الإعلام الاجتماعي كمنبر لمقاومة الديكتاتوريات العربية : السعودية نموذجا

كثر الحديث في الأعوام الأخيرة عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الحريات الفردية في العالم العربي، ومنهم من وصف ثورات الربيع العربي “بثورات الفيسبوك” بالنظر للدور المهم الذي لعبته هذه الوسائط الرقمية في تواصل المعارضين للديكتاتوريات العربية وتنظيمهم للإحتجاجات ضد هذه الأنظمة الشمولية. وسبق ذلك ابتهاج المختصين الغربيين في الإعلام والإتصال “بالثورات الملونة” في جمهوريات الإتحاد السوفياتي البائد في العقد الأول من الألفية الثالثة ضد الأنظمة الموالية لموسكو ثم بعد ذلك في إيران. الإعلام الإجتماعيوانتقلت عدوى الاحتجاجات التي يتم تنظيمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى الدول الديمقراطية نفسها في السنوات الأخيرة كما هو الشأن بالنسبة للحركات المناوئة للسياسات الاقتصادية التقشفية في البرازيل واليونان وإسبانيا.  اللجوء لوسائل التواصل الاجتماعي في الدول الغربية الديمقراطية هو تعبير عن رفض المحتجين للطبقة السياسية المحلية وعدم رغبتهم في أن تركب هذه الأخيرة على موجات الإحتجاج لتحقيق مصالح سياسية ضيقة. وبالمقابل فإن اللجوء لفيسبوك وتويتر للتعبير عن الرأي في الدول العربية ذات الأنظمة الشمولية القمعية يعود لسيطرة السلطات على كل وسائل الإعلام التقليدية واحتكارها للكلمة وقمعها لكل أشكال التعبير عن الرأي و التظاهر السلمي.

وليس بالغريب أن تنطلق شرارة الربيع العربي في تونس. فهذا البلد له تاريخ في النضال على الانترنيت لأجل الديمقراطية والحرية منذ السنوات الأولى للألفية الثالثة وقبل ظهور الويب الاجتماعي. لجوء المدونين والناشطين للإعلام الاجتماعي للتعبير عن الرأي أصبح ظاهرة تعم الدول العربية ذات الأنظمة الشمولية وقد تعرض العديد منهم للمحاكمات السياسية والسجن في البلدان المغاربية ومصر ودول الخليج على حد سواء. غير أن دول الخليج العربي الثرية هي التي نالت النصيب الأكبر من سجناء الرأي بسبب انتشار الإعلام الاجتماعي بشكل رهيب في الأوساط الشابة التي ضاقت ذرعا بالأنظمة المتسلطة ومن جيش المثقفين والإعلاميين ورجال الدين الذين يدافعون عنها عبر الجرائد والفضائيات. ولعل المملكة العربية السعودية هي المثال الحي “للحرب الأهلية الالكترونية” التي تدور رحاها اليوم على موقع تويتر بين الناشطين المعارضين للديكتاتورية ولمؤسساتها الإعلامية والدينية الدعائية من جهة، وجيش من الكتاب الصحافيين والمثقفين والمشايخ والأمراء والمباحث (الشرطة السياسية) من جهة أخرى.

وقد يتساءل أحدهم : لماذا السعودية بالذات؟ والجواب هو أن هذه المملكة المنغلقة تتصدر استعمال الأنترنيت في العالم العربي وتحتل المراتب الأولى في العالم في استعمال شبكة تويتر وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي مقارنة بعدد سكانها.

تويتر في السعودية
السعودية في صدارة الدول التي تستعمل موقع تويتر (إحصائيات 2013).

وفي المقابل تأتي في ذيل الترتيب في حرية الإعلام حسب ما نشرته العام الماضي منظمة مراسلون بلا حدود إذ تأتي في المرتبة 164. وتملك المملكة العربية السعودية امبراطورية إعلامية قوية منذ عقود طويلة مكنتها من السيطرة على الرأي العام الداخلي من جهة والتأثير كقوة ناعمة على الرأي العام العربي. وبالإضافة إلى الجرائد الحكومية الصادرة في المملكة وفي لندن  منذ سنوات السبعينات ومحطات الراديو تفطنت العائلة الحاكمة لقوة الإعلام التلفزيوني الفضائي في أوائل التسعينات. لذلك تم إطلاق مركز تلفزيون الشرق الأوسط (MBC) سنة 1991 والذي يضم فضائيات تقوم بنشر منتجات الصناعات الثقافية الغربية من أفلام وموسيقى (أمريكية على الخصوص) في المجتمع السعودي والبلدان الأخرى لمقاومة التيارات المحافظة في المجتمعات العربية وتقريب الرأي العام العربي من السياسات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط تبعا لما تمليه المصالح الأمريكية-السعودية. وفي عام 2003 انطلقت ” العربية” كقناة إخبارية سعودية موجهة للرأي العام العربي تتبنى خطابات “محور الإعتدال” الموالي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط الذي تقوده السعودية بعدما تمكنت قطر من كسر احتكار المملكة للإعلام المؤثر في الرأي العام العربي بإطلاقها لقناة الجزيرة عام 1996.

يذكر محمد الوافي، الباحث في الشؤون السياسية العربية والمحاضر في جامعة السوربون، بأن هناك ثلاث أبعاد للأخبار التي يتشكل عبرها الرأي العام العربي في كل دولة : وسائل الإعلام التقليدية التي تسيطر عليها السلطة، وسائل الإعلام الأجنبية الناطقة بالعربية (كالبي بي سي، فرانس 24، روسيا اليوم، الخ.) وأخيرا القنوات الفضائية العربية العابرة للحدود والتي تدعي بأنها تتجاوز مصالح الدول التي تمولها كقنوات الجزيرة والعربية. وارتأينا بدورنا – وهذا موضوع مقالتنا – أن نضيف بعدا رابعا مؤثرا في الرأي العام العربي ويتعلق بالإعلام الإلكتروني العابر للحدود والخارج عن سيطرة الأنظمة العربية الديكتاتورية. وفي السعودية يشكل الإعلام الإجتماعي أداة حقيقية للتأثير على الرأي العام الذي لا يصدق دائما الرواية الرسمية للأحداث التي ينقلها الإعلام الحكومي. وذكرت مؤخرا مواقع مختصة أن السعودية لا تزال تحتل المرتبة الأولى في استعمال موقع التدوين المصغر تويتر في منطقة الشرق الأوسط. وعلى خلاف المواقع الأخرى يتخصص موقع تويتر في نشر الأخبار وتداول الروابط التي تدل عيها في رسائل لا تتجاوز 140 حرفا. وبالنظر للغياب التام لحرية التعبير والتجمع، بل والحق في الحديث عن الأمور السياسية، فإن الكثير من السعوديين توجهوا لهذا الموقع للتعبير عن آرائهم وانتقاد تصرفات العائلة الحاكمة والمثقفين والمشايخ التابعين لها.

وعند تفحصنا لما ينشره  بعض الناشطين المدونين على تويتر على مدى أسابيع، اكتشفنا بدهشة بالغة أن المدونين السعوديين على تويتر لا يطالبون بالديمقراطية كحل للاستبداد الذي تعيشه البلاد كما فعل نظرائهم في تونس ومصر، بل يطالبون فقط ببعض الإصلاحات السياسية التي تكفل حل المشاكل الإجتماعية التي يعيشها المواطن السعودي وهي البطالة وأزمة السكن. سقف المطالب إذا ضعيف بالنظر للقمع الذي يتعرض له المواطن وحرمانه من جميع حقوقه السياسية لصالح أبناء وأحفاد آل سعود وآل الشيخ. كما لا يخفى على الجميع أن ثقافة الإنتخاب غائبة عن المجتمع السعودي الذي تربى على “تحريم” الإنتخاب والديمقراطية من طرف مشايخ الوهابية المتحالفين مع السلطان باعتبارها “شر غربي” لا يجوز تبنيه حتى تضمن العائلة المالكة توارث الحكم للأجيال القادمة. أغلب الناشطين  يؤدون دور الصحافي المستقل الذي يحلل مضامين الإعلام التقليدي ثم يعيد صياغتها ونشرها للمتابعين لفضح الدعاية الحكومية والصحافيين الموالين لها ومن ثم إبراز فساد العائلة الحاكمة وتقييدها للحريات.

آخرون يتهكمون أيضا على مشايخ تويتر الموالين للسلطة والمبررين لسياساتها. لكن المغرد “مجتهد” هو بدون شك الأكثر تأثيرا ونفوذا على الإطلاق. وعلى عكس المغردين الآخرين المعارضين للعائلة الحاكمة، فإن مجتهد ينفرد منذ سنوات بنشر مضامين إعلامية تخص الأسرة الحاكمة وتحضى بالكثير من المصداقية.

وقد نشرت عدة وسائل إعلام دولية أخبارا نقلا عن مجتهد وهذا ما يدل على مصداقية هذه الشخصية غير المعروفة وتأثيرها على الرأي العام المحلي. وتعرض حساب مجتهد لمحاولات اختراق عديدة آخرها كانت في الشهر الماضي. كما حاولت السلطات السعودية أكثر من مرة الضغط على شركة تويتر للحصول على معلومات تمكنها من تعقب المعارضين السياسيين الناشطين على الشبكة لكن دون جدوى. فهل انفلات الإعلام الاجتماعي من قبضة الأنظمة العربية الديكتاتورية، والسعودية نموذجا، سيشكل خطرا داهما عليها ؟ هل سيشهد العالم العربي المزيد مما يسمى “الثورات 2.0” ؟ أم أن قوة الإعلام الإجتماعي في الحياة السياسية مبالغ فيها ؟

حسابات تويتر الأكثر شعبية في السعودية
حسابات تويتر الأكثر شعبية في السعودية يديرها شيوخ السلفية الموالين للسلطة (إحصائيات 2015)

المختصون في الإعلام منقسمون في فيما يخص “أوتوبيا الإتصال” الحالية. فمنهم من يبتهج بكل ما هو جديد في تقنيات الإعلام ويعتبر ذلك خطوة حاسمة نحو مجتمع الحريات والعدالة والشفافية الذي سيسود العالم الذي أصبح بفضل ذلك “قرية صغيرة”. ومنهم من يشكك في قدرة الإعلام الجديد على نشر الديمقراطية والحرية باعتبار أن الأنظمة الشمولية تبتكر دائما آليات للالتفاف على كل ما هو جديد وتحويله كبوق لصالحها.

