعلاميين المغاربة الذين شعروا بمرارة الخديعة.

وفي مقال للصحفي المغربي نورالدين لشهب، الذي كانت تربطه علاقات جيدة بأنور مالك (للأسف تمكن هذا الأخير من خداعه) وسبق أن حاوره حول قضايا يوالي فيها القصر الملكي المغربي وينتقد النظام الجزائري، يفسر هذا الأخير انقلاب أنور مالك على الأطروحة المغربية وتغييره لموقفه لصالح البوليساريو قائلا : “ الملاحظة الأولى هي أن الزميل أنور مالك توقف عند الصوت الانفصالي وحسب، ولم يهتم بالصوت الوحدوي، والسبب كما روى لي مصدر مطلع أنه لم يأبهوا به ولم يؤدوا له مصاريفه كاملة للتنقل من فرنسا إلى أقصى جنوب ألمغرب“.

وقد انتبه المتابعون للشأن المغربي لنفاق أنور مالك وسعيه المستمر لتغيير آرائه حسب مبدأ من يدفع أكثر. وتغيير أنور مالك لموقفه ليس حبا في الصحراء الغربية بل انتقاما من عدم اهتمام السلطات المغربية به (مالا وإعلاما) رغم تبنيه لموقف كلفه الكثير أمام الرأي العام الجزائري المتعاطف مع البوليساريو. بعد فشله في الحصول على “الرز المغربي” هاهو أنور مالك يتبنى خطاب البوليساريو لترميم سمعته أمام الرأي العام الجزائري. وقد انتبه المتابعون لهذا الحرباء كيف خدع المغاربة وانقلب عليهم بسب عدم حصوله على “الرز” الذي كان يتمناه.

بالطبع هذا الموقف الجديد لأنور مالك مربح إعلاميا لأنه جلب انتباه بعض الصحف الجزائرية الموالية للنظام وعلى رأسها جريدة الشروق التي خصصت صفحاتها “للقنبلة الإعلامية الجديدة التي فجرها أنور مالك“. ألم نقل لكم بأن المخادع أنور مالك اختصاصي في القنابل الإعلامية ؟ وكما ترون فأنور مالك سواء ساند المغرب أو البوليساريو دائما بارع في خداع جمهوره في إطار سعيه للنجومية عبر وسائل الإعلام، ولو حصل هذا اللاجئ على دعم مالي من أطراف مغربية لاستثمر ذلك للنضال من أجل “وحدة التراب المغربي” وضد البوليساريو ولما انتبه للرز السعودي. نحن هنا لا نتبنى أي موقف من قضية الصحراء الغربية وإنما نبين فقط مدى انتهازية اللاجئ أنور عبد المالك وسعيه المستمر للدفاع عن قضية معينة والدعاية لها مقابل أموال وشهرة وتغيير مواقفه كلية إذا لم يحقق “استثماره” النجاح المطلوب. 

القنبلة الثالثة : البعبع الشيعي الإيراني للدعاية لنظام آل سعود والاستمتاع بأرزه !

بعدما فشل نوار عبد المالك في استمالة المال والأعلام المغربي عبر الاتجار بقضية الصحراء الغربية أدرك هذا المخادع بأن الوقت قد حان للتودد للإعلام الخليجي وركب موجة العداء للشيعة وإيران وحزب الله تقربا من آل سعود وطمعا في “مكرماتهم” السخية.  نوار عبد المالك الذي خدم في مكتب الاتصال عندما كان عسكريا في الجيش يعرف الدعاية الإعلامية –  حسب تعاليم المدرسة السوفييتية التقليدية – ويسخرها للاسترزاق، لذلك انتبه إلى تصاعد التوتر الطائفي في الخليج على خلفية التنافس السعودي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط داعيا لركوب موجة المحذرين من تنامي التيار الشيعي والتحذير من “الخطر الداهم” على الجزائر أولا لخلق ضجة إعلامية تضعه تحت أضواء القنوات التلفزيونية الخليجية، وهذا هدف أساسي، وأيضا لاستمالة الأطراف الخليجية الثرية المنخرطة في الصراع الإعلامي والسياسي بين إيران والسعودية، ويالها من تجارة رابحة.

بدأ انور عبد المالك الإستثمار في “مشروع البعبع الشيعي” عبر نشر مقالات تحكي صراعات وقصص شبيهة فأفلام الإثارة يلفقها كعادته لجلب انتباه الرأي العام والإعلام. وجميع القصص التي اخترعها عبد المالك بدءا بتعرضه للتعذيب من طرف وزير جزائري إلى احوال اللاجئين الصحراويين في تندوف إلى الغزو الشيعي المزعوم في الجزائر لا يمكن التحقق منها. دائما تحقيقات أنور مالك تعتمد على أوراق استخباراتية مسربة (يكتبها بنفسه) واعترافات وصلته من أصدقاء وهميين له في النظام الفلاني وهكذا. وربما ذلك ما دفعه عن التنازل عن الدعوى القضائية التي رفعها ضد سلطات بلاده الجزائر في المحاكم الدولية ومزاعمه حول التعذيب التي تعرض له. فلقد حصل على اللجوء السياسي وضمن الإقامة في فرنسا وأصبح مشهورا ولم تعد هناك حاجة لاختلاق المزيد من مسلسلات التعذيب المزعومة التي تمنحه الحق في اللجوء والشهرة والمال.

حان الوقت إذا لأنور مالك، كغيره من أشباه الصحفيين المرتزقة الذين لا يمتون بصله لمهنة الإعلام، للاستثمار في الدعاية لصالح المملكة السعودية عن طريق التخويف من إيران والشيعة والدعوة للالتفاف حول آل سعود باعتبارهم قادة “للأمة العربية” وأصدقاء للثوار العرب في سوريا والكل يعلم أن آل سعود وقفوا دوما ضد الثورات العربية وضد القوميين وضد الديمقراطية في مصر واليمن والبحرين وتونس. موقف أنور مالك باختصار يتماشى مع الرؤية السعودية ولذلك مثلا يتحاشى انتقاد نظام السيسي العسكري في مصر باعتباره حليفا قويا للسعودية. لكن ما هو موقف نوار عبد المالك من العرب قبل اندلاع الربيع العربي؟ وهل كان مدافعا عن حقوقهم في الحرية والديمقراطية كما يدعي اليوم ؟ لا، أبدا.

أنور مالك قبل الربيع العربي : العرب متخلفون ولصوص ولا يصلحون أصلا للحضارة !

دعونا نعود قليلا لما قاله أنور مالك عن العرب في 2009 على قناة الجزيرة قبل الربيع العربي وقبل تورط السعودية في الحربين السورية واليمنية، بل وقبل أن يصبح “ناشطا حقوقيا مزيفا”. ماذا قال أنور مالك عن العرب ؟ ونقصد الشعوب وليس الأنظمة. قال في حوار مع فيصل القاسم : “أن العرب مصابون بداء الفانتازيا وأنهم اخترعوا الصفر فمنهم من جلس عليه، ويوجد من وضعه على رأسه – وهو يستهزء بالعقال الذي يضعه العرب على رؤوسهم في الشام ودول الخليج قبل أنه يضعه هو بنفسه على رأسه تيمنا “بالرز السعودي” كما يبدو في الصورة أعلاه – وهناك من حزم به وراح يهز الصدر والبطن والورك حتى يثبت للعالم بأن الإنسان العربي قادر على فعل شيء ما (يقصد الرقص الشرقي باعتباره تراثا عربيا) … الإنسان العربي متخلف متخلف متخلف ولا يصلح أصلا للحضارة”. هذا ما قاله قال أنور مالك عندما كان يريد الظهور بمظهر الثائر في الفضائيات العربية. بالتأكيد أن الشعوب العربية اليوم مهزومة ومتخلفة ولكن من المسؤول عن هذا الوضع ؟ أليست الأنظمة العربية الإستبدادية التي قتلت روح الإبداع في الإنسان العربي؟ بالنسبة للانتهازي أنور مالك “الشعوب العربية هي المسؤولة عن ذلك لأن الحاكم العربي خرج منها”. أنور مالك قال هذا قبل اندلاع الربيع العربي عندما تحول فجأة لمدافع عن حقوق الإنسان العربي ! ويضيف أن “أي مواطن عربي لو وصل إلى الحكم فسيفعل أسوء مما يفعل الحكام الحاليين ولا فرق بين الحكام والمحكومين كلهم في سلة واحدة مادام عنوانهم العرب” وهو بذلك لا يقف بجانب الشعوب المظلومة التي تستحق حسبه كل هذا القمع والتخلف ! وبعد عامين تحول أنور مالك لصديق للشعوب وركب موجة الربيع العربي حسب وجهة نظر القنوات الخليجية التي تستضيفه.

وعداء أنور مالك لحزب الله ليس بسبب تدخله في سوريا إلى جانب الأسد كما يزعم اليوم، فقد أعتبر في حواره على الجزيرة حرب 2006 مع إسرائيل مجرد “مؤامرة فارسية” تتحمل وزرها إيران وليست إسرائيل. وختم أنور مالك انتقاده للعرب بهجوم على المهاجرين العرب الذين يعيشون في الغرب (أنسي أنه واحد منهم ؟) جميعهم بلا استثناء ووصفهم بأنهم على خلاف شعوب العالم الأخرى “لصوص، يطاردون النساء في الشوارع، وكل الأخلاق السيئة موجودة في الإنسان العربي” ! فبعد كل ما قاله، كيف لنا أن نصدق تحول أنور مالك اليوم لمدافع عن الشعب السوري ضد الديكتاتورية ؟ ألم يقل بأن الشعوب ستكون أسوء لو سمح لها باختيار حاكميها ؟ كيف نصدق دعوته العرب للاصطفاف وراء الملك السعودي – ديكتاتور رجعي آخر– لإنقاذ الإنسان العربي ؟ اتهامات أنور مالك للشعوب العربية جارحة شديدة التعميم ولا ضير إن تلقفتها مؤسسة “ميمري” الإسرائلية الدعائية، وهي مختصة في تشويه صورة العرب عند الرأي العام الغربي، فقامت بترجمتها للإنجليزية وبثها للجماهير الغربية وكأنها تقول لهم “وشهد شاهد من أهلها، هذه هي صورة العرب الحقيقية كما وردت على لسان “مثقف” عربي”.

أنور مالك : قواد آل سعود وخصم للموقف الجزائري

بقدرة قادر، أغتنم أنور مالك فرصة اندلاع أحداث الربيع العربي ليتبنى موقف السعودية في سوريا واليمن والبحرين ومصر لأن ذلك سيفتح له الطريق للقنوات التلفزيونية الخليجية وهو الذي يحب الظهور في الإعلام منذ أن كان ضابطا في الجيش الجزائري باسماء متعددة ومستعارة. نشاط أنور مالك على مواقع التواصل الاجتماعي يقتصر في أيامنا هذه على البروباغندا لفائدة العائلة الحاكمة في السعودية ويبدو أن الرسائل موجهة في جوهرها للجمهور السعودي لتجنيده وحشده وراء العائلة المالكة وتخويفه من “المد الشيعي الجارف” الذي يتهدد المملكة وإثارة عواطفه.

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2016-01-12 10:05:38Z | |
تويت دعائي لأنور مالك لصالح أمراء آل سعود يستغل فيه العواطف الدينية لحث الناس على الإلتفاف حول الأسرة المالكة.

أنور مالك يدرك أن رسائله الدعائية لصالح آل سعود وانتقاده لمواقف وطنه السابق (الجزائر) الرافضة للحرب السعودية في اليمن وسوريا، وتجاهل حكومة بوتفليقة للحلف “الإسلامي” السعودي ضد الإرهاب، لا يلقى اهتماما في الشارع الجزائري. لذلك ارتأى غوبلز آل سعود الجديد تحريك الطائفية، وهي الوصفة السحرية التي يتقنها آل سعود ومشايخهم لتخويف الرأي الداخلي من الخطر الإيراني الداهم وإشغاله عن همومه اليومية، متهما سفير طهران في الجزائر بنشر التشيع في البلاد. وانتشرت “الحملة التويترية الخليجية” كالنار في الهشيم مطالبة بطرد السفير الإيراني وإرجاع الجزائر للحضن السعودي وقد تبنتها القنوات السعودية الطائفية كقناة “وصال” للضغط على الرأي العام الجزائري لكنها فشلت في تحقيق ذلك.

 هذا الإتهام هو بحد ذاته احتقار للشعب الجزائري لأن من يعتقد أن الجزائريين سيغيرون دينهم ومذهبهم وتقاليدهم لمجرد وجود سفير إيراني في الجزائر يشكك في عبقرية هذا الشعب الذي حافظ على ثقافته وهويته بالرغم من 132 عاما من الإحتلال الفرنسي. ثم أن السعودية لا تشكل بالنسبة لأي جزائري نموذجا للنهوض وللحرية والديمقراطية حتى ينساق وراء سياساتها وحروبها المذهبية، فقد عانت الجزائر من الإرهاب الإسلاماوي، ولا تزال إلى يومنا هذا بقايا تنظيم القاعدة تهدد أمن البلد، وهي ليست بحاجة لنقل الحرب المذهبية الداعشية التي تعاني منها شعوب الشرق الأوسط إلى عقر دارها. إذا كان اللاجئ أنور مالك يخشى انتشار التشيع في الجزائر، وهذا غير حقيقي وبروباغندا فاشلة، فإننا نخشى أكثر انتشار التيار السلفي-الوهابي-السعودي في البلاد (وهذا أمر واقعي ويراه يوميا كل الجزائريين) والذي قد يهدد التعايش في المجتمع الجزائري، ليس بسبب الشيعة فهم يعدون على الأصابع وأغلب الجزائريين لم يصادفوا شيعيا في حياتهم، ولكن بسبب تمسك الناس بالتراث المالكي المغاربي المعتدل الذي يعيش في كنفه المتصوفة والإباضيين والعلمانيين العرب والأمازيغ بسلام منذ قرون طويلة.

وأحداث مدينة غرداية الأخيرة تثبت ما نقول وبينت وجود تيار سلفي متطرف يكيل الشتائم للأقلية الإباضية ويتهمهم بالخوارج وهم أبناء البلد وتاريخهم أصيل وتقاليدهم وتراثهم يشرف كل جزائري. زد على ذلك فكل جزائري يتذكر التهديدات بالقتل التي أطلقها الناشط السلفي المتطرف عبد الفتاح زراوي حمداش،  قائد “جبهة  الصحوة الحرة الإسلامية السلفية الجزائرية”، ضد الصحفي كمال داود و دعوته من سماهم “أهل السنة في العالم” إلى حرق كتب ورسائل وديوان الشاعر السوري أدونيس

كل من يعيش في الجزائر يعلم اليوم أن الخطر الشيعي المزعوم لا يتعدى مواقع التواصل الاجتماعي التي يديرها متعاطفون مع الوهابية السعودية وأن التيار الديني الأكثر نشاطا في الجزائر هو التيار السلفي السعودي الذي يستولي على المساجد ويضغط على الجزائريين لثنيهم عن ممارسة عاداتهم وثقافتهم وإخضاعهم لمبادئ الوهابية السعودية المتشددة. بل أن وزير الشؤون الدينية الجزائري دق ناقوس الخطر محاولا استرجاع المساجد من قبضة السلفيين ‏الذين استولوا على المنابر عندما كانت الجزائر مشغولة بالحرب ضد الجماعات الجهادية المسلحة.

قد يقول أحدهم، أليس من حق العسكري الفار نوار عبد المالك الوقوف بجانب السعودية ودعمها في حروبها في اليمن وسوريا ووقوفها ضد النفوذ الإيراني المتزايد في الشرق الأوسط ؟ والجواب نعم. لكن أن ينخرط في نشر الكراهية الطائفية والمذهبية التي يعتمد عليها النظام السعودي لتفتيت شعوب المنطقة وتقديم نفسه باعتباره “زعيم المسلمين” والمدافع عن حقوقهم فهذا أمر مثير للإستغراب. ليس فقط لأن حقوق الإنسان في السعودية نفسها في أسوء الحالات كغيرها من ديكتاتوريات الشرق الأوسط،  ولكن لأن تبني الصراع المذهبي الذي راح ضحيته الآلاف في سوريا والعراق وباكستان واليمن ووصل للسعودية نفسها ونقله للجزائر مقابل حفنة دولارات تعتبر خيانة ممن يقدم نفسه على أنه مدافع على مصالح وحقوق العرب والجزائريين على وجه الخصوص. ثم ألم يغير المجتمع الفرنسي المبني على الحريات الدينية والديمقراطية والعيش المشترك الذي يحتضن هذا اللاجئ (الهارب من القمع السياسي كما يدعي) شيئا في أفكاره ؟ هذا هو الواقع، فهل يصدق أحد دعاية اللاجئ أنور مالك وتصريحات وفتاوى مشايخه السعوديين؟ ومن يصدق أحد حرصه على أمن الجزائر وخوفها على أمنها وهو الذي فر منها قاصدا اللجوء لفرنسا (المحتل السابق) ومن ثم حاول رفع دعوات قضائية دولية ضد مؤسستها العسكرية ؟ بإمكان هذا الحرباء امتطاء تيار الطائفية وحشد الرأي العام السعودي وراء ولي أمره لقبض دولاراتهم، هذا شأنه، لكن الأولى له أن يترك الجزائر بعيدة عن مغامرات مملكة الوهابية وحروبها المذهبية.

للإشارة فإن أنور مالك لا يكن الود لآل سعود وإنما لدولاراتهم. فقد كتب في مقال في السابق، أي قبل أن ينضم لصف لاعقي أحذية آل سعود، منتقدا ملك آل سعود ومشايخ الوهابية الذين اعتبرهم يهود خيبر : “الملك السعودي عبدالله صار منشغلا بولاية عهده لأن الحالة الصحية للأمير سلطان حرجة، وفي سياسته وأطروحاته الوضيعة يباركها ثلّة من علماء يتقنون لعق الصحون بأصابعهم والزحف على بطونهم في قصر جلالته، يمجدون ويخيطون فتاوى على مقاس حذاء يستعمله الملك لدخول بيت الخلاء، أو يكتبونها على ورق يستعمل في مراحيضه المزخرفة بالذهب الخالص !!… وطبعا لا ينتظر الخير من يهود خيبر أبدا“.

اليوم انقلب أنور مالك عما كتبه وغير رأيه بعدما تذوق حلاوة دولارات آل سعود وأصبح من أكبر المدافعين عن سياساتهم، أكثر من السعوديين أنفسهم. أنور مالك ليس وحده من يطبل لآل سعود، مؤخرا انضم له المحامي القادم لتوه من الجزائر “إسماعيل خلف الله” الذي أصبح بسرعة فائقة “ناشط في حقوق الإنسان” ومعارض للنظام الجزائري وخبير بالشأن الإيراني ومناهض للتشيع عبر رابطة أصدقاء السعودية “التويترية” و “المرصد الدولي لتوثيق وملاحقة جرائم إيران” الذي تم إنشاؤه في فرنسا مقابل دولارات سعودية. وهذا الحرباء كان منذ قصير مسؤول الإعلام والاتصال في حزب جبهة التحرير الوطني بفرنسا ودافع بكل شراسة عن حزب السلطة على قناة فرانس 24 قبل أن يعتنق النفاق ويصبح معارض للنظام وخبير في حقوق الإنسان وصديق مقرب لأنور مالك وبوق لآل سعود. وقبل أن ننهي المقال …

“قنبلة” أخرى فجرها أنور مالك كهدية للقارئ

لا ننوي الإطالة أكثر و نذكركم بالضجة التي أحدثها المراوغ نوار عبد المالك عندما أعلن في 2012، بعد مسرحيته في سوريا وانسحابه من البعثة التي زارت سوريا والتي ادعى فيها كاذبا كعادته بأن نظام الأسد أراد إغوائه بالحسناوات السوريات في الفندق الذي يؤوي البعثة، عندما تعرض للضرب في فرنسا وصرح لأحدى القنوات الموالية للمال الخليجي بأن جهات ما (يعني استخباراتية كما يردد دائما) تنوي قتله وأنه تلقي رسائل تهدده (رسائل كتبها بنفسه بدون شك). هدفه بدون شك خلق بلبلة وجلب تعاطف الرأي العام معه.

والحقيقة أن الذي تشاجر معه ليس عميل سوري كا يوحي نوار عبد المالك وإنما صهره المقيم في فرنسا والذي شرح للرأي العام لتوه بأن أنور مالك كاذب ويريد إحداث ضجة إعلامية لخدمة صورته وأجندته التي توالي المال الخليجي. وفي الفيديو أدناه لقاء مطول مع صهره الذي قدم للرأي العام حقائق مذهلة عن شخصية نوار عبد المالك منذ وصوله لفرنسا ونترك للقارئ الحكم بنفسه. 

وللحديث بقية.

الجزائر نت

 

 

 

 


الجزائر المستقلة : نصف قرن من الصراع على السلطة (ج2)

بعدما تعرضنا في الجزء الأول لمسلسل الصراع على السلطة في الجزائر منذ الأيام الأولى للإستقلال إلى انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1989، نعرج في هذا الجزء الأخير على فترة “العشرية السوداء” ومجيء الرئيس بوتفليقة لسدة الحكم.

algerie-FIS_madani
زعيما الجبهة الإسلامية للإنقاذ عباسي مدني (يمين) وعلي بلحاج (شمال)

فرضت المظاهرات الشعبية على نظام الشاذلي القيام بإصلاحات سياسية أنهت عهد الحزب الواحد وسمحت للناشطين للمرة الأولى في تاريخ البلاد بإنشاء أحزاب سياسية تعكس التنوع الإيديولوجي للشارع الجزائري. وكرس دستور 1989 التعددية السياسية الموعودة وشرعت حكومة مولود حمروش في إصلاحات عميقة سمحت بتحرير قطاع الإعلام وفتحت المجال أمام الأحزاب السياسية الجديدة للتعبير عن برامجها وتطلعاتها. وبرز الإسلاميون بقيادة حزب “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” كأكبر قوة سياسية معارضة للحزب الذي حكم البلاد منذ الإستقلال (جبهة التحرير) مستفيدين من المعارضة الشعبية العميقة للحزب العتيد وتطلعات المواطنين لبديل ديمقراطي حقيقي لنظام الحزب الواحد. وسخر التيار الإسلامي بقيادة علي بلحاج وعباسي مدني أماكن العبادة لحشد الجماهير وتأليبها ضد النظام الحاكم. وكما كان متوقع فقد فازت “الجبهة الإسلامية” في الإنتخابات البلدية وأضحى من المتوقع فوزها في الإنتخابات التشريعية والرئاسية. وأراد الشاذلي الإستمرار في المسار الديمقراطي رغم الإضطرابات والمشادات التي يشهدها الشارع بسبب تخوف الإسلاميين من تراجع السلطة عن وعودها باستكمال المسار الإنتخابي. وزاد من حالة الإحتقان التي شهدتها البلاد اعتقال السلطات للزعيمين علي بلحاج وعباسي مدني في صائفة 1991 واستقالة حكومة مولود حمروش الإصلاحية.