إضافة إلى ذلك فإن التغيرات نحو مجتمعات الديمقراطية والحرية تتحكم فيها عوامل إجتماعية وسياسية وفكرية متشابكة وليس فقط تكنولوجيات الإتصال، والدليل على ذلك أن ثورات الربيع العربي فشلت كلها – باستثناء التجربة التونسية الفتية – في الإطاحة بالديكتاتورية. لسنا متشائمين ولكننا نميل لهذا الرأي الأخير ونعتقد بأن الإعلام الإجتماعي لا يكفي لتغيير الأوضاع رغم أنه مكن المواطنين من إيصال أصواتهم والتعبير عن آرائهم عبر هذا الفضاء الإفتراضي. صحيح أن وسائل التواصل ساهمت في تجاوز التعتيم الحكومي على الخبر والمعلومة لكن ذلك لم يثن السلطة عن مواصلة الدعاية عبر هذه القنوات الجديدة بالإعتماد على المثقفين والمشايخ والشرطة السياسية (المباحث) الناشطين على النت. بالإضافة إلى ذلك فإن مواقع التواصل تشكل حقلا خصبا لجمع المعلومات حول المواطنين وتتبع آثارهم والقبض عليهم. ولا يخف على أحد أن الحكومات العربية القمعية تلجأ لشراء أجهزة متطورة من الشركات الأمنية الغربية لفحض المضامين المنشورة على الأنترنيت وقمع المدونين بحجة “الحرب على الإرهاب”، لكن غالبا ما يتم استهداف الناشطين والمدونين لكشف هوياتهم وإسكاتهم. وللحديث بقية.

الجزائر نت


بعد مجازر ’’داعش‘‘ في بيروت وباريس : هل هناك ازدواجية في مواقف الإعلام العربي؟

المثقف العربي يتحمل جزءا من المسؤولية فيما يجري اليوم في البلدان العربية أين تنتشر ثقافة الكراهية والعنف والرفض التام للخطاب العقلاني لفائدة نظرية المؤامرة. المثقف العربي يده مغلولة وهو تابع لأميره وزعيمه وشيخه – وغالبا ما يقبل ذلك – ولذلك فهو جزء من المنظومة السياسية الاستبدادية التي أنتجت لنا القاعدة وداعش وغيرها من الحركات المتطرفة. المثقف العربي اليوم لا يدافع عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان كحرية التعبير والمشاركة السياسية والعدالة النزيهة الكفيلة بخلق بيئة اجتماعية سليمة ومتماسكة. لا أبدا. علم داعشهو يدافع عن مصالح الأمير والزعيم والخليفة وبيرر ذلك تارة “بنعمة الأمن والأمان” وتارة أخرى بالدين والقومية وغير ذلك. هذا المثقف – و قد يكون شيخ أو معلم أو مسؤول أو صحفي – يمهد بذلك لنشأة جيل غير قادر على التغيير ولا يؤمن بالخطاب العقلاني الذي يساعده على فهم أسباب تخلفه ويميل لنظريات المؤامرة الخارقة لتبرير وضعة المزري ويحمل الآخرين المسؤولية باعتباره دائما هو الضحية. هذا المثقف هو الحليف الأكبر للأنظمة الديكتاتورية العربية التي فرخت أجيالا من اليائسين الذين امتطوا “سفينة الإرهاب” كوسيلة للتعبير والتغيير.

هؤلاء القتلة اليائسين هم من فجروا البارحة أنفسهم في بيروت واليوم في باريس وهم يعتقدون جازمين أنهم يحسنون صنعا. كيف وصل الحال بالإنسان العربي إلى اقتناعه بأن تفجير الشوارع والأسواق بالأحزمة الناسفة وقتل المارة هو عمل محمود ؟ هل هناك كراهية ويأس أكبر من ذلك ؟ البعض ينظر للجهاديين السلفيين بأنهم ضحايا أنتجتهم الديكتاتوريات العربية المدعومة من الديمقراطيات الغربية. آخرون يعودون للنص الديني السلفي-الوهابي المتزمت الذي لا يقبل التغييرات الحالية التي تفرضها العولمة، فيلجأ للتقوقع على الذات، ويحملونه مسؤولية التطرف الديني. بينما يميل البعض الآخر إلى تفسير ظاهرة الإرهاب إلى الوضع السياسي العربي (الديكتاتورية) وانخراط القوى الغربية في حروب ضد بعض الدول العربية (العراق وليبيا وسوريا) ونشرها “للفوضى الخلاقة” بالإضافة للانقسام الطائفي والعرقي الذي يغذيه التنافس السعودي الإيراني على الزعامة في الشرق الأوسط. فما هي مسؤولية صناع الرأي العرب في هذه الأوقات العصيبة ؟ ما موقفهم من الفظائع التي ارتكبها مؤخرا تنظيم الدولة الإسلامية ضد المدنيين العزل في بيروت وباريس ؟ هل كانت هناك ازدواجية في المواقف بالنظر لانخراط الجهات التي تمولهم في الحروب الدائرة في المنطقة ؟
للإجابة عن هذه التساؤلات أرتأينا أن نعرج على موقع تويتر لكشف موقف بعض الشخصيات الإعلامية العربية من العمليتين الإرهابيتين التي اقترفها تنظيم الدولة وأودت بحياة ما يقرب من 200 مدني في بيروت وباريس.

فهذا أياد أبو شقرا، صحفي بجريدة الشرق الأوسط السعودية الصادرة في لندن، لا يجد حرجا في قبول مجزرة بيروت متمهما الضحايا – وهم مدنيون – بأنهم من أتباع إيران وأجانب ولذلك فهم يستحقون ما حل بهم.

لكنه يعاتب داعش فيما يخص مجزرة باريس لأن ذلك يخدم حسبه “أعداء الإسلام”. فهل ما حدث ببيروت عمل محمود يخدم الإسلام ؟ أم انها العنصرية المذهبية المقيتة ؟

هو لم يغضب مما حدث بباريس لدوافع أخلاقية ترفض قتل العزل في الشوارع والمقاهي، بل لأسباب سياسية خوفا من استثمار إيران (عدو السعودية) للحادث.

أما المهرج الجزائري أنور مالك – غوبلز آل سعود الجديد وخادم آلتهم الدعائية والذي يقدم نفسه كناشط حقوقي – فقد توعد اللبنانيين بالمزيد من الدماء مادام حزب الله موجود. وهو بذلك يساند علانية مجزرة داعش في بيروت ويردد وجهة النظر السعودية حول الوضع الداخلي اللبناني. 

بالمقابل فإنه يدين بسرعة جريمة داعش في باريس. ما سر هذه الإزدواجية ؟ هو لايملك خيار آخر فهو لاجئ في فرنسا منذ سنوات ويدرك أنه سيخسر إقامته هناك وسيطرد من البلاد بسبب دعمه للإرهاب. زد على ذلك فإن ذلك لا يصب في مصلحة الإيديولوجية الوهابية-السعودية التي كشف داعش حقيقتها.

وكسائر المهرجين الذي نراهم في الفضائيات العربية، فهو يلجأ لخطاب المؤامرة لتفسير العملية الإرهابية التي تقف وراءها “جهة ما” (ربما أعداءه في إيران أو سوريا) ويرفض الإعتراف بتورط داعش. هو يدين العملية فقط لأنها لا تخدم الأطراف التي تدعم الجماعات الجهادية في سوريا وعلى رأسهم السعودية.


اما صحفي قناة الجزيرة فيصل القاسم فلم يقل شيئا بخصوص مجزرة بيروت ولم يدن داعش بل اتهم بدوره إيران ! بالنسبه له المدنيين الضحايا هم بسبب تدخل إيران لأن – حسب الموالين لمحور الإعتدال القطري السعودي- كل مدني شيعي هو بالضرورة عميل إيراني دمه حلال.

لكن فيما يخص مجزرة باريس فيسارع فيصل القاسم بدوره لتحريك نظرية المؤامرة لتغليط الرأي العام، فهو لا يدين جريمة داعش، بل يتهم “جهات مخابراتية كبيرة” بالتورط فيها !


لكن ما هذه الأطراف المتورطة في مجزرة باريس ؟ بدون شك إيران وسوريا وربما روسيا. دائما يبرئ داعش ويغالط الرأي العام بخطاب المؤامرة. إن لم تستح فقل ما شئت !

أما الصحفي “الدكتور” أحمد موفق زيدان، مدير مكتب الجزيرة في باكستان، فإنه يحمل مجزرة بيروت لمن أشعل الحرب في سوريا. من هم ؟ السعودية ؟ قطر ؟ لا. إنما الأسد وحزب الله وإيران. لذلك فلا داعي لمعاتبة داعش الذي أعترف بجريمته.

لكنه يسارع لإدانة مجزرة  باريس رغم عدم رضاه عن التغطية الإعلامية. موفق زيدان مرغم على إدانة عملية باريس خصوصا وأنه سبق وأن صنفته وكالة المخابرات الأمريكية كعضو في تنظيم القاعدة.

أما “المحلحل” السياسي الفلسطيني ياسر الزعاترة الذي تستضيفه دوما الجزيرة وغيرها من القنوات الخليجية للتعليق على أحداث المنطقة فيلوم العالم على تضامنهم مع ضحايا تفجير بيروت. بالنسبة له إيران هي المسؤولة ولا داعي للوم داعش.


ولكنه يغير لهجته ليبدو غير راضي عن مجزرة باريس، لكنه لا يدينها، لأنها – على عكس مجزرة بيروت لا تخدم ‘فكرة الجهاد”. كيف ذلك ؟ لأن العالم قد يصدق فكرة أن “الدواعش تكفيريين” كما تقول إيران وسوريا وهذا غير مقبول !

وهذا المعارض السوري المقيم في لندن بسام جعارة، والذي تستضيفه دوما الفضائيات الخليجية الداعمة للمعارضة في سوريا، فلا يرى حرجا في قتل المدنيين في بيروت  بل ويهاجم “الأوباش” الذين ترحموا على أرواح الضحايا !

ولأنه يدافع كسائر المرتزقة الذين توظفهم السعودية عن تورط المملكة في نشر الوهابية الجهادية التي تدين بها داعش والقاعدة، فإنه يطلب من “خنازير لبنان” الكف عن اتهام آل سعود بدعم الإرهاب.

وبعد مجزرة باريس، ها هو بسام جعارة يهاجم من جديد “الخنازير” العرب والعجم المترحمين على الضحايا المدنيين في بيروت و باريس !