وعبرت قيادة الجيش عن موقفها من الإسلاميين في إفتتاحية لمجلة الجيش أعلنت فيها بوضوح أن “قوات الجيش الوطني الشعبي لن تسلم مقاليد الحكم لمتطرفين يريدون إرجاع البلاد للعصور الوسطى”. وقللت دوائر السلطة من احتمال فوز الإسلاميين بالأغلبية في الإنتخابات التشريعية المقررة في ديسمبر/كانون الأول 1991 بإلإعتماد على “نظام التمثيل النسبي” الذي سيمنح الإسلاميين – حسب تقديراتها– 30 بالمائة من الأصوات على أكبر تقدير. وعلى غير المتوقع، فاز الإسلاميون في الدور الأول من الإنتخابات ب48 بالمائة من الأصوات مما أدى بالمراقبين للتكهن بفوزهم بالأغلبية المطلقة في الدور الثاني. وفي هذا الوقت خرج سعيد سعدي، الزعيم العلماني لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، في مسيرات مع أنصاره مطالبا قوات الجيش بالتدخل لإيقاف المسار الإنتخابي وتفويت الفرصة على الإسلاميين. أما حسين آيت أحمد، زعيم حزب القوى الإشتراكية، ولويزة حنون، رئيسة حزب العمال، فقد عبروا عن رغبتهم في استكمال المسار الإنتخابي مبررين تقدم الإسلاميين بعزوف جماهير عريضة عن الإنتخاب بسبب الإعتقالات والجو المشحون الذي تعيشه البلاد. وفي يناير/جانفي 1992 استقال (أو أُقيل) الرئيس الشاذلي من منصبه فاسحا المجال للسلطات بإيقاف الإنتخابات التشريعية (التي كاد الإسلاميون أن يحسموها لصالحهم) والتوجه بسرعة نحو انتخابات رئاسية.

boudiaf
الرئيس الراحل محمد بوضياف

وبعد إيقاف المسار الإنتخابي تم استدعاء محمد بوضياف، المناضل القديم الذي رفض الإنضمام لنظامي بن بلة و بومدين و الذي عاش في المنفى، لتوليته رئاسة البلاد. ولا يخفى على أحد مواقف بوضياف المعارضة للحكم الشمولي واستقلاليته التامة عن الأطراف المتصارعة على الحكم في الجزائر. لكن ذلك لم يمنعه من قبول تولي القيادة بسبب إدراكه للخطر الذي يداهم البلاد التي تمر بأوقات العصيبة بعد تعطيل المسار الإنتخابي. وفي خطوة منه لمعالجة الأسباب التي رمت بالجزائريين إلى أحضان الإسلاميين، قرر بوضياف معالجة المشكل الحقيقي الذي يعانيه البلد : الفساد. وفي الوقت نفسه بدأت الهجمات الإرهابية في استهداف قوات الأمن والمثقفين وبرز نجم الجيش الإسلامي للإنقاذ، الجناح المسلح للجبهة الإسلامية التي تم حظرها، الذي يستمد “مشروعه الجهادي” من الخطابات النارية التى ألقاها علي بلحاج قبل أعتقاله والتي برر فيها رفع السلاح ضد الدولة. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

وفي هذه الظروف الإستثنائية أعتقلت السلطة الحاكمة عشرات الآلاف من المتعاطفين مع الجبهة الإسلامية المحظورة وتعرض الكثير منهم للإختفاء القسري. و بدأ بوضياف في كسب التأييد الشعبي عن طريق “سياسة الأيادي النظيفة” التي أعتمدها كركيزة أساسية لإقامة دولة القانون والقضاء على الرشوة والإرهاب. لكن ذلك لم يرق بدون شك للطبقة الأوليغارشية المتحكمة في اقتصاد البلاد. في شهر جوان/حزيران 1992 توجه بوضياف لمدينة عنابة (شرق البلاد) لإلقاء خطاب جماهيري تعرض خلاله لعملية اغتيال شاهدها الجزائريون مباشرة على شاشات التلفزيون. وشكلت هذه الحلقة الدرامية في الصراع على السلطة في الجزائر ضربة قاضية لأحلام ملايين الجزائريين في إقامة دولة الحرية والعدالة التي أرادها ثوار ثورة نوفمبر الأوائل وعلى رأسهم محمد بوضياف. ووُجهت أصابع الإتهام لأحد المتعاطفين مع الإسلاميين من الحرس الرئاسي الذي أعترف بجريمته لكن العديد من المراقبين يعتقدون بأن أطرافا في النظام من الطبقة الأوليغارشية كانت غير راضية على سياسة الأيادي النظيفة التي انتهجها الرئيس دورا في أغتياله. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

وعُين علي كافي على رأس ما سمي “بالمجلس الأعلى للدولة” بالتزامن مع توجه البلاد نحو حرب أهلية فظيعة خلفت مئات الآلاف من الضحايا والمفقودين.

زروال
الرئيس الأسبق اليمين زروال

وتم استدعاء الجنرال اليمين زروال في شهر جانفي/يناير 1994 عى رأس المجلس الأعلى للدولة كحل وسط بين طرفي النظام الذين لا يمانعون من التفاوض مع الإسلاميين لدرأ الفتنة والإقصائيين الرافضين لأي تواصل مع أولئك الذين رفعوا السلاح ضد الدولة والذين يفضلون الطريقة الأمنية لسحق الإرهاب. وفور تعيينه سعى زروال للتقرب من الإسلاميين وقام بإطلاق سراح علي بلحاج وعباسي مدني زعيما الجبهة الإسلامية المحظورة. لكن حمام الدم لم يتوقف وأضحى على قائمة العناوين الصحفية في العالم خصوصا بعد المجازر المروعة المنسوبة للجماعة الإسلامية المسلحة الأكثر تشددا والتي راح ضحيتها الآلاف من المدنيين العزل في المناطق النائية. ولجأت السلطات لتسليح القرويين وتكوين مليشيات موالية للدولة ساهمت  في توجيه ضربات قاصمة للجماعات الإسلامية المسلحة لكنها – على غرار كل حرب أهلية – لم تكن بمنأى عن تجاوزات وعمليات ثأر راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء.

في هذه الظروف فاز اليمين زروال في الإنتخابات الرئاسية لعام 1995 فاسحا المجال لبعض الإسلاميين المعتدلين للحصول على بعض الحقائب الوزارية في الحكومة. ورغم عمليات التواصل المتقطعة مع الفصائل الإسلامية المسلحة في عهد زروال فإن مسلسل العنف بقي يراوح مكانه رغم إحراز القوات الحكومية تقدم مهم في الجبهات مدعومة بمليشيات الدفاع الوطني والرفض الشعبي المتنامي للفظائع التي ارتكبتها الجماعة الإسلامية المسلحة في حق المواطنين العزل و التفجيرات التي استهدفت الأماكن العمومية. وفي سبتمبر/إيلول 1998 فاجأ الرئيس زروال الجميع بإعلان تنحيه عن الحكم وإجراء انتخابات رئاسية مسبقة. وقد فسر العديد من المراقبين هذه الخطوة بالضغوط التي تعرض لها من أطراف في الجيش أرغمته على التنحي. وهذا فصل آخر من فصول الصراع السلطة في جزائر الإستقلال.

butaflika
الرئيس عبد العزيز بوتفليقة

وتقدمت للإنتخابات الرئاسية لعام 1999 العديد من الشخصيات المرموقة مثل مولود حمروش وحسين آيت أحمد وأحمد طالب الإبراهيمي بالإضافة إلى عبد العزيز بوتفليقة الذي أختفى عن المشهد السياسي منذ رحيل بومدين وقضى سنوات “العشرية السوداء” في الخارج. وسارع الملاحظون إلى التأكيد على أن بوتفليقة هو مرشح النظام وأنه لا جدوى من الترشح للرئاسيات بدون ضمانات لتجنب التزوير مما دفع بانسحاب المرشحين المنافسين الذي رأوا في الإنتخابات مجرد تمثيلية باعتبار أن بوتفيلقة قد تم اختياره بالفعل للمنصب. لكن ذلك لم يمنع بوتفليقة – المرشح الوحيد – من الفوز بالإنتخابات. واختصر هذا الأخير مشروعه الإنتخابي في ثلاث نقاط أساسية : إنعاش الإقتصاد وإيقاف مسلسل العنف واسترجاعه المكانة الدولية للبلاد التي تضررت بسبب عقد كامل من الحرب الأهلية. وحصل مشروع “الوئام المدني” على الأغلبية الساحقة في استفتاء عقد عام 1999 والذي تم بموجبه العفو عن الإسلاميين المسلحين مقابل تركهم للعمل المسلح وتم دفع تعويضات مالية لضحايا ما سمي “بالعشرية السوداء”. ومكن القانون ألاف من مسلحي الجيش الإسلامي للإنقاذ، الجناح المسلح للجبهة الإسلامية المحظورة، من إلقاء السلاح والعودة لذويهم. ورغم تراجع حدة العنف فإن جماعات محدودة تابعة لما يسمى “قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي” لازالت ترفض التراجع عن العمل المسلح.

ورغم تراجع العنف في بداية الألفية الجديدة، فإن العلاقة بين الشعب والسلطات الحاكمة بقيت متوترة ومن الصعب ترميمها. فقد شهدت منطقة القبائل مشادات عنيفة عام 2001 بين المواطنين المحتجين والشرطة بعد وفاة شاب على أيدي قوات الدرك. وقد تسببت المشادات في وفاة وجرح المئات من المواطنين. وقد دفعت الأحداث الرئيس بوتفليقة إلى إدراج اللغة الأمازيغية كلغة وطنية في الدستور في محاولة منه لتهدئة الشارع الأمازيغي. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

وتسبب إرتفاع أسعار النفط في السوق الدولية منذ مجئ عبد العزيز بوتفليقة لسدة الحكم في زيادة مداخيل الدولة مما مكن من الشروع في إنجاز مشاريع طموحة في البنية التحتية وزيادة الدعم للمواد الأساسية والأجور لتحسين مستوى المعيشة. لكن الفساد الذي انتشر في جميع أجهزة الدولة أفشل الكثير من المشاريع التنموية في البلاد وكشف عن هدر للمال العام لم يسبق له مثيل منذ الإستقلال. وتمكن الرئيس بوتفليقة من إبعاد منافسيه في دوائر القرار الواحد تلو الآخر وبسط سيطرة “مجموعة وجدة” على الحكم التي حكمت البلاد بيد من حديد في عهد أحمد بن بلة وهواري بومدين. وفاز بوتفليقة بأربع عهدات متتالية رغم كبر سنه وعجزه في السنوات الأخيرة بعد إصابته بجلطة دماغية أفقدته القدرة على الحركة. وهذا فصل آخر من فصول الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

ورغم الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد عام 2011 في غمرة الربيع العربي وانهيار العديد من الأنظمة الأوتوقراطية في العالم العربي تحت ضغط الشارع، فإن نظام بوتفليقة رفض بثقة تامة التراجع عن سياساته مستغلا تخوف الشعب الجزائري من عودة كابوس الإرهاب الذي لا يزال عالقا في الأذهان. وفي الوقت الذي تراجعت فيه أسعار المحروقات إلى النصف بسبب إغراق السوق العالمية بالذهب الأسود وتزايد إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة فإن الميزانية الجزائرية بدأت تسجل أول عجز لها منذ سنوات. ولجأت السلطة للمزيد من احتياطات النقد الأجنبي لدعم الميزانية وزيادة المساعدات الاجتماعية لتهدئة الشارع. لكن العديد من المراقبين يعتقون أن هذه الحلول الترقيعية لن تصمد طويلا إذا استمرت أسعار النفط في الإنخفاض بسبب اعتماد البلاد كليا على النفط لاستيراد حاجياتها الأساسية وضعف النشاط الصناعي والزراعي. كل ذلك ينذر بتواصل مسلسل الصراع على السلطة الذي تعيشه البلاد منذ الإستقلال و الذي أهدر فرص ثمينة للتمنية وإقامة دولة العدالة والحريات التي نادى بها بيان ثورة نوفمبر المجيدة. والسؤال الأهم لو استمرت أسعار النفط على حالها وعجزت الدولة عن دعم المواد الأساسية : فهل سيعيد التاريخ نفسه وهل نحن بصدد الرجوع إلى نفس الظروف التي أدت لانتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1988 ؟ فرجوع إيران المنتظر للسوق النفطية سيشكل ضغطا جديدا على الأسعار في السوق الدولية.

ولو عدنا للنقطة التي بدأنا منها هذا المقال، أي أحداث غرداية، لتيقنا أن الصراع وإن كان في ظاهره مذهبيا وعرقيا فإنه قبل كل شيء صراع على الأراضي والسكن والموارد الأساسية للحياة الكريمة بعدما ضاقت مدينة غرداية بقاطنيها الذين تعايشوا معا لقرون طويلة. أحداث غرداية تجسد صراع الجزائريين البسطاء فيما بينهم على الفتات الذي ألقته السلطات للشعب في شكل مساعدات للسكن والتجارة بعدما فشلت في توفير التمنية الحقيقية والحياة الكريمة لجيل الإستقلال. نتمنى أن يدرك أطراف النظام الحاكم حجم الضرر الذي لحق بالمجتمع بسب صراعهم على السلطة الذي جمد أي مشروع تقدمي تنموي يجنب الجزائريين الصراع فيما بينهم ويضمن لهم العيش الكريم. لقد ألتهم الصراع على الحكم نصف قرن من عمر الجزائر المستقلة وأهدر فرص عديدة للنهوض بالبلاد آخرها الطفرة النفطية التي شهدتها الجزائر منذ 15 عاما والتي لو تم اغتنامها واستثمارها في مشاريع إنتاجية مدروسة لتحولت الجزائر إلى مصاف الدول الناشئة على غرار الهند والصين والبرازيل… وللحديث بقية.

الجزائر نت
 

الجزائر المستقلة : نصف قرن من الصراع على السلطة (ج1)

independance-dz
مشهد عن احتفالات الجزائريين بالإستقلال عام 1962

منذ اندلاع أحداث مدينة غرداية الأخيرة التي راح ضحيتها عشرات المواطنين – والتي تم تسويقها للرأي العام المحلي والدولي كأحداث عنف ذات دوافع طائفية وعرقية – أصبح الحديث عن المصير المجهول الذي ينتظر البلاد أكثر واقعية من أي وقت مضى. الصراع في غرداية والذي يجسد ميدانيا قبول البعض “بإقتتال الجزائريين” لأجل مصالح ضيقة يبين مدى هشاشة الحس الوطني والتأخر الرهيب الذي تعيشه البلاد في مختلف المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية بعد أكثر من نصف قرن من الإستقلال. كما يبين فشل وارثوا ثورة نوفمبر المجيدة في تحرير الشعب بعدما نجحوا في تحرير البلاد وفشلهم في إعداد جيل قادر على تجسيد الإستقلال الوطني الحقيقي وإرساء دولة القانون والحريات. لا نعتقد أن ثوار 1954 كانوا يريدون طرد المحتل لإقامة جزائر كجزائرنا اليوم، جزائر يتقاتل فيها الجزائريون على السلطة والثروة والمذهب والعرق والقبيلة. ثورة نوفمبر كانت في الأساس لاسترجاع شرف الجزائريين وهويتهم وحريتهم التى داس عليها الإحتلال الفرنسي منذ عام 1830 وهذا ما فشلت في تحقيقه الحكومات المتعاقبة منذ الإستقلال. 

دعونا نعترف أننا لحد اليوم لم ننجح في استرجاع شرفنا رغم رحيل قوات الإحتلال منذ عشرات السنين. لماذا ؟ بسب الصراع غير النزيه على السلطة وانفراد البعض بها لأجل مصالحهم الضيقة. فما وصلنا إليه اليوم ليس وليد عهد بوتفليقة فحسب، بل نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية تمتد لأكثر من نصف قرن من عمر الدولة الجزائر المستقلة. دعونا نعود للجزائر عشية استقلالها حتى نفهم أسباب الفشل الذي نعيشه اليوم الذي أرسى اليوم عوامل الكراهية والصراع بين الجزائريين بمختلف أطيافهم بعدما كانوا البارحة يدا واحدة ضد المحتل الأجنبي.

Ben_bella_and_Boumediene
الزعيمان هواري بومدين (يمين) وأحمد بن بلة (يسار)

ففي عام 1962 الذي نالت فيه الجزائر استقلالها – بعد ثورة مسلحة دامت ثماني سنوات و 132 من الإحتلال الفرنسي- طُرح مشكل “شرعية” السلطة المنبثقة عن فصائل جبهة التحرير الوطني المختلفة. لا أحد نفي أن هناك خلافات في صفوفها وهو يمتد إلى سنوات الثورة التي شهدت انقسامات في صفوف الثوار تم لحسن الحظ تجاوزها لإنجاح الثورة التحريرية وصد العدو الأجنبي المشترك. فقد رفض الكولونيل هواري بومدين، زعيم هيئة الأٍركان العامة لجيش التحرير الوطني، وآخرون اتفاقيات إيفيان بسبب ما اعتبروه تنازلات غير مقبولة من الحكومة الجزائرية المؤقتة لصالح الجانب الفرنسي.

ومنذ ذلك الحين شرع بومدين في التخطيط للإستيلاء على جبهة التحرير الوطني (والسلطة) بعد أن وضعت الحرب أوزارها. ولتحقيق ذلك بعث الشاب المقرب منه عبد العزيز بوتفليقة إلى فرنسا لإقناع محمد بوضياف الذي كان يقبع في السجن بالإنضمام لجماعة بومدين لكن دون جدوى. للإشارة فإن بوضياف تم القبض عليه من طرف قوات الإحتلال عام 1956 مع أعضاء من “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” المنبثق عن مؤتمر الصومام – منهم محمد خيضر وحسين آيت أحمد وأحمد بن بلة – بعدما تم تحويل الطائرة المغربية التي كانوا يستقلونها في طريقهم للقاهرة إلى تونس. وقد تم إطلاق سراح زعماء جبهة التحرير المسجونين في فرنسا بعد عقد اتفاقيات وفق إطلاق النار في 19 مارس 1962. وبعد رفض بوضياف وحسين آيت أحمد الإنضمام لمعسكر “جماعة وجدة” توجه بوتفليقة لأحمد بن بلة وقد لقى ترحيبا من هذا الأخير أنتهى بقبوله التحالف مع بومدين.

وقد عكس مؤتمر طرابلس في ماي 1962 الإنقسامات العميقة في صفوف الزعماء الجزائريين الفاعلين حول مستقبل البلاد. وقد تم الاتفاق على تبني الإشتراكية كإيديولوجية رسمية للدولة الجزائرية الفتية وجعل جبهة التحرير الوطني التي قادت الكفاح المسلح كواجهة سياسية لنظام الحزب الواحد. ووصل الصراع حول الزعامة إلى أشده عندما رفض أعضاء الحكومة الجزائرية المؤقتة ترشيح أحمد بن بلة للرئاسة ودخولهم التاريخي إلى الجزائر العاصمة في الرابع من شهر جويلية/يوليو 1962 باعتبار أن الحكومة المؤقتة هي الممثل الشرعي للشعب الجزائري وهي التي تفاوضت مع الجانب الفرنسي وحصلت على اعتراف المجتمع الدولي. وبعد عودته للجزائر حصل بن بلة على دعم المناضل فرحات عباس رئيس الحكومة المؤقتة وشرع في إقصاء الأعضاء المناوئين له (محمد بوضياف وحسين آيت أحمد على الخصوص)  وقد عمل المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني في تلمسان على “شيطنة” الإدارة السياسية للحكومة المؤقتة ورفض “شرعيتهم الثورية”. وهذه أولى حلقات الصراع على السلطة في غمرة الإحتفالات بالإستقلال. وهكذا توالت المواجهات الدامية في الجزائر العاصمة بين مختلف فصائل “الولايات التاريخية” التي خاضت القتال ضد الجيش الفرنسي والتي أضحت متنافسة فيما بينها لأجل السلطة. وفي بداية شهر أوت/أغسطس 1962 دخل بن بلة وأنصاره بالقوة للجزائر العاصمة مدعومين بقوات العقيد بومدين وقد خلفت تلك المواجهات مئات القتلى من المواطنين الجزائريين. وكما يقول الحقوقي الجزائري علي يحي عبد النور، “فالثورة لا يملكهما من أشعلوها بل أولئك الذين أنهوها وسيطروا عليها باعتبارها غنيمة”.