كمنا يرى القارئ فإن الكثير من المثقفين والإعلاميين العرب هم أطراف مشاركة في نشر ثقافة الكراهية وتبرير القتل العشوائي للمدنيين ولو تظاهروا بمعارضتهم لمجازر تنظيم داعش الفاشي في اوروبا. ذلك يفسر عدم اكتراثهم لمئات العمليات الإنتحارية التي يقترفها تنظيم الدولة في سوريا ولبنان والعراق وليبيا باعتبار أن ذلك يصب في مصلحة الجهة التي توظفهم. هؤلاء لا يملكون أي مبادئ أخلاقية ترفض القتل الجماعي للمدنيين في البلدان العربية مهما كانت الدوافع لأنه رغم كل الخلافات العربية-العربية-الإيرانية حول سوريا واليمن والعراق فإنه مبدئيا ينبغي رفض إرهاب داعش التي يقتل الأبرياء قبل غيرهم. كذلك يفعل شيوخ السلاطين الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الفضائيات إذ لا يدينون داعش إلا عندما يرتكب تفجيرات في بلدانهم (السعودية مثلا) أما في لبنان وسوريا والعراق وليبيا فلا بأس إذا كان ذلك يساهم في تأجيج الحرب المذهبية التي تخوضها دول المنطقة. إن إدانة المؤسسات الدينية الرسمية الخليجية لجريمة باريس وسكوتها عن جريمة بيروت لدليل قاطع على الانهيار الأخلاقي الذي تعيشه المجتمعات العربية بعدما فشل مثقفوها في نشر قيم التسامح والتعايش والسلام وانخراطهم في نشر الكراهية والموت التي تخدم في الأساس الأنظمة الديكتاتورية التي توظفهم. وإن انخراطهم في البروباغندا لصالح الأنظمة العربية الديكتاتورية وسعيهم الحثيث لنشر أفكار المؤامرة لتفسير “ظاهرة داعش” لدليل على افتقادهم لروح لمسؤولية ورغبتهم في تظليل للرأي العام. أليس هؤلاء “الأوباش” – كما قال بسام جعارة لمن لا يشاطرونه الرأي – هم المسؤولون  عن نشر الفكر الإنهزامي غير العقلاني والمتطرف والمتآمر المتوافق مع رؤى الأنظمة الديكتاتورية العربية والذي فرخ داعش وغيرها من الحركات الفاشية التي تنخر المجتمعات العربية والإسلامية ؟

الجزائر نت


 

 

عن شَعبية ’’الخطاب الشعبوي‘‘ في الجَزائر وانتشاره على شبكات التوَاصل الاجتماعي

فكرة هذا المقال ترجع لخبر نشرته جريدة “الخبر” الجزائرية والذي يعرض شريط فيديو لجندي جزائري يتوعد فيه القوات الإسرائيلية “بالقتل والذبح” معلنا مساندته اللامشروطة للشعب الفلسطيني. إلى هذه اللحظة الخبر يبدو عاديا إذ أن الجندي يعبر بدون شك عن غضبه من الوضع المزري الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الإحتلال ويأسه من رد الفعل العربي الرسمي المتخاذل اتجاه “انتفاضة السكاكين”. لا شك أن معظم الشعوب العربية وغير العربية التي تساند المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني في الحرية تتفهم غضب هذا الجندي، لكن تعليقنا على مضمون الرسالة التي بثها الجندي هو الذي أشعل النقاش على صفحة جريدة الخبر على موقع فيسبوك.

فقد علقنا باسم الجزائر.نت على الخبر قائلين : أن خطاب “الجندي شعبوي لا يدرك أنه يجب تحرير البلاد (أي الجزائر) وإقامة دولة القانون قبل تحرير الآخرين. هو لا يدري أن جيش إسرائيل أقوى من جميع الجيوش العربية مجتمعة وهذا ليس صدفة، بل لأن إسرائيل دولة ديمقراطية (للإسرائيليين) يحكم فيها القانون بلا رشوة ولا نهب للمال العام وجامعاتها قوية ومجتمعها متماسك. أما العرب فمجرد ديكتاتوريات بلا مستقبل ينتشر فيها الجهل والفقر…”. ( اضغط على رابط منشور جريدة الخبر على موقع فيسبوك).

ما لاحظناه للوهلة هو الأولى هم عدم تقبل بعض المعلقين لردنا وعجزهم عن فهم الفكرة التي أردنا إيصالها ومفادها أنه ينبغي علينا في الجزائر – وهذا ينطبق على المجتمعات العربية الأخرى – تحرير أنفسنا وتطوير بلداننا أولا قبل أن نفكر فعلا في مساعدة الآخرين لأننا لحد الساعة عاجزين عن توفير أبسط اختياجاتنا من الغذاء والدواء واقتصادنا نفطي ريعي وجامعاتنا ضعيفة فضلا عن انتشار الفساد وانعدام الحريات ودولة القانون. وبدون إصلاح بيتنا الداخلي فليس بإمكاننا مد يد العون للفلسطينيين سواء في وقت السلم أو الحرب. فمن المعلقين من اتهمنا “بالخوف من الإسرائيليين” أو أننا “نئن تحت وطأة الدعاية الصهيونية وجيشها المزعوم الذي لا يقهر” ومنهم من يؤكد أنه لو اجتمعت الجيوش العربية لأصبحت قوة عظمى قادرة على ترجيح الكفة للعرب في أي صراع مع الإسرائيليين. وهنا بيت القصيد لأن هذه الجيوش لن تجتمع في الظروف الحالية إلا لقمع الشعوب العربية نفسها.

هشاشة البيت الداخلي العربي

فالدول العربية بأنظمتها الحالية لا يمكنها أبدا التوافق على سياسية خارجية موحدة لأن أنظمتها فردية ديكتاتورية تهمها مصلحتها الذاتية وليس مصالح شعوبها، فهل ستفكر يوما في مصالح الشعب الفلسطيني الذي يعاني تحت الإحتلال منذ عقود ؟ لا، أبدا. ولذلك فلن يكون هناك أي توجه عربي رسمي حقيقي لدعم الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقه في إقامة دولته المستقلة. ولذلك أشرنا إلى أن إصلاح البيت الداخلي العربي وإقامة أنظمة ديمقراطية يشكل أول خطوة في الطريق الطويل لإصلاح الوضع الكارثي الذي تعيشه المجتمعات العربية على جميع المستويات. فلو ضربنا مثال ببلادنا الجزائر فإن الوضع الإقتصادي كارثي لاعتماد السلطات المطلق على النفط وفشلها في إقامة إقتصاد صناعي وزراعي متنوع ولو توقفنا عن إستيراد القمح لبضعة شهور فإن الشعب مهدد بالمجاعة. أما الوضع الاجتماعي فهو هش بسبب انتشار الفساد وانعدام الثقة في الدولة وانتشار الجريمة والمخدرات. أما على مستوى البحث العلمي، وهو قطاع حيوي لتطوير البلاد، فيكاد يكون منعدم نظرا للوضع الكارثي الذي تعيشه الجامعة الجزائرية جراء انخفاض أجور الباحثين وانتشار المحسوبية وفرار الباحثين للخارج سعيا لحياة أفضل. وكذلك الحال بالنسبة لقطاعات الصحة أو الثقافة. بالله عليكم، أليس من الأولى “تحرير” أنفسنا قبل التفكير في تحرير الآخرين (الفلسطينيين) ؟

عدم جدوى الخطاب الشعبوي

الخطابات الرنانة والحماسية التي أعتاد عليها الإنسان الجزائري تدغدغ فقط مشاعر الناس وتلهيهم عن واقعهم المزري. أليس من المعقول الشروع في إصلاح بيتنا الداخلي الآن قبل الغد إذا أردنا مساعدة الشعب الفلسطيني – وتلك مهمة نبيلة – في كفاحه للتحرر ؟ البعض يصدق “الخطاب الشعبوي الديماغوجي” الممزوج أحيانا بالخطاب الديني للترويح عن النفس لا غير، لكننا واثقون من أن الخطاب العقلاني هو القادر على تفسير أسباب ضعفنا ووضع الأصبع على الجرح. هذا ليس فكر انهزامي كما يعتقد بعض المعلقين على الخبر المذكور أعلاه، بل على العكس تماما. فقول الحقيقة هو أول خطوة للتغيير ومحاولة النهوض. الفكر الإنهزامي هو ما يردده الخطاب الشعبوي الديماغوجي الذي يكذب على الشعب والذات في نفس الوقت. فنحن متخلفون في جميع المجالات وعلينا العمل للنهوض أما الشعارات الجوفاء فهي لا تفيد. ولو رجعنا لثورة نوفمبر الخالدة لوجدنا أن الذين أشعلوها هم رجال مثقفون عقلانيون لم يعتمدوا فقط على الكمائن المسلحة والشعارات الرنانة لإقناع فرنسا بالخروج من البلاد، بل أستعملوا بذكاء المنابر السياسية المتاحة في الخارج للضغط على الديبلوماسية الفرنسية وإقناعها بضرورة التفكير في إعطاء الشعب الجزائري الحق في تقرير مصيره، وهذا ما حدث بالفعل. ولو اقتصرت جهود جبهة التحرير على الشعارات الحماسية والكمائن في الداخل ضد جيش محتل مدجج بالسلاح لما أقتنع الفرنسيون بضرورة مغادرة البلاد.

الديمقراطية كوسيلة للنهوض

وهكذا الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية، فالخصم الإسرائيلي أكثر تسلحا من جميع الجيوش العربية مجتمعة. زد على ذلك أنه شديد الفعالية في جهوده الديبلوماسية في الخارج لضمان مساندة دولية له تضاف لتفوقه العسكري والإقتصادي والعلمي وتلاحم الجبهة الداخلية وراء قيادته السياسية. وهذا ما لا نجده عند العرب المتخاصمين المتحاربين، بل وعند الفلسطينيين أنفسهم الذين ينقسمون بين مؤيد لفتح ولحماس، الخ. فهل ذلك هو محض صدفة ؟ لا. لأن المجتمع الإسرائيلي يعيش في ظل نظام ديمقراطي تعددي غير شمولي وذلك ما لا يريد البعض تقبله. نعم الديمقراطية ينعم بخيراتها الإسرائيليون وحدهم دون الفلسطينيين وتكرس بواسطتها إرادة الشعب الإنتخابية وتصون حرية الإعلام والرأي وتضمن استقلالية القضاء ودولة القانون. لكن ذلك لا يمنعها من أن تكون دولة احتلال لأن الديمقراطية وسيلة لتسيير المجتمع الإسرائيلي حتى تضمن له الرفاه والتفوق في جميع المجالات الإقتصادية والعلمية والعسكرية والسياسية على جيرانه العرب وهذا ما يحدث بالفعل. أليس ذلك ما ينقص المجتمعات العربية، ونحن في الجزائر على وجه الخصوص، لأن مقوماتها الإقتصادية والبشرية أكبر بكثير ولو أتيحت لها الفرصة لاختيار زعمائها وإقامة دول الحريات والعدالة والقانون لقطعت أشواطا في التطور ولتمكنت من تقديم مساعدة حقيقية وفعالة – وليست مجرد شعارات – للشعب الفلسطيني الجريح. الدعم بالخطابات الشعبوية الدعائية لم يفد الشعب الفلسطيني أبدا. وضعف الدعم العربي للشعب الفلسطيني هو من ضعف المجتمعات العربية التي ترزح تحت وطأة الديكتاتوريات التي تدعمها – وذا يجب ألا يغيب عن الأذهان – الدول الغربية الديمقراطية نفسها وهي التي تدري جيدا مدى خطورة عدوى الديمقراطية على مصالحها. فلوا جنحت الأنظمة العربية للديمقراطية فإن ذلك سيحرر الشعوب ويفجر طاقاتها الإبداعية ويقضي على الديكتاتوريات الفاسدة التي جمدت روح النهضة والإبداع في روح الإنسان العربي لعقود طويلة.