هواري بومدين
الرئيس السابق هواري بومدين

وبعدما تم التحكم شيئا فشيئا في الفوضى التى سادت الجزائر العاصمة غداة إعلان الاستقلال تم تعيين فرحات عباس على رأس المجلس الوطني الجزائري وإعلان قيام “الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية” و انتخاب أحمد بن بلة كأول رئيس للبلاد. وحال تسلمه منصبه بدأ الرئيس في تطبيق الإيديولوجية الإشتراكية التي نادى بها بومدين وجعل اقتصاد البلاد تحت هيمنة الدولة. لكن أسلوبه الأتوقراطي في الحكم دفع بالكثير من الشخصيات الوطنية إلى التخلي عنه والتحول لمعارضين نذكر منهم محمد بوضياف ومحمد خيضر وفرحات عباس. ورد  الرئيس بن بلة ووزير دفاعه بومدين  بمنع الجمعيات والأحزاب وقمع كل أشكال المعارضة السياسية. وبناءا على ذلك تم إلقاء القبض على حسين آيت أحمد و الحكم عليه بالإعدام بسبب انتقاداته اللاذعة لنظام بن بلة الذي لا يعترف بالتعددية السياسية. لكن الرئيس الأوتوقراطي بدأ يفقد شيئا فشيئا ثقة الجيش فيه بقيادة هواري بومدين. وقد أكتشف بومدين بأن بن بلة ينوي تنحية حليفه القوي عبد العزيز بوتفليقة الذي كان يشغل منصب وزير في الحكومة وبأنه ربما سيحين دوره بعد ذلك. عندئد قام بومدين بإيحاء من بوتفليقة بتدبير انقلاب عسكري استباقي، أو كما يسميه أنصاره “التصحيح الثوري”، ضد نظام بن بلة في 19 جوان/يونيو 1965 مكنه من الاستيلاء على السلطة وبذلك تمكن الحليفان القديمان بومدين (الرئيس) وبوتفليقة (وزير الخارجية) من البقاء في دواليب الحكم حتى عام 1978. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

وحرص نظام بومدين الثوري على إعادة الجيش الوطني الشعبي – سليل جيش التحرير الوطني – إلى الواجهة وتحويله لجهاز للتسيير باعتباره السلطة الحقيقية في البلاد. ويشير المراقبون أن نظام بومدين كان أكثر أتوقراطية وديكتاتورية من نظام بن بلة الذي سبقه إذ اعتمد بشكل كبير على الشرطة السياسية لملاحقة المعارضين الذين قادوا الثورة التحريرية وقمعهم وإقصائهم من الحياة السياسية. وقد دفع محمد خيضر ثمن ذلك إذ اغتيل في مدينة مدريد الإسبانية عام 1965. واتسم عهد بومدين الإشتراكي بقرارات جريئة لتطوير الإقتصاد الوطني عن طريق ما سمي “بالثورة الزراعية” في القطاع الفلاحي وإقامة الصناعات الثقيلة المكلفة وسياسات أخرى ذات بعد ثقافي تسعى لإعادة الإعتبار للغة العربية في المدرسة والإدارة عن طريق “سياسة التعريب” بالموازاة مع تهميش المكون الآخر للهوية الجزائرية : اللغة والثقافة الأمازيغيتين. ولاشك أن نظام بومدين حصد الكثير من المؤيدين في الأوساط الشعبية بسبب إنجازاته الاقتصادية في الداخل ونجاحاته السياسية في الخارج في إطار حركة عدم الإنحياز ودعمه اللامشروط للحركات التحررية في العالم.

1-Chadli+Bendjedid
الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

لكن وفاة الرئيس المفاجئة في 1978 وضعت البلاد في أزمة إذ أن نظام بومدين الأوتوقراطي لم يترك أي آلية واضحة لانتقال الحكم. وإن لم يكن متوقعا أن يقع الاختيار على شخص غير معروف كالشاذلي بن جديد لتسلم منصب رئيس الجمهورية، فأن مؤتمر جبهة التحرير أختار بوضوح عقيد جديد لخلافة العقيد الراحل معززا دور العسكر في الحياة السياسية. وقد اعترفت شخصيات وطنية عايشت الحدث أن قاصدي مرباح، وزير المخابرات في عهد بومدين، هو الذي أختار من سيخلف الرئيس الراحل. واستهل الرئيس الشاذلي الحكم بإجراءات ملموسة لطي صفحة بومدين بإطلاق سراح السجناء السياسيين منهم فرحات عباس وأحمد بن بلة وإبعاد حليف بومدين القديم : عبد العزيز بوتفليقة. بعد ذلك توجه الشاذلي نحو تحرير الاقتصاد مما أثار شهية أطراف في السلطة تسعى للاستحواذ بالدينار الرمزي على المنشآت الصناعية التي خلفها نظام بومدين مستفيدة من الفساد الذي عم كل مفاصل الدولة. وأدى ذلك لبروز طبقة أوليغارشية شديدة الثراء في الوقت الذي يعاني فيه عامة الشعب من تدهور المستوى المعيشي جراء انهيار أسعار النفط وعجز الدولة عن توفير الحاجيات الأساسية للمواطنين.

من جهة أخرى شهدت سنوات الثمانينات بروز طبقة اجتماعية متعلمة وجماعات ذات خلفيات إيديولوجية مختلفة تنادي بإنهاء حكم الحزب الواحد والتوجه نحو التغيير الديمقراطي في البلاد. لكن النظام الحاكم رد بعنف ضد المعارضين بدءا بقمع حركة “الربيع الأمازيغي” (1980) المطالبة بإعتراف الدولة بالثقافة واللغة الأمازيغيتين ثم اعتقال المعارضين الآخرين للنظام بمختلف توجهاتهم الإيديولوجية. ولقطع الطريق أمام الناشطين اليساريين في أوساط الشباب الذين نشأوا في عهد بومدين تمت المصادقة على “قانون الأسرة” (1984) المثير للجدل والذي يعتبره المراقبون خطوة مهمة لدعم تيار المحافظين الإسلاميين. وتم بعد ذلك السماح للإسلاميين بالتغلغل في المجتمع عن طريق المساجد والمدارس والجمعيات الخيرية في الوقت الذي يتعرض فيه اقتصاد البلاد لأزمة عميقة بسبب تراجع أسعار النفط في أواخر الثمانينات. وفي هذه الظروف اندلعت المظاهرات الشبابية في أكتوبر/تشرين الأول 1988 وعمت مختلف أنحاء البلاد منذرة باندلاع “الربيع الجزائري” قبل عقود مما سمي “بالربيع العربي”. واغتنم الإسلاميون الفرصة وانضموا للمظاهرات التي خلفت المئات من الضحايا. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

نتناول في الجزء الثاني مسلسل الصراع على السلطة في الجزائر منذ سنوات التسعينات إلى عهد عبد العزيز بوتفليقة.

الجزائر نت

’’الأمة العربية‘‘، هذا الكيان الخرافي

“الأمة العربية”، عبارة نسمعها كثيرا لما يتعلق الأمر بهذا الإنتماء الحضاري لأمة افتراضية مجروحة يقول أنصارها بأن الإستعمار الغربي هو الذي فتتها ثم خرج ليتركها أوطانا مقسمة وضعيفة يديرها أمراء وعساكر موالون للمستعمرين القدامى. البعض يلقي باللوم على الدولة العثمانية التي كرست لقرون طويلة إقصاء “العرب” من شرف قيادة دولة الخلافة الإسلامية. اخبار-الامة-العربية-620x330لذلك يرى المؤرخون أن الثورة العربية الكبرى (1916-1918) التي أعلنها الحسين بن علي الهاشمي، حاكم مكة آنذاك، ضد الدولة العثمانية بالتعاون مع الإنجليز والفرنسيين تؤسس للقومية العربية المعاصرة كتيار إيديولوجي يريد إيقاظ أمجاد العرب و”تحرير” بلادهم من النفوذ العثماني. وبالتوازي مع الإنتصارات التي حققها الحسين بن علي ضد العثمانيين ارسلت بريطانيا جيشها المرابط في مصر لاحتلال فلسطين بالتعاون مع العرب الذين سئموا على ما يبدو سياسة “التتريك” العثمانية. وفي هذا الوقت عقدت بريطانيا مع فرنسا اتفاقية سايكس-بيكو لتقاسم النفوذ في المنطقة ونصبوا الملوك الهاشميين العرب الموالين لهم (والمعادين للعثمانيين) في المنطقة قبل أن يقدموا ما سُمي وعد بلفور للحركة الصهيونية يقضي بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، آخر الأراضي التي تم انتزاعها من الإمبراطورية العثمانية المتهالكة وبمساعدة “القوميين العرب”.

وكما أوردنا، فالقومية العربية التي أطلق شرارتها الهاشميون من مكة ضد العثمانيين اشتد عودها بعد الحرب العالمية الثانية ولكن هذه المرة ضد الإمبريالية الغربية بعدما أدرك العرب خطأ تحالفهم مع مستعمريهم للإطاحة بالعثمانيين. وانبثق من الحركات التحررية زعماء عرب قوميين من أمثال عبد الناصر في مصر وبومدين في الجزائر وصدام في العراق والأسد في سوريا، الخ. وكما رضي الهاشميون في أوائل القرن العشرين ببضع كراسي ملكية تحت هيمنة الإمبرياليين الغربيين، استغل القوميون الجمهوريون سعي الشعوب للتخلص من النفوذ الغربي للسطو على السلطة وتهميش وقمع معارضيهم في الداخل. ثم واصلوا سعيهم لتحرير هذه “الأمة العربية” بإقامة تحالفات مع المعسكر الشرقي (الأجنبي) لمواجهة الإمبريالية الغربية كما تحالف القوميون الأوائل مع فرنسا وبريطانيا (أجانب أيضا) لوضع حد للنفوذ العثماني.

وبعد عقود من المشاريع الفاشلة و الحروب الخاسرة والنزاعات بين العرب أنفسهم وتحالف بعضهم مع نفس الإمبرياليين للإطاحة بآخر الأنظمة القومية العربية في العراق وليبيا سوريا خرجت موضة التيار “العروبي الإسلامي” للضحك مرة على ذقون العرب من مماليك الخليج الذين كما فعل الهاشميون قبل قرن من الزمان، في أول “خلافة عربية ” لهم من مكة، قبل أن يطردهم الوهابيون-السعوديون في عشرينات القرن الماضي لإنشاء الدولة السعودية الثالثة القائمة إلى اليوم على تحالف رجال الدين الوهابيين وآل سعود العروبيين والقوى الغربية والتي تسعى لزعامة ما سموه “الأمة العربية السنية”. والقاسم المشترك بين كل زعماء التيار العروبي القومي منذ قرن من الزمان هو سعيهم للتحالف مع القوى الخارجية لتدعيم حكمهم وتوريثه وقمعهم لمعارضيهم وهذا كله باسم “الأمة العربية” الموعودة وربما ذلك سبب فشلهم. إذا بدلا من توجيه الشعوب نحو التحرر داخليا والإنعتاق من الهيمنة الغربية والشرقية على حد سواء، سقط القوميون العرب في فخ “حب السلطة” وقمع بني جلدتهم بالتعاون مع أعداء “الأمة العربية” الموعودة. وها نحن نرى اليوم نتيجة التيارات القومية التي تتغذى على الوعود بتكوين “كيان خيالي” يجمع الشعوب العربية قبل أن تستيقظ على الواقع المر الذي نعيشه اليوم.