وخلاصة القول أن الطريق لا يزال طويلا أمامنا لتحرير أنفسنا أولا من الأنظمة الديكتاتورية الجاثمة على صدورنا والتي اثبتت فشلها وعدم قدرتها (أو رغبتها) في النهوض ببلداننا وإسماع صوتها بين الأمم بسبب افتقادها للشرعية وارتباط مصيرها بالقوى الخارجية التي يرى البعض بسذاجة – ومنهم الجندي الجزائري المتحمس لنصرة الفلسطينيين – أننا بإمكاننا الوقوف في طريقها وهزمها وتحرير الشعب الفلسطيني من ويلاتها ببعض الشعارات العاطفية البراقة. إن مسيرتنا الطويلة نحو الإصلاح لن تبدأ فعلا إلا بإتاحة الفرصة لشعوبنا المقهورة للتعبير عن آرائها واختيار ممثليها القادرين على بناء دول القانون والحريات المتماسكة داخليا و القوية خارجيا، فهي الوحيدة القادرة على مساعدة الشعب الفلسطيني وإنهاء مأساته بالأفعال وليس بالأقوال دون الحاجة للإعتماد على الخطاب الشعبوي غير العقلاني الذي لم يغير شيئا في واقعنا المرير.

الجزائر نت

 

بين سوريا اليوم وأفغانستان الأمس : ما أشبه اليوم بالبارحة !

المُتأمل للصراع الدائر اليوم في سوريا بين النظام الحاكم وحلفائه الروس والإيرانيين من جهة والجهاديين “ثوار الحرية ؟” المدعومين من بعض دول الخليج وحليفهم الأمريكي من جهة أخرى يستحضر بدون شك أول تصادم بين الروس والجهاديين في أفغانستان وما خلفه من إفرازات  على تيار السلفية الجهادية. فقد شكلت الحرب السوفياتية في أفغانستان في سنوات الثمانينات من القرن الماضي حلقة حاسمة في الصراع البارد بين المعسكرين الشيوعي الشرقي والليبرالي الديمقراطي الغربي الذي ميز النصف الثاني من القرن الماضي والذي انتهى كما هو معلوم بانتصار المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة وانهيار الإتحاد السوفياتي.

حلاوة الجهاد مع الروس
في إشارة لصراعهم القديم، جهاديون في سوريا يرحبون بالتدخل الروسي الأخير في سوريا

السوفيات تدخلوا عسكريا في أفغانستان لمساندة حليفهم الشيوعي الذي يقود البلاد ولكنهم تفاجؤوا بحرب غير تقليدية يقودها جهاديون ذو بأس شديد عازمين على الموت لأجل قضية تبدو عادلة : طرد المحتل الشيوعي “الملحد” وتحكيم الشريعة. تعثرت الآلة العسكرية السوفياتية الضخمة المُعدة أصلا لحرب تقليدية مع غريمها الغربي أمام تكتيكات الجهاديين متعددي الجنسيات المدعومين إيديولوجيا وماليا من دول الخليج الثرية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وعسكريا من الولايات المتحدة وأذرعها الإستخباراتية المختلفة.

عندما ينقلب الجهاديون على حلفائهم القدامى

كان الجهاديون، ومنهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، يظهرون في الإعلام الغربي كجنود “خير” يقاتلون لأجل التحرر من “شر” الإستبداديين الشيوعيين. لكن هؤلاء هم من شكلوا في أواخر الثمانينات نواة تنظيم “قاعدة الجهاد” وانقلبوا على الأمريكان بعد أن وضعت الحرب أوزارها ثم على ملوك ومشايخ آل سعود، حلفائهم السابقين، بسبب احتمائهم بجنود المارينز الأمريكان وفتح الأراضي المقدسة لهم لغزو العراق وطرد جنود صدام حسين من الكويت. هؤلاء الجهاديون هم من استهدفوا في سنوات التسعينات المصالح السعودية و الأمريكية قبل أن يحوزوا على شرف تنظيم وتنفيذ مؤامرة 11/9 والتي مكنت في النهاية الحليف السابق، الولايات المتحدة، من غزو أفغانستان والعراق في ظل تراجع لدور الغريم الروسي الغارق في تسيير تركة الإتحاد السوفيتي المنهار. وابتكر جورج بوش ما يسمى “الحرب على الإرهاب” كوسيلة لكبت الحريات في الداخل وتحقيق مطامع أمريكا في الخارج وابتزاز الأنظمة العربية الموالية لها وتهديد تلك التي لا تدور في فلكها.

انهار نظام طالبان الذين كانت تعترف به السعودية وحليفها الباكستاني وتمت الإطاحة بصدام حسين الذي هدد العائلات الحاكمة في الخليج المتحالفة مع الولايات المتحدة. ظن الأمريكان أن بإمكانهم بسط سيطرتهم على العراق وإقامة نظام “كرزاني” في بغداد، لكن المحتل اصطدم بمقاومة الشعب العراقي التي سرعان ما استثمرها الجهاديون السلفيون لإقامة فرع “القاعدة في العراق” بقيادة الجهادي السلفي من أصل أردني أبو مصعب الزرقاوي الذي حارب السوفيات في أفغانستان قبل أن يؤسس تنظيم “التوحيد والجهاد” في تسعينات القرن الماضي. وفي عام 2006 تم الإعلان عن تأسيس ما سمي “بدولة العراق الإسلامية” التي تمددت إلى سوريا في غمرة أحداث الربيع العربي واغتنمت فرصة الفوضى السائدة هناك لإنشاء فرع لها في سوريا تم تسويقه لجمهور السلفية الجهادية تحت تسمية “جبهة النصرة” كفرع للقاعدة ولكنه سرعان ما انفصل عنه بسبب التنافس الشديد بين قادة الجهاديين حول زعامة تيار السلفية الجهادية. تحول تنظيم الجهاديين السلفيين في العراق من “الدولة الإسلامية في العراق والشام” إلى “الدولة الإسلامية” بقيادة أبو بكر البغدادي الذي أعلن عن نفسه “خليفة” في جوان/حزيران 2014 ساحبا البساط من تحت قدمي زعيم القاعدة أيمن الظواهري. 

ما أشبه اليوم بالبارحة !

الجميع يعلم مدى انخراط تركيا أردوغان وقطر والسعودية في الحرب الدائرة في سوريا بين نظام الأسد ومئات التنظيمات الجهادية وكل ذلك بمباركة أمريكية. وكمنافس للأسد وحلفائه اللبنانيين والإيرانيين والروس، يقف الحلف التقليدي الخليجي الأمريكي وراء الدعم الذي تتلقاه التنظيمات الجهادية “المعتدلة” في سوريا والتي تعرفها جيدا المخابرات الأمريكية والخليجية إذ سبق أن حركتها في الماضي ضد العدو السوفياتي قبل أن تنقلب عليها وتحاربها بدورها. ورغم تيقن العائلات الخليجية الحاكمة من خطورة دعم تيار السلفية الجهادية الذي سينقلب عليها عندما تحين الفرصة، فإنها سمحت للمشايخ والدعاة بتأجيج الصراع في سوريا وتصويره للناس بأنه حرب مقدسة لنصرة المسلمين ليس ضد “الشيوعيين الملحدين” كما كان الأمر في أفغانستان، بل هذه المرة ضد “الكفار الشيعة والنصيريين”.

والأمر مفهوم إذ من المستحيل تجنيد المقاتلين وبث الحماس فيهم دون الإعتماد على الوصفة الساحرة للبروباغندا السلفية الجهادية التي تعد الشباب المجندين بالنصر أو الشهادة. سمح ذلك لخصوم نظام الأسد بعسكرة الثورة السورية المطالبة أصلا بالحرية والديمقراطية وتحويلها لحرب دينية لتحكيم الشريعة بمفهومها السلفي تستوجب الجهاد بالمال والنفس تماما كما كان الأمر في الحرب السوفياتية الأفغانية. وبعد قرابة الخمس سنوات من الحرب التي راح ضحيتها مئات الآلاف من السوريين من المعارضين والموالين للنظام والأجانب المتطوعين، المدفوعين بفتاوى الجهاد، تتدخل روسيا بوتين رسميا في النزاع الدائر دفاعا عن آخر حليف لها في منطقة الشرق الأوسط في حرب جديدة “ضد الإرهاب“. وكأن التاريخ يعيد نفسه إذ نجد التنظيمات السلفية الجهادية “المعتدلة” المدعومة من دول الخليج والولايات المتحدة من جهة، ونظام مقرب من موسكو من جهة أخرى. فما أشبه اليوم بالبارحة !

الفروق الجوهرية بين الأمس واليوم

لكن برأينا الوضع يختلف بعض الشيء عن الحروب السابقة بالوكالة بين الروس والأمريكان. فالدول الخليجية التي توفر الغطاء الإيديولوجي والدعم المالي “للمجاهدين” تجد نفسها في منطقة الخطر إذ أنه من الصعب اليوم السيطرة كليا على الخطاب السلفي الجهادي وتوجيهه لمصلحتها ومصلحة الحليف الأمريكي. فتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) السلفي الجهادي خارج عن سيطرة مشايخ السلطان السلفيين ولا يعترف بالأنظمة الخليجية التابعة لواشنطن وهو بذلك يشكل خطرا أكبر عليها، فهل ستخاطر هذه الأنظمة بمواصلة دعم “الجهاد” في سوريا الذي يصب في مصلحة الجهاديين “غير المعتدلين” ؟ ثم أن النظام السوري يملك حليفا إقليميا لا يستهان به، ويتمثل في إيران، والذي بإمكانه التأثير في الأقليات الشيعية المهمشة التي تعيش في دول الخليج، فمن بيته من زجاج سيتجنب بدون شك رمي بيوت الآخرين بالحجارة ! فهل تعي العائلات الحاكمة في الخليج ذلك ؟ بالإضافة إلى أن بعض الدول الخليجية منخرطة في حرب أخرى في اليمن وقد كلفتها الكثير من الأموال في عز الأزمة النفطية المستمرة منذ عام. كما أن أمريكا اليوم ليست أمريكا الأمس وهي لا تريد الإنخراط في حروب جديدة في الشرق الأوسط بعد تجاربها المريرة في العراق وأفغانستان في الوقت الذي تنمي فيه الصين من قدراتها الإقتصادية والعسكرية في شرق آسيا.

كلا الفريقان المتخاصمان في سوريا لم يقولا كلمتهما الأخيرة، لكن الخاسر الوحيد في هذه الحرب هم العرب أنفسهم وعلى رأسهم الشعب السوري. لا يمكن أبدا تخيل صراع بين موسكو وواشنطن في شكل حرب باردة جديدة، فالحرب السورية تشكل صراع مصالح بين قوى كبرى وليست حرب فيما بينها ولن تجن منها الدول العربية التي تدعم الإقتتال إلا الإرهاب وعدم الإستقرار والمزيد من التبعية لواشنطن وموسكو على حد سواء.لقد انهار الإتحاد السوفياتي في الماضي وتمكن الجهاديون من إقامة دولتهم الطالبانية في أفغانستان لفترة، وهذا ما لا يمكن قبول حدوثه في سوريا ليس من طرف نظام الأسد وحلفائه فحسب، بل من خصومه العرب في الخليج الذين يدركون حجم الخطر الذي يداهم أنظمتهم الأوتوقراطية الهشة قبل أن يهدد موسكو أو واشنطن. وفي شرق أوسط مليء بالمفاجآت، قد تكلف الحرب الدائرة في سوريا والانهزام المحتمل للجهاديين فيها انتقال “عدوى الجهاد” إلى بعض دول الخليج المعروفة بتصديرها لهم ولإيديولوجيتهم. ولن تحميها واشنطن عندئد، فقد أسر باراك أوباما في إحدى تصريحاته بأن الخطر الذي يداهم دول الخليج داخلي وليس خارجي … واللبيب بالإشارة يفهم.

الجزائر نت

بين يوتوبيا الخلافة الفاضلة وواقع الديمقراطية : ما هي مسؤولية الخطاب السلفي ؟

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن أسباب نجاح تنظيم “الدولة الإسلامية” في استقطاب آلاف الشباب المسلمين المتحمسين لإقامة “خلافة إسلامية” وهي نظام سياسي يقول مناصروه بأنه هو السبيل الوحيد لاسترجاع أمجاد العرب والمسلمين والتخلص من التخلف الذي تفرضه الأنظمة غير الشرعية الحاكمة والمتحالفة مع القوى الخارجية. ديكتاتورية

ورغم اختلافهم حول السبيل الأمثل لتحقيق هذا “الحلم” فإنهم متفقون على أنه لا حل للتخلف والضعف الذي يعيشه المسلمون عامة والعرب خاصة إلا بالرجوع للخلافة كنظام سياسي أثبت نجاعته حسب اعتقادهم في توحيد الشعوب وتحرير طاقتها الإبداعية والحضارية. فبالنسبة لهؤلاء، بالإمكان استنساخ نظام حكم الخلافة الذي ساد في القرون الأولى للإسلام وإقامته بحذافيره في القرن الواحد والعشرين وبالقوة إن لزم الأمر باعتبار ذلك واجبا دينيا. لكن آخرون يؤكدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يورث نظاما سياسيا بعينه لإدارة شؤون المسلمين بل ترك الباب مفتوحا لاجتهاداتهم باعتبارهم أعلم بشؤون دنياهم وبأن “أمرهم شورى بينهم”.  ومنذ سقوط آخر خلافة قبل 90 عاما، لا يزال الحلم يراود الإسلاميين للعودة إلى هذا النظام بعد فشلت جميع الحكومات العربية القومية و”الإسلاماوية” الإستبدادية في تحقيق الحرية والعدالة وتصاعد شعور الشعوب العربية بالذل والمهانة بعد سلسلة الهزائم التي تكبدها العرب في حروبهم مع إسرائيل وبقائهم تحت الهيمنة الغربية.

ما من شك أن رغبة الشعوب العربية في تغيير أنظمة الحكم الاستبدادية مشروعة وضرورية ولكن ما هو النظام السياسي البديل ؟ الخلافة (بمفهومها السلفي) ؟ أم الديمقراطية ؟ يتفق الجميع على أن الشعوب العربية الثائرة في السنوات الأخيرة في ثونس ومصر وسوريا واليمن كانت تنادي بالحرية وتدعو لإنهاء الإستبداد وانفراد الديكتاتوريين بالسلطة والثروة بينما تعاني الشعوب من الفقر والحرمان. فما الذي دفع بالتنظيمات السلفية الجهادية على غرار القاعدة وداعش – وهي التي ترفع شعار “الخلافة” (غير الديمقراطية) كبديل للديكتاتوريات العربية – إلى الواجهة ؟ ما هو سر نجاحها في استقطاب الثائرين واليائسين من الديكتاتوريات العربية العلمانية والإسلاماوية على حد سواء ؟ كيف سرق السلفيون الجهاديون من القاعدة و”داعش” الثورات الشعبية العربية وحولوها لحرب دينية هدفها إقامة “خلافة إسلاماوية” ذات الحكم الفردي الإستبدادي تشرعن الإستيلاء على الحكم بالقوة وتعد الناس بالعدل والتطور والعزة ؟

التراث السلفي-الوهابي يحرم الديمقراطية

عودة الحديث عن الديمقراطية كحل واقعي لأزمة الشرعية التي تعاني منها الأنظمة العربية الإستبدادية جاء غداة اندلاع شرارة ما يسمى “الربيع العربي” عام 2011 وقد خرجت الجماهير للشوارع منادية بالحرية والديمقراطية للتخلص من الأنظمة القمعية. وسرعان ما اغتنم الإسلاميون الفرصة، وهم الذين عانوا من القمع السياسي على مدى عقود، وانضموا إلى جانب الشعوب مطالبين بحقهم في الحكم عن طريق الإنتخاب. وتمكن تيار الإخوان المسلمين لأول مرة من الوصول للسلطة في تونس ثم مصر عبر صناديق الإقتراع. لكن تجربتهم لم تدم طويلا إذ تراجعت شعبية حركة النهضة في تونس وتمت الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي من طرف العسكر وبمباركة المملكة العربية السعودية “السلفية” التي طالما رفضت قيام أي نظام “إسلاماوي” آخر يهدد احتكارها للزعامة الدينية على المسلمين، خصوصا إذا كان يؤمن بنظام الإنتخاب الذي يعتبر من أشد المحرمات التي قد تهدد نظام الحكم السعودي القائم على الوراثة المطلقة بتزكية من مشايخ السلفية-الوهابية المتحالفين معه.

وعندنا في الجزائر يتبنى أعلام السلفية-الوهابية الذين زاولوا تكوينهم الديني والإيديولوجي في السعودية، على غرار الشيخ فركوس، نفس الموقف ويحرمون الإنتخاب كأداة للإنتقال السلمي للحكم باعتبار الديمقراطية نظام غربي “كفري” من صنع البشر لا يصلح لتداول السلطة عند المسلمين. يقول الشيخ في إحدى فتاواه : “(…) أمَّا المنظور الشرعي للنُّظُم الديمقراطية بمختلف أساليبها فهي مخالِفةٌ لمنهج الإسلام في السياسة والحكم، بل هي معدودة من صور الشرك في التشريع، حيث تقوم هذه النظم بإلغاء سيادة الخالق سبحانه وحقه في التشريع المطلق لتجعله من حقوق المخلوقين (1)”. أما الشيخ السلفي السعودي مقبل بن هادي الوادعي فيقر في إحدى فتاواه بكفر من أعتقد بأن الديمقراطية سبيل حقيقي لتحقيق العدالة : “وإن كانوا يقولون: نحن ديمقراطيون، إذا كان يعتقد أن الديمقراطية حق ويؤمن بها فهو كافر، لكن إذا كان متأولا لأجل مطامع الدنيا فهو ضال” (2). أما الشيخ السلفي السعودي المدخلي فيفتي بأن “الديمقراطية تعني حكم الشعب بالشعب” وأنها تمكن هذا الأخير من جعل الحرام حلالا والعكس وهي غير خاضعة لأمر الله وبذلك فهي حرام ولاتجوز (3). ويحذر بدوره الشيخ السلفي ناصر الدين الألباني من إجراء الإنتخابات والديمقراطية لأن ذلك سيمكن الفاجرين من الوصول للحكم عن طريق الشعب. ويؤكد بأن “الحكم لله وليس للشعب والشعب تابع للحكم الإسلامي، فالديمقراطية تعني ضد الحكم الإسلامي تماما، (أي) الحكم للشعب” (4). العريفي والديمقراطية

ولعل تغريدة الشيخ الوهابي-السعودي عبد العزيز الطريفي تلخص تماما النظرة السعودية-السلفية المعادية للديمقراطية باعتبارها “صنم” في يد الشعب يهدد الإسلام الوهابي-السعودي، خصوصا إذا أخذنا في الحسبان أن السلفيين – المواليين للملوك الديكتاتوريين الحاكمين أو الجهاديين المبايعين للقاعدة وداعش على حد سواء – يعتبرون أنفسهم الوارثين الحصريين للإسلام الصحيح والمدافعين عنه من خطر الديمقراطية. 