على الرغم من ذلك لازلنا نسمع أصوات تتكلم باسم الأمة العربية وتأمل في تحقيق مشروع حضاري عابر للحدود تتقاسم فيه الشعوب اللغة و العادات والمصير المشترك تارة باسم القومية العربية وأحيانا تحت مظلة الدين. الواقع أثبت ان هذا الكيان المسمى الأمة العربية لا وجود له في الواقع : كيف نتحدث عن الأمة العربية ونحن نرى ان الدول التي تنتمي لها تتبادل العداء وتتحالف مع القوى الخارجية ضد بعضها البعض؟ كيف نتحدث عن أمة عربية من المغرب للمشرق والأسلاك الشائكة تفصل بين المغرب والجزائر ومصر وغزة والسعودية والعراق واليمن؟ ما هذه الأمة العربية التي تتحارب دولها فيما بينها وتدعوا القوى الغربية للتدخل فيها؟ من دفع الناتو للتدخل العراق ثم في ليبيا؟ من دفع الناس في سوريا لحمل السلاح ضد بعضهم البعض؟ من أفتى للقاعدة وداعش للإطاحة بالأنظمة “الكافرة” ؟ أين هذه الأمة عندما تدخلت السعودية بطائراتها في اليمن وقتلت وجرحت الآلاف؟ ما مصير هذه الأمة التي ترفض الديمقراطية وتدعم الانقلاب في مصر لإقامة نظام عسكري قمعي يتشدق بالعروبة؟ أين هذه الأمة العربية من المآسي الفلسطينية والسورية والعراقية والليبية؟ لماذا لا تساعد هذه الأمة في إيجاد حلول بالحوار وتستقبل القليل من اللاجئين المشردين بدلا من تركهم يموتون غرقا في قوارب الموت المتجهة لأوروبا؟ هذه ليست أمة متماسكة بالمعنى المتعارف عليه بل مجرد أنظمة غير شرعية متناحرة تابعة للقوى الخارجية تتشدق بالعروبة وأحيانا بالدين للضحك على شعوبها وابتزازها بحلم الوحدة القديم والذي كان ولا يزال أداة للديكتاتوريين العرب لإلهاء شعوبهم وحكمهم بالحديد والنار.

لتحقيق حلم “الأمة العربية” ينبغي برأينا الشروع أولا في إقامة دول عربية ديمقراطية “قابلة للحياة” تقبل بالتعدد العرقي و اللغوي والديني والثقافي قبل التفكير في تكوين كيان موحد عابر للقارات. الديكتاتورية غير قادرة على تحقيق الوحدة في البلد الواحد فكيف لها أن تؤسس لمشروع أمة؟ دعونا ننظر على مشروع “إتحاد المغرب العربي” ، ما الذي تم إنجازه لصالح الشعوب المغاربية منذ تأسيسه؟ لا شيء. وكذلك الأمر بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي الذي لا يعدوا سوى آلية لحماية عروش مشيخات النفط. هذه الكيانات الورقية غير مجدية لأنها مجرد تجمع لديكتاتوريات تابعة للقوى الخارجية ولا تملك قراراتها. لماذا لا ننظر إلى تجربة الإتحاد الأوروبي الذي على الرغم من الفوارق اللغوية والثقافية تمكن من تكوين هوية أوروبية تؤمن بالمصير المشترك. قيام هذا الكيان جاء بعد حروب مريرة كنتيجة حتمية لتيارات القومية والفاشية التي وصلت للحكم في القرن الماضي. لكن الأوروبيين أدركوا بعدها أن بناء كيان أوروبي عابر للحدود يشعر فيه المواطن بالانتماء لأوروبا الجديدة لا يمكن أن ينجح بدون ديمقراطية وما تعنيه من سلام ورقي و حرية الرأي والتنقل والإستثمار والعدالة النزيهة، الخ. ولهذا فإن انضمام أي بلد إلى الإتحاد الأوروبي مرهون باحترام هذه المبادئ الأساسية التي غابت للأسف عن كل القوميين العرب.

وخلاصة القول أن مشروع الأمة العربية الذي رفعه الزعماء منذ ما يقرب قرنا من الزمان لا يعدوا أن يكون مجرد إيديولوجية سياسية للكذب على الشعوب وللسطو على للسلطة واحتكارها وقد أثبت التاريخ ما نقوله إذ فشل جميع القوميون العرب في تحقيق حلم الأمة العربية بعدما قمعوا شعوبهم وتآمروا على بعضهم البعض وتحاربوا فيما بينهم وتحالفوا مع أعداء هذه الأمة. وإن كان التيار القومي العربي الفاشل في أساسه علماني لا يعترف بالفوارق الدينية، فإننا نرى اليوم بزوغ نجم مشروع قومي عربي جديد يسخر الدين لزعامة كيان جديد يدعى “الأمة العربية الإسلامية” يتنازع حوله الإسلاميون المتطرفون بمختلف مشاربهم ويعدون أنصارهم بخلافة عربية-إسلامية لا تعترف بالأقليات (داعش كمثال حي). وبدون شك سيكون هذا المشروع أسوء من سابقيه إذ بالإضافة إلى تهديده للتنوع المذهبي والعرقي فإنه يحرم دينيا الديمقراطية ويلغي حق الشعوب في اختيار زعمائها. وكسائر الإيديولوجيات الفاشية غير الديمقراطية، فإن مآل مشاريعها هو المزيد من التشرذم والضياع للعرب. وإذا أثبتت الديمقراطية أنها حجر الأساس لتحقيق الوحدة الوطنية والرقي والعدل في البلد الواحد، فلماذا يصر القوميون العروبيون والإسلاميون على الديكتاتورية لإقامة كيان عابر للأوطان؟

الجزائر نت

لماذا تخلفنا نحن بينما هم يتطورون؟

تكثر التفسيرات عندما يتعلق الأمر بأسباب تخلف البلدان العربية في جميع المجالات على الرغم من ثرائها وتوفرها على طاقات بشرية هائلة. جميع الأقطار العربية، وبدرجات متفاوتة، هي بلدان متخلفة لا يطيق العيش فيها إلا المقربون من السلطات الحاكمة أو المنتفعين منها. وعندما نتحدث عن التخلف فإننا لا نقصد فقط الجانب المادي من سكن وصحة وشغل، بل نعني أيضا البيئة المعيشية والأمن والحريات العامة وكلها عوامل أساسية للشعور بالحياة السعيدة. صورة

المتدينون من الناس يقولون أن السبب في ذلك بكل بساطة هو تخلينا عن الدين وأنه لا مجال للتطور طالما أن الناس لم يرجعوا “للدين الصحيح” ودليلهم في ذلك أن العرب والعجم بنوا حضارة راقية عندما كانوا متدينين وما إن تركوا دينهم حتى تكالبت عليهم الأمم. يبدوا هذا الطرح جذابا للوهلة الأولى لكنه سرعان ما يصطدم بالواقع المعيش وهو أن التدين – بمفهومه التعبدي – لا يمطر أموالا بل ينبغي على الإنسان التشمير على سواعده لجلب قوت يومه. ثم أن الكثير من البلدان العلمانية في عصرنا هذا تطورت بدون تدين. دعونا نبقى في العالم الإسلامي، أيهما أكثر تدينا السعودية أم تركيا؟ السعودية بدون شك. فلماذا تتطور تركيا في جميع المجالات بدون أية موارد نفطية بينما لا تجد السعودية ما تفعل بمواردها من المحروقات ولم تجد حلولا للفقر والبطالة وأزمة السكن ؟ والشيء نفسه في الجزائر إذ بالرغم من الثروات الهائلة والأراضي الشاسعة واليد العاملة الشابة لا يزال البلد غير قادر على توفير منتوج البطاطا لمواطنيه. هل ينقصنا تدين ؟ لا. أعتقد أن مشكل التخلف الذي نعانيه لا يعود للدين بمعناه التعبدي.

بعض الناس “الوطنيين” يبررون التخلف الذي نعانيه، في الجزائر على الخصوص، بالتركة الإستعمارية الثقيلة إذ عانت البلاد لقرون من السياسات العنصرية الإستعمارية التي حرمت أجيالا من التعليم كما أن الإقتصاد الوطني كان منهارا بعيد الاستقلال وزاد الأمر تعقيدا هجرة اليد العاملة الأوروبية المدربة التي كانت تتحكم في الإقتصاد إبان الإستعمار. هذا التفسير قد يبدوا مقنعا إذا تكلمنا عن فترة الستينات والسبعينات لكنه لا يصلح لتبرير وضعنا الحالي بعد أكثر من 50 عاما من الإستقلال. فدول ككوريا الجنوبية وماليزيا تمكنت من تغيير جذري لوضعها الإقتصادي والإجتماعي في بضعة عقود وانتقلت إلى مصاف الدول الراقية. فلماذا لم نتمكن نحن، رغم مواردنا الطبيعية الهائلة، من توفير السلة الغذائية للشعب الجزائري ولازلنا نستورد كل احتياجاتنا من أوروبا وكندا و الصين ؟ في أكثر من نصف قرن من الإستقلال لم ننجح إلا في شيء واحد : تصدير النفط الخام وإستيراد كل شيء. بعبارة أخرى، إننا لم ننجح في استثمار استقلالنا لتطوير أنفسنا وبلادنا وها نحن نعلق فشلنا على شماعة الإستعمار. أليس كذلك؟

أما “اليائسون” فيرمون بالمسؤولية على الشعب قائلين أنه “كسول” لا يحب العمل ويسعى للربح السريع بلا تعب ولهذا يلجأ للطرق غير المشروعة للكسب. صحيح أن الكثير من الناس في الجزائر على وجه المثال يرفضون العمل في الفلاحة والأعمال اليدوية  ولكن البيئة الإقتصادية في بلادنا لا تسمح على كل حال بالكسب المشروع إذ تغيب الشروط الأساسية للمنافسة الحقيقية. فالعديد من المحاصيل الفلاحية تترك في المزارع بسبب انخفاض سعر المنتوج في السوق وانعدام وسائل التخزين ناهيك عن المنافسة الشديدة من المنتوجات الأجنبية المستوردة. والحال نفسها بالنسبة للمنتجين الصناعيين الذين يعانون من منافسة المنتوجات الأجنبية والعراقيل التي تضعها الدولة أمام التصدير إضافة للضرائب الباهضة. وباختصار فالبيئة الإقتصادية لا تشجع على العمل والإنتاج بل على “الكسل” وانتظار إعانات الدولة. ولهذا فرمي المسؤولية على عاتق الشعب خطأ فادح إذ أنه هو بنفسه ضحية السياسات الفاشلة.