احتقار خيارات الشعب والتشكيك في حرصه على الدين

يتبين لنا بعد فحص بعض آراء وفتاوى أعلام السلفية-الوهابية أن عداء هذا التيار للديمقراطية نابع في ظاهره من خوفهم على الإسلام إذا ما أتيحت الفرصة للشعوب لاختيار حكامها. وبحكم وقوف السلفيين غير الجهاديين (تيار السلفية العلمية أو الجامية) إلى جانب الزعماء الديكتاتوريين، والسعودية أحسن مثال على ذلك، فهم لا يخشون على الإسلام تسلط الملوك الفاسدين الذين لم يختارهم الشعب والتابعين للقوى الخارجية والذين يبذرون الأموال ويستقبلون القواعد العسكرية الغربية في بلادهم ويزجون بنشطاء الرأي (المسلمين) في السجون. لا أبدا. بل هم يخشون خيارات الشعوب ويشككون في حرصهم على الإسلام فهم بالنسبة لهم جاهلون ومعادون للدين بطبيعتهم ولو أتيحت للشعب الفرصة لإبداء رأيه كما هو الحال بالنسبة للمجتمعات الديمقراطية فسيتنصل من الدين ويحاربه ! وهذا الحكم السلفي السلبي والمسبق على الشعوب العربية لم يأت صدفة، بل نابع من نظرة السلفية الدونية “للعوام” (عامة الشعب) الذين لا يملكون رأيا صائبا ولا يستحقون المشورة ولذلك لا بد أن تبقى أمور السياسة والدين في يد الأمراء والمشايخ (صفوة القوم) ولا يحق بأي حال من الأحوال للشعب أن يقول كلمته. ولذلك يبرر مشايخ السلفية-الوهابية (الجامية أو الجهادية على حد سواء) إقصاء الشعب واللجوء للحكم الإنفرادي المبرر دينيا بجهل الأخير في أمور الفقه والشريعة بينما حلفائهم الأمراء الديكتاتوريين (سواء كانوا ملوكا أو خلفاء) يبررون تسلطهم بعدم فهم الشعب للسياسة وجهله بمصالحه.

الخلافة الفاضلة كبديل للديمقراطية

ولأن الديمقراطية كآلية سلمية لتبادل السلطة تجنب الشعوب ويلات الحروب الأهلية لا تزال حلما بعيد المنال في جميع البلاد العربية وتفتقد حتى الآن للشرعية عند صناع الرأي (رجال الدين وكذلك المثقفين الليبراليين المتحالفين مع الحكام الديكتاتوريين) فإننا نلاحظ أن أغلب الجماعات الثائرة التي تصارع لأجل التغيير، خصوصا منذ اندلاع “الربيع العربي”، لا تسعى لإقامة نظام ديمقراطي يسمح للشعوب الثائرة بتقرير مصيرها بنفسها بل تنادي بإقامة “حكم إسلامي فردي” (خلافة أخرى ؟) كسبيل أوحد لإقامة دولة العدالة. وبالطبع ففي هذه “المملكة الفاضلة” سيحتكر مشايخ السلفية (حراس الدين) والأمراء (حراس الدنيا) الرأي ولا يسمحون للشعب بقول كلمته خوفا من انتشار الفساد والكفر على حد زعمهم، فالشعب حسبهم بفطرته غير حريص على الدين ولا يفقه شيء من أمور الدنيا.

ولو ضربنا مثالا بما يجري في سوريا اليوم فإننا نعاين ما قلناه أعلاه في أرض الواقع. فقد خرج السوريون في مظاهرات شعبية كسائر الشعوب المضطهدة في تونس ومصر واليمن وغيرها مطالبا بالديمقراطية والحرية لطي صفحة الديكتاتورية والحكم الفردي. وها نحن نرى اليوم بعدما تهدمت البلاد وسقط مئات الآلاف من الضحايا العسكريين والمدنيين أن أقوى الفصائل التي تحارب نظام الأسد لا تنادي بالديمقراطية – التي قد تعطي الكلمة للشعب “الغبي غير المتدين”  – بل تريد إقامة “دولة إسلاماوية سلفية” ذات حكم فردي (في يد الملك أو “الخليفة”) لا يحق لأحد فيها إبداء رأيه ما عدا المشايخ المقربين والأمراء المتحالفين معهم ! وهي بذلك دولة استبدادية تقصي الشعب مرة أخرى من المشاركة في اتخاذ القرار. فلو كان تنظيم القاعدة أو “داعش” يقاتل لأجل بناء مجتمعات الديمقراطية والحرية لتحولت دول الشرق الأوسط إلى قوى إقليمية نافذة في مدة قصيرة بالنظر لإمكانياتها البشرية والمادية ولتم التخلص من كابوس الإرهاب والفساد الذي أنهك المجتمعات العربية وأرجعها للوراء في الوقت الذي تتنافس فيه الدول العالم بأكمله لتقاسم كعكة العولمة. لكن الديمقراطية – التي لم يتذوقها بعد أي شعب عربي تم تحريمها وتجريمها مسبقا من طرف رجال الدين والمثقفين وحلفائهم الحكام حتى يستمروا في السلطة – تم استبدالها بفكر شمولي يعيش على إنجازات الماضي الغابر والرافض لكل ما توصل الإنسان من سبل لتداول الحكم سلميا بعد قرون من الحروب والصراعات على السلطة.

لذلك ترى الشعوب الثائرة ضد الديكتاتورية والظلم في العراق وسوريا تسقط في فخ “السلفية الجهادية” التي تعدهم بدولة “الخلافة المثالية” كبديل للديكتاتوريات السائدة وكمنافس للحل الديمقراطي. لكنها في واقع الأمر ما هي إلا ديكتاتورية جديدة أكثر عنفا وأكثر استبدادا. ولعل الأنباء الواردة من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” ذو التوجه السلفي الجهادي في العراق وسوريا تثبت ذلك، فهو يسيطر على الناس بالرعب ويجبر السكان على حضور مشاهد الذبح والصلب في الساحات العامة ويجوب رجال الحسبة (الشرطة الدينية) الشوارع ويتدخلون في أبسط شؤون الناس ويسوقونهم بالقوة لأداء الصلاة في المساجد وأضحى “النفاق” أفضل سبيل للحفاظ على الحياة تحت سيطرة دولة الخلافة الفاضلة المزعومة. نظام الخلافة المثالي الذي سوق له السلفيون  – و هم الذين أقاموا مملكتهم السعودية في نجد والحجاز ضد الخلافة العثمانية ! –  ما هو إلا وسيلة لقطع الطريق أمام أي تغيير للحكم وتهديد لمصالحهم رغم تبججهم بالدين والحرص على مصالح الشعوب المضطهدة. وما يفعله الجهاديون السلفيون في تنظيم “داعش” هو تطبيق لهذه الإيديولوجية المعادية للشعوب وخياراتها والتي بدورها ما إن تتمكن من الحكم حتى تقيم ديكتاتورية جديدة أسوء من سابقاتها. والأدهى أنها تبرر تسلطها وحكمها الإنفرادي بالنص الشرعي ولذلك فإن أي محاولة شعبية للتغيير هي في نظرهم تحد سافر للدين باعتبار أن نظامهم الشمولي – العادل والمثالي حسب زعمهم – هو تحقيق”للإرادة الإلهية”.

ضرورة إصلاح الأفكار لكسر شوكة الإستبداد

يتهمنا معارضونا بأننا علمانيين أو كارهين للدين لوقوفنا ضد النظرة السلفية للحكم التي هي جزء من الدين – حسب فهمهم له – ولكننا نرد عليهم بأننا نرى نتيجة معاداتهم لخيارات الشعوب وللديمقراطية كنظام يعود للشعب لمناقشة مسائله الدنيوية ويسمح له باختيار ممثليه ليس بالنظر للحية والقميص وتزكية المشايخ ولكن حسب الكفاءة وقدرته على تحسين ظروف حياة المواطنين وإقامة دولة القانون. فلو لم يتم تحريم الرجوع للشعوب (الديمقراطية) في الموروث السلفي المعاصر لتجاوز مشكلة الحكم لما رأينا “داعش” أو القاعدة أو بوكو حرام تقاتل لأجل إقامة الديكتاتورية الدينية بل جماعات تناضل لأجل الحرية والديمقراطية وتعطي للشعوب الحق في اختيار “خلفائها” وعزلهم بطريقة حضارية وبدون إراقة للدماء. أليس ذلك من الدين؟ ولو لم يتحالف مشايخ السلطان المنافقين مع الملوك الديكتاتوريين الفاسدين لعقود طويلة لما وقع الشباب اليائس في أحضان كهنة السلفية الجهادية الذين يقودون تنظيمات داعش والقاعدة من اليمن للجزائر ويعدون الناس بالخلافة الفاضلة. وإذا كانت الديمقراطية لا تعارض الدين ولا تهدده كما يزعم مشايخ السلطان المنتفعين فإنها تهدد بدون شك أعداء كثر من الملكيات الإسلاماوية الأوتوقراطية والديكتاتوريات العلمانية إلى القاعدة و “داعش” الساعين بدورهم للحكم الفردي. وبدون أي إصلاح فكري يعري أدبيات السلفية المعارضة للديمقراطية وينسف معتقداتها حول “التكفير المسبق الديمقراطية”، فإن الشباب العربي الثائر لأجل الحرية والكرامة سيفشل في إقامة مجتمع الحريات. فالإيديولوجيات الاستبدادية الرجعية – وإن ارتدت عباءة الدين – تقف عائقا أمام استيعاب الإنسان العربي لحقيقة واقعه المرير الذي هو نتيجة للإستبداد و الصراع الدموي على السلطة بعد تأخر بزوغ شمس الديمقراطية والحرية.

الجزائر نت

 المصادر:

1- http://ferkous.com/home/?q=fatwa-320

2- http://www.muqbel.net/files.php?file_id=5&item_index=18

3- https://app.box.com/s/cfk7zr5jdcespy9awkdz

4- https://www.youtube.com/watch?v=G89C4smj4Do

الجزائر المستقلة : نصف قرن من الصراع على السلطة (ج2)

بعدما تعرضنا في الجزء الأول لمسلسل الصراع على السلطة في الجزائر منذ الأيام الأولى للإستقلال إلى انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1989، نعرج في هذا الجزء الأخير على فترة “العشرية السوداء” ومجيء الرئيس بوتفليقة لسدة الحكم.

algerie-FIS_madani
زعيما الجبهة الإسلامية للإنقاذ عباسي مدني (يمين) وعلي بلحاج (شمال)

فرضت المظاهرات الشعبية على نظام الشاذلي القيام بإصلاحات سياسية أنهت عهد الحزب الواحد وسمحت للناشطين للمرة الأولى في تاريخ البلاد بإنشاء أحزاب سياسية تعكس التنوع الإيديولوجي للشارع الجزائري. وكرس دستور 1989 التعددية السياسية الموعودة وشرعت حكومة مولود حمروش في إصلاحات عميقة سمحت بتحرير قطاع الإعلام وفتحت المجال أمام الأحزاب السياسية الجديدة للتعبير عن برامجها وتطلعاتها. وبرز الإسلاميون بقيادة حزب “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” كأكبر قوة سياسية معارضة للحزب الذي حكم البلاد منذ الإستقلال (جبهة التحرير) مستفيدين من المعارضة الشعبية العميقة للحزب العتيد وتطلعات المواطنين لبديل ديمقراطي حقيقي لنظام الحزب الواحد. وسخر التيار الإسلامي بقيادة علي بلحاج وعباسي مدني أماكن العبادة لحشد الجماهير وتأليبها ضد النظام الحاكم. وكما كان متوقع فقد فازت “الجبهة الإسلامية” في الإنتخابات البلدية وأضحى من المتوقع فوزها في الإنتخابات التشريعية والرئاسية. وأراد الشاذلي الإستمرار في المسار الديمقراطي رغم الإضطرابات والمشادات التي يشهدها الشارع بسبب تخوف الإسلاميين من تراجع السلطة عن وعودها باستكمال المسار الإنتخابي. وزاد من حالة الإحتقان التي شهدتها البلاد اعتقال السلطات للزعيمين علي بلحاج وعباسي مدني في صائفة 1991 واستقالة حكومة مولود حمروش الإصلاحية.