إلا أن آخرين يعتقدون أن التخلف الذي نعيشه تتحمل مسؤوليته السلطات الحاكمة التي “تداولت” (أو لم تتداول أبدا) على الحكم منذ الإستقلال. ما الذي منع أنظمة بن بلة وبومدين والشاذلي وبوتفليقة من النهوض بالبلاد ؟ حسنا، قد يقول البعض بأنهم ليسوا أكفاء وكلهم حاولوا بطريقتهم الخاصة ولم يفلحوا في إيجاد حل لجعل الجزائر بلدا “قابل للحياة”. أصحاب نظرية المؤامرة يقولون بأن القوى الغربية تمنعنا من التطور عن طريق الحكام الفاقدين للشرعية. هذا صحيح لحد ما، فالبلدان الديمقراطية لا تهتم سوى بمصالح مواطنيها فإن وجدت أنظمة فاسدة تتعامل معها فإنها ستفعل طالما أن مصالحها مضمونة. لكنها بالمقابل لا يمكنها أبدا منع شعب من تنصيب سلطة ديمقراطية تحافظ على مصالحه إن هو أراد ذلك. وهذا هو بيت القصيد، ففي الأنظمة الديمقراطية الحاكم يُنتخَب لأجل برنامج إقتصادي واجتماعي وعد به شعبه ولفترة زمنية محددة. فإن أفلح في تنفيذه سينتخب مرة أخرى وإن فشل سيترك منصبه لسياسي وشروع آخر وهكذا. المنافسة بين البرامج السياسية هي وحدها الكفيلة بالكشف عن الوصفة السحرية للتطور. ثم أن النظام الديمقراطي يحارب الرشوة والمحسوبية ويوفر بيئة أمثل للإستثمار ويضمن حيادية الدولة ودفاعها عن المصالح العامة. هذا هو أساس تطور الأمم. أما نحن فلا يزال الرئيس المريض في سدة الحكم منذ 15 عاما وقد جرب (أو لم يجرب أبدا) كل السبل بلا فائدة. وبدلا من ترك المسؤولية لشخص آخر فإنه لا يزال متشبثا بالحكم وها نحن نخسر سنوات من عمر البلد ولم نفعل شيئا وهاهم الشباب الأكفاء يغادرون البلد ومن لم يغادر سيبقى بلا مسؤولية و بلا عمل.

سبب تخلفنا ليس ديني أو استعماري كما لا يعود لطبيعة الشعب وإنما لغياب الديمقراطية التي تحاسب المسؤول أمام مواطنيه قبل أن يحاسبه خالقه. النظام الشمولي غير الشرعي السائد عندنا جربته الأمم المتحضرة قبلنا وتركته لأنه يعني غياب الحريات العامة، انعدام الشفافية، انتشار الفساد، غياب آليات الرقابة، احتقار الشعب، سرقة المال العام، الفقر، عدم الإستقرار، الإرهاب، التبعية للخارج، الخ. وكل ما نعانيه اليوم هو أننا لم نتجاوز بعد مشكلة التداول السلمي على السلطة ولا يزال المستبدون في الألفية الثالثة يستميتون في الحفاظ على كراسيهم وقهر شعوبهم. ولذلك فإن تخلف البلاد من تخلف حكامها الفاقدين للشرعية. أليس هم في الحقيقة المُتخلفون؟ 

الجزائر نت

اغتصاب الجماهير العربية بالدعاية السياسية والدينية

عنوان المقال يذكر المختصين في تاريخ البروباغندا السياسية بكتاب الباحث الشهير “سيرج تشاكوتين” (Sergei Chakhotin)، البيولوجي وعالم الإجتماع الألماني من أصول روسية، المناهض للنازية الذي ألف كتابه الشهير حول “اغتصاب الجماهير بالبروباغندا السياسية” قبيل الحرب العالمية الثانية والذي تمت مصادرته على الفور في فرنسا وألمانيا. حاول تشاكوتين في هذا المرجع الكلاسيكي لعلم النفس الاجتماعي تفكيك آليات الدعاية السياسية التي يتم عن طريقها إخضاع الجماهير الأوروبية وتحريضها لاعتناق الأفكار الفاشية وتمجيد القادة والزعماء النازيين رغم إضرارهم بمصالح شعوبهم. بعد أكثر من نصف قرن تحولت شعوب أوروبا من أمم متناحرة مليئة بالكراهية إلى أكثر البلدان تحضرا وانفتاحا وسكت إلى غير رجعة الإعلام الدعائي الذي حشد الجماهير وراء الإيديولوجيات الفاشية. في أيامنا هذه، الشعوب العربية أحوج ما تكون لمن يزيل الستار عن الدعاية الدينية-السياسية التي “أغتصبت” الجماهير وحولتها إلى حشود متخلفة وعنصرية متناحرة، تنتشر فيما بينها خطابات الكراهية والإقصاء والإرهاب ويتحكم فيها رجال الدعاية من العسكر والزعماء و “الكهنة” من رجال الدين المتحالفين معهم.

الفاشية تبدأ عندما يعتقد طرف أنه يملك الحقيقة المطلقة وأنه ينوي “إبادة” خصومه باعتباره الممثل الشرعي الوحيد للدين أو السياسة. والمجتمعات العربية اليوم تسير في هذا الإتجاه “الإنتحاري” إذ تجند الأنظمة الديكتاتورية جيشا من الإعلاميين المأجورين والمشايخ “الكهنة” الذين يشرعنون الديكتاتورية السياسية والدينية وينشرون الكراهية والإقصاء الديني والسياسي في المجتمع. ولعل ظهور حركات فاشية كتنظيم الدولة “داعش” أو القاعدة لخير دليل على انهيار المجتمعات العربية والإسلامية واستسلامها للدعاية التي ترى في مشروع “الديكتاتورية الدينية”، التي يسمونها “خلافة” لإغراء الجماهير، حلا مثاليا للخروج من التخلف والضياع الذي تعيشه كل المجتمعات العربية. ولو انتصار البروباغندا السلفية الجهادية لما تمكنت الحركات الإرهابية الأصولية من التوغل في أوساط الجماهير وتجنيد أجيال من الجهاديين الذين يموتون في سبيل مشروع سياسي ديكتاتوري مزين بالفتاوى الدينية. بالمقابل تستعمل الأنظمة الشمولية العربية الدعاية السياسية لإقناع الجماهير بضرورة الإنصياع للمستبدين المتبججين بالوطنية والقومية والذين لا يقبلون بمبدأ التداول السلمي على السلطة.

ففي الديكتاتوريات الدينية، كالسعودية مثلا، يتم اغتصاب الجماهير عن طريق الدعاية في وسائل الإعلام التي يحتكرها أل سعود وحلفائهم من مشايخ الوهابية. ولاقتناعهم بتنوع أذواق الجماهير يسعى هؤلاء لتنويع موادهم الدعائية للمتدينين السلفيين وللعلمانيين على حد سواء. فتجد في الإعلام المرئي على سبيل المثال القنوات التلفزيونية الموجهة للجمهور السلفي المتدين، على غرار قنوات صفا و وصال، والتي تنشر الفكر الإنهزامي الإنبطاحي المنادي لطاعة آل سعود وعلمائهم “الربانيين” وإلهاء الناس بفتاوى جانبية لإشغالهم عن السياسة. بينما القنوات الموجهة للجمهور العلماني ذو الثقافة الغربية، على غرار مجموعةMBC ، تعمل على نشر القيم الغربية عن طريق بث المنتوجات الثقافية المستوردة، وبالخصوص منتوجات السينما والموسيقى الأمريكية، لإبعاد الجماهير عن قضاياها المحلية وجعلها تعيش في عالم افتراضي لثنيها عن أية محاولة للمطالبة بنظام ديمقراطي محلي باعتبار أن ذلك معناه انتشار الرذيلة والفساد الأخلاقي. في السعودية كل التيارات العلمانية أو الدينية الوهابية تسعى بإعلامها، رغم اختلافها الإيديولوجي، إلى تثبيت الوضع القائم ومنع أي تهديد فكري لنظام الملكية المطلقة السعودي والذي يستفيد منه آل سعود وحلفائهم الوهابيين والعلمانيين على حد سواء.

[رسالة دعائية للشيخ السلفي السعودي محمد العريفي المقرب من العائلة الحاكمة تحرض الرأي العام في إطار الحرب الإعلامية ضد إيران وتدعوه لدعم قنوات البروباغندا السعودية. في الصورة المرفقة خارطة تقسم إيران عرقيا لتبيان وجود أقلية عربية يجب دعمها لتفتيت الفسيفساء الإجتماعية لدولة إيران، أكبر منافس للمملكة السعودية في المنطقة]

أما في الأنظمة العسكرية الشمولية، كما في الجزائر مثلا، فاغتصاب الجماهير يتم عن طريق الإعلام الحكومي و”الخاص” على حد سواء. إذ بالرغم من انتشار الفساد وسرقة المال العام وانعدام استراتيجية واضحة للنهوض بالبلد، فإن جل وسائل الإعلام تسعى لتشتيت الرأي العام المحلي وتوجيهه لقضايا جانبية، كأخبار فريق كرة القدم الوطني أو ظاهرة المسيحية أو التشيع مثلا، أو لإشغاله بقضية مصيرية مفبركة أو بعدو خارجي وهمي،  كالجار المغربي فيما يخص قضية الصحراء الغربية والتي يستعملها النظام العلوي المغربي بدوره لذات الغرض. ولطالما حذر المسؤولون الحكوميون في الجزائر من وجود “أياد خارجية” تريد العبث بأمن البلاد لمجرد خروج مظاهرة للفقراء أو البطالين المطالبين بحياة أفضل. واستراتيجية تخويف الشعب الجزائري من الأيادي الخارجية تمهد في الحقيقة لتخوين أي معارض سياسي للحكومة ونزع رداء الوطنية عنه باعتبار ان “النظام” يحتكر الوطنية والغيرة على البلاد رغم أن الجميع يقر بمسؤوليته عن الفساد الذي أغرق البلاد في الفقر والإستبداد. وفي  الوقت ذاته يتهافت أعوان النظام الشمولي في الجزائر على شراء الفيلات بأموال الشعب في أوروبا تحسبا لانهيار نظامهم وفقدان امتيازاتهم وضمانا لمستقبل أفضل لأبنائهم، لا يزال العديد من الناس الذين تم “اغتصابهم” عن طريق الدعاية السياسية يعتقدون أن البلاد بخير وأن النظام القائم هو الأمثل لحمايتها من “الأيادي الخارجية اللعينة” وأن الجزائر فوق كل اعتبار.

ومما سبق يتبين إذا للقارئ أن الوقت لا يزال مبكرا للحديث عن الديمقراطية في الوطن العربي إذا كان الرأي العام “مغتصب” بالبروباغندا السياسية والدينية التي حولت المواطن إلى شريك للأنظمة الشمولية، يقدس جلاديه من الزعماء المتسترين بالوطنية والقومية ومشايخ الدجل والخنوع الذين جردوا المواطن من آدميته وحولوه إلى إمعة يتحكمون فيه “بالريموت كونترول”. فما الحل إذا أردنا تحرير العقل العربي من تبعات الدعاية السياسية والدينية ؟ هذا ما سنتعرض له في مقالات لاحقة.