وعبرت قيادة الجيش عن موقفها من الإسلاميين في إفتتاحية لمجلة الجيش أعلنت فيها بوضوح أن “قوات الجيش الوطني الشعبي لن تسلم مقاليد الحكم لمتطرفين يريدون إرجاع البلاد للعصور الوسطى”. وقللت دوائر السلطة من احتمال فوز الإسلاميين بالأغلبية في الإنتخابات التشريعية المقررة في ديسمبر/كانون الأول 1991 بإلإعتماد على “نظام التمثيل النسبي” الذي سيمنح الإسلاميين – حسب تقديراتها– 30 بالمائة من الأصوات على أكبر تقدير. وعلى غير المتوقع، فاز الإسلاميون في الدور الأول من الإنتخابات ب48 بالمائة من الأصوات مما أدى بالمراقبين للتكهن بفوزهم بالأغلبية المطلقة في الدور الثاني. وفي هذا الوقت خرج سعيد سعدي، الزعيم العلماني لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، في مسيرات مع أنصاره مطالبا قوات الجيش بالتدخل لإيقاف المسار الإنتخابي وتفويت الفرصة على الإسلاميين. أما حسين آيت أحمد، زعيم حزب القوى الإشتراكية، ولويزة حنون، رئيسة حزب العمال، فقد عبروا عن رغبتهم في استكمال المسار الإنتخابي مبررين تقدم الإسلاميين بعزوف جماهير عريضة عن الإنتخاب بسبب الإعتقالات والجو المشحون الذي تعيشه البلاد. وفي يناير/جانفي 1992 استقال (أو أُقيل) الرئيس الشاذلي من منصبه فاسحا المجال للسلطات بإيقاف الإنتخابات التشريعية (التي كاد الإسلاميون أن يحسموها لصالحهم) والتوجه بسرعة نحو انتخابات رئاسية.

boudiaf
الرئيس الراحل محمد بوضياف

وبعد إيقاف المسار الإنتخابي تم استدعاء محمد بوضياف، المناضل القديم الذي رفض الإنضمام لنظامي بن بلة و بومدين و الذي عاش في المنفى، لتوليته رئاسة البلاد. ولا يخفى على أحد مواقف بوضياف المعارضة للحكم الشمولي واستقلاليته التامة عن الأطراف المتصارعة على الحكم في الجزائر. لكن ذلك لم يمنعه من قبول تولي القيادة بسبب إدراكه للخطر الذي يداهم البلاد التي تمر بأوقات العصيبة بعد تعطيل المسار الإنتخابي. وفي خطوة منه لمعالجة الأسباب التي رمت بالجزائريين إلى أحضان الإسلاميين، قرر بوضياف معالجة المشكل الحقيقي الذي يعانيه البلد : الفساد. وفي الوقت نفسه بدأت الهجمات الإرهابية في استهداف قوات الأمن والمثقفين وبرز نجم الجيش الإسلامي للإنقاذ، الجناح المسلح للجبهة الإسلامية التي تم حظرها، الذي يستمد “مشروعه الجهادي” من الخطابات النارية التى ألقاها علي بلحاج قبل أعتقاله والتي برر فيها رفع السلاح ضد الدولة. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

وفي هذه الظروف الإستثنائية أعتقلت السلطة الحاكمة عشرات الآلاف من المتعاطفين مع الجبهة الإسلامية المحظورة وتعرض الكثير منهم للإختفاء القسري. و بدأ بوضياف في كسب التأييد الشعبي عن طريق “سياسة الأيادي النظيفة” التي أعتمدها كركيزة أساسية لإقامة دولة القانون والقضاء على الرشوة والإرهاب. لكن ذلك لم يرق بدون شك للطبقة الأوليغارشية المتحكمة في اقتصاد البلاد. في شهر جوان/حزيران 1992 توجه بوضياف لمدينة عنابة (شرق البلاد) لإلقاء خطاب جماهيري تعرض خلاله لعملية اغتيال شاهدها الجزائريون مباشرة على شاشات التلفزيون. وشكلت هذه الحلقة الدرامية في الصراع على السلطة في الجزائر ضربة قاضية لأحلام ملايين الجزائريين في إقامة دولة الحرية والعدالة التي أرادها ثوار ثورة نوفمبر الأوائل وعلى رأسهم محمد بوضياف. ووُجهت أصابع الإتهام لأحد المتعاطفين مع الإسلاميين من الحرس الرئاسي الذي أعترف بجريمته لكن العديد من المراقبين يعتقدون بأن أطرافا في النظام من الطبقة الأوليغارشية كانت غير راضية على سياسة الأيادي النظيفة التي انتهجها الرئيس دورا في أغتياله. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

وعُين علي كافي على رأس ما سمي “بالمجلس الأعلى للدولة” بالتزامن مع توجه البلاد نحو حرب أهلية فظيعة خلفت مئات الآلاف من الضحايا والمفقودين.

زروال
الرئيس الأسبق اليمين زروال

وتم استدعاء الجنرال اليمين زروال في شهر جانفي/يناير 1994 عى رأس المجلس الأعلى للدولة كحل وسط بين طرفي النظام الذين لا يمانعون من التفاوض مع الإسلاميين لدرأ الفتنة والإقصائيين الرافضين لأي تواصل مع أولئك الذين رفعوا السلاح ضد الدولة والذين يفضلون الطريقة الأمنية لسحق الإرهاب. وفور تعيينه سعى زروال للتقرب من الإسلاميين وقام بإطلاق سراح علي بلحاج وعباسي مدني زعيما الجبهة الإسلامية المحظورة. لكن حمام الدم لم يتوقف وأضحى على قائمة العناوين الصحفية في العالم خصوصا بعد المجازر المروعة المنسوبة للجماعة الإسلامية المسلحة الأكثر تشددا والتي راح ضحيتها الآلاف من المدنيين العزل في المناطق النائية. ولجأت السلطات لتسليح القرويين وتكوين مليشيات موالية للدولة ساهمت  في توجيه ضربات قاصمة للجماعات الإسلامية المسلحة لكنها – على غرار كل حرب أهلية – لم تكن بمنأى عن تجاوزات وعمليات ثأر راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء.

في هذه الظروف فاز اليمين زروال في الإنتخابات الرئاسية لعام 1995 فاسحا المجال لبعض الإسلاميين المعتدلين للحصول على بعض الحقائب الوزارية في الحكومة. ورغم عمليات التواصل المتقطعة مع الفصائل الإسلامية المسلحة في عهد زروال فإن مسلسل العنف بقي يراوح مكانه رغم إحراز القوات الحكومية تقدم مهم في الجبهات مدعومة بمليشيات الدفاع الوطني والرفض الشعبي المتنامي للفظائع التي ارتكبتها الجماعة الإسلامية المسلحة في حق المواطنين العزل و التفجيرات التي استهدفت الأماكن العمومية. وفي سبتمبر/إيلول 1998 فاجأ الرئيس زروال الجميع بإعلان تنحيه عن الحكم وإجراء انتخابات رئاسية مسبقة. وقد فسر العديد من المراقبين هذه الخطوة بالضغوط التي تعرض لها من أطراف في الجيش أرغمته على التنحي. وهذا فصل آخر من فصول الصراع السلطة في جزائر الإستقلال.

butaflika
الرئيس عبد العزيز بوتفليقة

وتقدمت للإنتخابات الرئاسية لعام 1999 العديد من الشخصيات المرموقة مثل مولود حمروش وحسين آيت أحمد وأحمد طالب الإبراهيمي بالإضافة إلى عبد العزيز بوتفليقة الذي أختفى عن المشهد السياسي منذ رحيل بومدين وقضى سنوات “العشرية السوداء” في الخارج. وسارع الملاحظون إلى التأكيد على أن بوتفليقة هو مرشح النظام وأنه لا جدوى من الترشح للرئاسيات بدون ضمانات لتجنب التزوير مما دفع بانسحاب المرشحين المنافسين الذي رأوا في الإنتخابات مجرد تمثيلية باعتبار أن بوتفيلقة قد تم اختياره بالفعل للمنصب. لكن ذلك لم يمنع بوتفليقة – المرشح الوحيد – من الفوز بالإنتخابات. واختصر هذا الأخير مشروعه الإنتخابي في ثلاث نقاط أساسية : إنعاش الإقتصاد وإيقاف مسلسل العنف واسترجاعه المكانة الدولية للبلاد التي تضررت بسبب عقد كامل من الحرب الأهلية. وحصل مشروع “الوئام المدني” على الأغلبية الساحقة في استفتاء عقد عام 1999 والذي تم بموجبه العفو عن الإسلاميين المسلحين مقابل تركهم للعمل المسلح وتم دفع تعويضات مالية لضحايا ما سمي “بالعشرية السوداء”. ومكن القانون ألاف من مسلحي الجيش الإسلامي للإنقاذ، الجناح المسلح للجبهة الإسلامية المحظورة، من إلقاء السلاح والعودة لذويهم. ورغم تراجع حدة العنف فإن جماعات محدودة تابعة لما يسمى “قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي” لازالت ترفض التراجع عن العمل المسلح.