الجزائر نت

يا ’’سي عبد العزيز‘‘، لماذا تصر على استغلال الصخري ؟

سؤال وجيه إذا ما أخدنا في عين الإعتبار الرفض الشعبي العارم لهذا المشروع نظرا للأضرار البيئية البالغة لتقنية التكسير الهيدروليكية والمخاوف من تلوث المياه الجوفية والتي تعني موت واحات الجنوب الكبير. فلماذا يستميت بوتفليقة ووزرائه في الدفاع عن هذا المشروع؟

136499 قال بوتفليقة (أو على الأقل قيل باسمه) متهكما في رسالة بمناسبة احتفالات ذكرى تأميم المحروقات أن “الغاز الصخري هبة من الله” وهو محق في ذلك. إلا أن استغلاله على ما نعتقد، وهنا نختلف مع “سي عبد العزيز”، ليس هبة لشركة توتال الفرنسية التي تريد تجريب تكنولوجياتها في جنوبنا الكبير كما جربت فرنسا قنابلها النووية هناك في ستينات القرن الماضي. بلدان عديدة وعلى رأسها فرنسا رفضت لحد اليوم استغلال احتياطاتها من الغاز الصخري رغم حاجتها الملحة لمصادر الطاقة وأزمتها الإقتصادية المتفاقمة. فقد أكد الخبراء بناءا على الخبرة الأمريكية والكندية في هذا المجال الأضرار البليغة التي يلحقها التكسير الهيدروليكي بالطبقات الجوفية التي تتلوث بالمواد الكيميائية المستعملة. كما أن استخراج الغاز الصخري يحتاج لكميات هائلة من المياه التي غالبا ما تفتقدها الحنفيات والتي من البديهي أن توجه لدعم المشاريع الفلاحية. ثم أن الجزائر دولة نفطية غنية ودون مديونية، فلماذا يسارع بوتفليقة إلى استغلال الغاز الصخري الآن؟

الحقيقة أن النظام الجزائري قائم منذ الإستقلال على الإقتصاد الريعي المعتمد على تصدير المحروقات واستيراد كل شيء ولم يشجع أبدا الإستثمار المنتج. فذلك يسمح من جهة للمستوردين المقربين من السلطة بالربح السريع دون استثمار و تهريب العملة الصعبة للخارج عن طريق تضخيم فاتورات الإستيراد، ومن جهة أخرى يمنع الجزائريين الوطنيين من جني الثروة بعرق جبينهم والتي ستخرجهم حتما من التبعية المالية للسلطة التي تعمل حسب مبدأ “جوع الكلب يتبعك” ! ثم أن نظام بوتفليقة غير الشرعي لا يقيم وزنا لآراء المواطنين : ألم “يربح” الإنتخابات بدون حملة انتخابية؟ ألم يتهم كالعادة معارضيه بأنهم “يد الخارج” وكأن الجزائر ملك له ؟ ألم يحتقر الصحافيين الجزائريين وسماهم “طيابات الحمام” ولم يصرح لهم بكلمة منذ سنوات وفضل التوجه للإعلاميين الفرنسيين وأصبحنا نستقي أخبارنا من لوموند ولوفيقارو؟ فلماذا ينتظر سكان الجنوب الشجعان أن يلتفت لهم بوتفليقة بعدما احتقر كل الجزائريين لسنوات؟

بوتفليقة هو الذي استعان “بيد الخارج”، متمثلة في شركة توتال الفرنسية الحاضرة في الجنوب بعدما أن منعتها السلطات الفرنسية من التنقيب في بلادها، جاءت لتلويث أراضينا وتدمير واحاتنا. “سي عبد العزيز” ضعيف وفاقد للشرعية وهو يعلم ذلك وهو ما دفعه للإذعان للوبيات الشركات النفطية الغربية دون حياء وهذا ما يغضب كل جزائري حر. نحن لسنا بحاجة للغاز الصخري اليوم والأجدر هو تطوير الطاقات المتجددة كالطاقة الشمسية في جنوبنا الكبير والتي ستوفر مناصب شغل وتحافظ على البيئة. نحن نريد جزائر لا تهمش سكان الجنوب الذين برهنوا أنهم هم الأقدر على فهم مصالح البلاد ومستقبلها. إخواننا في عين صالح هم الذين يكتبون تاريخ الجزائر اليوم لأنهم أوقدوا الحس الوطني بعدما فتت نظام بوتفليقة اللحمة الوطنية منذ 15 عاما من الفساد والرشوة والمحسوبية والمشاريع الباهظة غير المجدية. فواصلوا في مقاومتكم السلمية المتحضرة بلا عنف لأجل إحباط الكارثة البيئية القادمة وحماية خيراتنا من جشع توتال وخيانة الأنذال ! فلعل معركة “الغاز الصخري” ستؤسس لجزائر الغد التي يُسمَع فيها للمواطنين وتحترم آراؤهم. نحن لا نريد المس بالوحدة الوطنية والسلم الإجتماعي لأجل عيون لوبي النفط الفرنسي ولكننا لسنا بحاجة للغاز الصخري، نحن نريد جزائر متضامنة من شمالها لجنوبها، تلك الجزائر التي أمم بومدين محروقاتها في عام 1971 حفظا لكرامتنا ولثرواتنا، أفلم تعدنا يا “سي عبد العزيز” بجزائر “العزة والكرامة” ؟

الجزائر نت

“طاب جنانو”، رجل الماضي الجاثم على حاضر ومستقبل الجزائر

 في الأسابيع الماضية تم تكليف ماتّيو رينتسي ذو التاسعة والثلاثين عاما بتشكيل الحكومة الجديدة بصفته رئيسا للوزراء في إيطاليا.  ويتمتع منصب رئيس الوزراء الإيطالي بصلاحيات تنفيذية واسعة إذ يعيّن الوزراء ويقود السياسة  الحكومية  للدولة الإيطالية، تاسع أكبر اقتصاد في العالم و الرابع في الإتحاد الأوروبي.  ورغم أهمية مسؤولية  المنصب على الساحة الإيطالية والدولية فإنه كما يبدو ليس من المستحيل على القوى الشابة في أوروبا الوصول للمناصب القيادية وتولي مسؤولية الحفاظ على مصالح بلدانهم في عالم شديد التنافس. أما في بلادنا المستقلة منذ أكثر من خمسين عاما، لا يزال جيل ثلاثينات القرن الماضي الطاعن في السن يتحكم في دواليب الحكم ولم يتسن بعد لجيل الإستقلال التطلع لقيادة البلاد والتفكير في مستقبل الجزائر.

 فبعد 15 عاما من الحكم الذي شابه التزوير والرشوة وتبذير المال العام، فاجأ  عبد العزيز بوتفليقة الجزائريين بعزمه الترشح لعهدة رابعة رغم سنه المتقدمة ومرضه وفشله في تحقيق العدالة الإجتماعية والنمو الإقتصادي لأغنى بلد في إفريقيا. الرئيس المشلول لم يوجه كلمة للجزائريين منذ ما يقارب العامين بعد تعرضه لجلطة دماغية أقعدته الفراش لشهور طويلة. فبماذا يمكن تفسير الهوة الشاسعة بين خيارات الشعب الإيطالي التي تثق في الشباب لقيادة الحكومة وممارسات السلطة في الجزائر التي تهين الجزائريين وتحتكر السلطة لفائدة الشيح الهرم بوتفليقة وزمرته من العجزة الطفيليين المرتشين ؟ ما فائدة الإستقلال إذا كان جيل الحرية مكبل الأيدي لا يمكنه تقديم أي مبادرة لتطوير البلاد؟  وما الحل لطرد هؤلاء العجزة الجاثمين على صدور الجزائريين إلى غير رجعة؟

الفرق بين الحالتين الإيطالية والجزائرية هي أن إيطاليا بلد ديموقراطي يتنافس فيه السياسيون للوصول للسلطة بتقديم أجود الحلول لضمان العيش الراقي للإيطاليين والحفاظ على البلاد كقوة عظمى في الساحة الدولية. في البلدان  الأوروبية المتحضرة  لا يمكن الوصول للسلطة إلا بموافقة أغلبية أصوات الشعب وإذا لم يرض الشعب بسياسات حكومته سيتمكن من تغييرها في الإنتخابات القادمة. هذه الشفافية تضمن إذا وصول أحسن المواهب السياسية والإقتصادية لمركز القرار وتضمن بذلك استقرار  هذه البلدان وتطورها المستمر.

أما في بلادنا فالأمر مختلف. إذ أن كل من وصلوا للحكم منذ الإستقلال لا يملكون أي تزكية شعبية و لا يقيمون وزنا لآمال الملايين من الجزائريين رغم تبججهم بحبهم للجزائر. في الحقيقة، هؤلاء العجزة المتحكمون في سلطة القرار في الجزائر لا يملكون أي شعور بالغيرة على مستقبل الجزائر كما أن أحوال الجزائريين لا تحرك لهم ساكنا. لماذا؟ لأنهم وصلوا للحكم بتزوير أصوات الناخبين وبالرشوة ولذلك فهم لا يقيمون وزنا لتطلعات الجزائريين ولا يشعرون بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقهم ولا يهمهم مستقبل البلاد والعباد. وهذا هو حال الرئيس المعوق بوتفليقة المتشبث بالحكم حتى آخر رمق في حياته. فالرجل الذي ذاق ملذات السلطة أيام الرئيس الراحل هواري بومدين ثم عاد في سنة 1999 بتزكية من الجيش لإخراج الجزائر من عزلتها بعد عشرية دامية من الحرب الأهلية  يبدوا متشبثا بكرسي الحكم أكثر من أي وقت مضى رغم تجاوزه 77 عاما ورغم مرضه الذي فرض عليه المكوث لشهور في المستشفيات الفرنسية. الرئيس الهرم غير قادر حتى على توجيه كلمة للجزائريين منذ عامين، لكنه بديماغوجية منقطعة النظير يبرر عزمه البقاء في الحكم بأن الجزائريين هم من طلبوا منه ذلك.

الشيء المؤكد اليوم هو أن العجزة الذين يديرون الجزائر لا ينوون على الإطلاق تمرير الشعلة لجيل الإستقلال حبا في السلطة بالطبع، لكن ذلك يضمن لهم بالتأكيد ولأبنائهم وأصدقائهم الإفلات من أي تحقيق حول الأموال المنهوبة في الداخل والملايير المهربة للبنوك الأوروبية.  هؤلاء العجزة يخشون الديموقراطية والشفافية لأنها السبيل الأوحد لقطع الطريق أمام الإنتهازيين والأميين القابعين في قصر المرادية ورميهم إلى مزبلة التاريخ لأنهم خانوا رسالة أول نوفمبر.

بوتفليقة رجل من الماضي يعتقد أننا نعيش في أيام هواري بومدين وأن الديكتاتورية على الطريقة السوفيتية  يمكن تطبيقها في 2014 بتغليط الرأي العام عن طريق الخطابات الديماغوجية البائسة التي تضع الجزائريين بين خيارين : ديكتاتورية شيوخ الماضي أو الفوضى. لكن الرجل الهرم لا يعلم أن عصر ديكتاتورية جيل الثلاثينات لم يعد مقبولا اليوم حتى في دول الجنوب ولو نظر إلى تداعيات “الربيع العربي” لسلّم مقاليد السلطة قبل يصله لهيب “صيف الجزائر”. فإن كان الجهل هو الذي أعمى بصيرة زعيم الماضي وزمرته ليتركه جاثما على مستقبل شباب الجزائر، فليتوقع مصيرا كمصير القذافي وزين العابدين أو حسني مبارك … وإن كانت ثقتنا كبيرة في مؤسسات الدولة للوقوف إلى جانب الشعب وتفويت الفرصة على أعداء الجزائر … شيوخ الماضي.    

الجزائر نت