ورغم تراجع العنف في بداية الألفية الجديدة، فإن العلاقة بين الشعب والسلطات الحاكمة بقيت متوترة ومن الصعب ترميمها. فقد شهدت منطقة القبائل مشادات عنيفة عام 2001 بين المواطنين المحتجين والشرطة بعد وفاة شاب على أيدي قوات الدرك. وقد تسببت المشادات في وفاة وجرح المئات من المواطنين. وقد دفعت الأحداث الرئيس بوتفليقة إلى إدراج اللغة الأمازيغية كلغة وطنية في الدستور في محاولة منه لتهدئة الشارع الأمازيغي. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

وتسبب إرتفاع أسعار النفط في السوق الدولية منذ مجئ عبد العزيز بوتفليقة لسدة الحكم في زيادة مداخيل الدولة مما مكن من الشروع في إنجاز مشاريع طموحة في البنية التحتية وزيادة الدعم للمواد الأساسية والأجور لتحسين مستوى المعيشة. لكن الفساد الذي انتشر في جميع أجهزة الدولة أفشل الكثير من المشاريع التنموية في البلاد وكشف عن هدر للمال العام لم يسبق له مثيل منذ الإستقلال. وتمكن الرئيس بوتفليقة من إبعاد منافسيه في دوائر القرار الواحد تلو الآخر وبسط سيطرة “مجموعة وجدة” على الحكم التي حكمت البلاد بيد من حديد في عهد أحمد بن بلة وهواري بومدين. وفاز بوتفليقة بأربع عهدات متتالية رغم كبر سنه وعجزه في السنوات الأخيرة بعد إصابته بجلطة دماغية أفقدته القدرة على الحركة. وهذا فصل آخر من فصول الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

ورغم الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد عام 2011 في غمرة الربيع العربي وانهيار العديد من الأنظمة الأوتوقراطية في العالم العربي تحت ضغط الشارع، فإن نظام بوتفليقة رفض بثقة تامة التراجع عن سياساته مستغلا تخوف الشعب الجزائري من عودة كابوس الإرهاب الذي لا يزال عالقا في الأذهان. وفي الوقت الذي تراجعت فيه أسعار المحروقات إلى النصف بسبب إغراق السوق العالمية بالذهب الأسود وتزايد إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة فإن الميزانية الجزائرية بدأت تسجل أول عجز لها منذ سنوات. ولجأت السلطة للمزيد من احتياطات النقد الأجنبي لدعم الميزانية وزيادة المساعدات الاجتماعية لتهدئة الشارع. لكن العديد من المراقبين يعتقون أن هذه الحلول الترقيعية لن تصمد طويلا إذا استمرت أسعار النفط في الإنخفاض بسبب اعتماد البلاد كليا على النفط لاستيراد حاجياتها الأساسية وضعف النشاط الصناعي والزراعي. كل ذلك ينذر بتواصل مسلسل الصراع على السلطة الذي تعيشه البلاد منذ الإستقلال و الذي أهدر فرص ثمينة للتمنية وإقامة دولة العدالة والحريات التي نادى بها بيان ثورة نوفمبر المجيدة. والسؤال الأهم لو استمرت أسعار النفط على حالها وعجزت الدولة عن دعم المواد الأساسية : فهل سيعيد التاريخ نفسه وهل نحن بصدد الرجوع إلى نفس الظروف التي أدت لانتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1988 ؟ فرجوع إيران المنتظر للسوق النفطية سيشكل ضغطا جديدا على الأسعار في السوق الدولية.

ولو عدنا للنقطة التي بدأنا منها هذا المقال، أي أحداث غرداية، لتيقنا أن الصراع وإن كان في ظاهره مذهبيا وعرقيا فإنه قبل كل شيء صراع على الأراضي والسكن والموارد الأساسية للحياة الكريمة بعدما ضاقت مدينة غرداية بقاطنيها الذين تعايشوا معا لقرون طويلة. أحداث غرداية تجسد صراع الجزائريين البسطاء فيما بينهم على الفتات الذي ألقته السلطات للشعب في شكل مساعدات للسكن والتجارة بعدما فشلت في توفير التمنية الحقيقية والحياة الكريمة لجيل الإستقلال. نتمنى أن يدرك أطراف النظام الحاكم حجم الضرر الذي لحق بالمجتمع بسب صراعهم على السلطة الذي جمد أي مشروع تقدمي تنموي يجنب الجزائريين الصراع فيما بينهم ويضمن لهم العيش الكريم. لقد ألتهم الصراع على الحكم نصف قرن من عمر الجزائر المستقلة وأهدر فرص عديدة للنهوض بالبلاد آخرها الطفرة النفطية التي شهدتها الجزائر منذ 15 عاما والتي لو تم اغتنامها واستثمارها في مشاريع إنتاجية مدروسة لتحولت الجزائر إلى مصاف الدول الناشئة على غرار الهند والصين والبرازيل… وللحديث بقية.

الجزائر نت
 

الجزائر المستقلة : نصف قرن من الصراع على السلطة (ج1)

independance-dz
مشهد عن احتفالات الجزائريين بالإستقلال عام 1962

منذ اندلاع أحداث مدينة غرداية الأخيرة التي راح ضحيتها عشرات المواطنين – والتي تم تسويقها للرأي العام المحلي والدولي كأحداث عنف ذات دوافع طائفية وعرقية – أصبح الحديث عن المصير المجهول الذي ينتظر البلاد أكثر واقعية من أي وقت مضى. الصراع في غرداية والذي يجسد ميدانيا قبول البعض “بإقتتال الجزائريين” لأجل مصالح ضيقة يبين مدى هشاشة الحس الوطني والتأخر الرهيب الذي تعيشه البلاد في مختلف المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية بعد أكثر من نصف قرن من الإستقلال. كما يبين فشل وارثوا ثورة نوفمبر المجيدة في تحرير الشعب بعدما نجحوا في تحرير البلاد وفشلهم في إعداد جيل قادر على تجسيد الإستقلال الوطني الحقيقي وإرساء دولة القانون والحريات. لا نعتقد أن ثوار 1954 كانوا يريدون طرد المحتل لإقامة جزائر كجزائرنا اليوم، جزائر يتقاتل فيها الجزائريون على السلطة والثروة والمذهب والعرق والقبيلة. ثورة نوفمبر كانت في الأساس لاسترجاع شرف الجزائريين وهويتهم وحريتهم التى داس عليها الإحتلال الفرنسي منذ عام 1830 وهذا ما فشلت في تحقيقه الحكومات المتعاقبة منذ الإستقلال. 

دعونا نعترف أننا لحد اليوم لم ننجح في استرجاع شرفنا رغم رحيل قوات الإحتلال منذ عشرات السنين. لماذا ؟ بسب الصراع غير النزيه على السلطة وانفراد البعض بها لأجل مصالحهم الضيقة. فما وصلنا إليه اليوم ليس وليد عهد بوتفليقة فحسب، بل نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية تمتد لأكثر من نصف قرن من عمر الدولة الجزائر المستقلة. دعونا نعود للجزائر عشية استقلالها حتى نفهم أسباب الفشل الذي نعيشه اليوم الذي أرسى اليوم عوامل الكراهية والصراع بين الجزائريين بمختلف أطيافهم بعدما كانوا البارحة يدا واحدة ضد المحتل الأجنبي.

Ben_bella_and_Boumediene
الزعيمان هواري بومدين (يمين) وأحمد بن بلة (يسار)

ففي عام 1962 الذي نالت فيه الجزائر استقلالها – بعد ثورة مسلحة دامت ثماني سنوات و 132 من الإحتلال الفرنسي- طُرح مشكل “شرعية” السلطة المنبثقة عن فصائل جبهة التحرير الوطني المختلفة. لا أحد نفي أن هناك خلافات في صفوفها وهو يمتد إلى سنوات الثورة التي شهدت انقسامات في صفوف الثوار تم لحسن الحظ تجاوزها لإنجاح الثورة التحريرية وصد العدو الأجنبي المشترك. فقد رفض الكولونيل هواري بومدين، زعيم هيئة الأٍركان العامة لجيش التحرير الوطني، وآخرون اتفاقيات إيفيان بسبب ما اعتبروه تنازلات غير مقبولة من الحكومة الجزائرية المؤقتة لصالح الجانب الفرنسي.

ومنذ ذلك الحين شرع بومدين في التخطيط للإستيلاء على جبهة التحرير الوطني (والسلطة) بعد أن وضعت الحرب أوزارها. ولتحقيق ذلك بعث الشاب المقرب منه عبد العزيز بوتفليقة إلى فرنسا لإقناع محمد بوضياف الذي كان يقبع في السجن بالإنضمام لجماعة بومدين لكن دون جدوى. للإشارة فإن بوضياف تم القبض عليه من طرف قوات الإحتلال عام 1956 مع أعضاء من “المجلس الوطني للثورة الجزائرية” المنبثق عن مؤتمر الصومام – منهم محمد خيضر وحسين آيت أحمد وأحمد بن بلة – بعدما تم تحويل الطائرة المغربية التي كانوا يستقلونها في طريقهم للقاهرة إلى تونس. وقد تم إطلاق سراح زعماء جبهة التحرير المسجونين في فرنسا بعد عقد اتفاقيات وفق إطلاق النار في 19 مارس 1962. وبعد رفض بوضياف وحسين آيت أحمد الإنضمام لمعسكر “جماعة وجدة” توجه بوتفليقة لأحمد بن بلة وقد لقى ترحيبا من هذا الأخير أنتهى بقبوله التحالف مع بومدين.

وقد عكس مؤتمر طرابلس في ماي 1962 الإنقسامات العميقة في صفوف الزعماء الجزائريين الفاعلين حول مستقبل البلاد. وقد تم الاتفاق على تبني الإشتراكية كإيديولوجية رسمية للدولة الجزائرية الفتية وجعل جبهة التحرير الوطني التي قادت الكفاح المسلح كواجهة سياسية لنظام الحزب الواحد. ووصل الصراع حول الزعامة إلى أشده عندما رفض أعضاء الحكومة الجزائرية المؤقتة ترشيح أحمد بن بلة للرئاسة ودخولهم التاريخي إلى الجزائر العاصمة في الرابع من شهر جويلية/يوليو 1962 باعتبار أن الحكومة المؤقتة هي الممثل الشرعي للشعب الجزائري وهي التي تفاوضت مع الجانب الفرنسي وحصلت على اعتراف المجتمع الدولي. وبعد عودته للجزائر حصل بن بلة على دعم المناضل فرحات عباس رئيس الحكومة المؤقتة وشرع في إقصاء الأعضاء المناوئين له (محمد بوضياف وحسين آيت أحمد على الخصوص)  وقد عمل المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني في تلمسان على “شيطنة” الإدارة السياسية للحكومة المؤقتة ورفض “شرعيتهم الثورية”. وهذه أولى حلقات الصراع على السلطة في غمرة الإحتفالات بالإستقلال. وهكذا توالت المواجهات الدامية في الجزائر العاصمة بين مختلف فصائل “الولايات التاريخية” التي خاضت القتال ضد الجيش الفرنسي والتي أضحت متنافسة فيما بينها لأجل السلطة. وفي بداية شهر أوت/أغسطس 1962 دخل بن بلة وأنصاره بالقوة للجزائر العاصمة مدعومين بقوات العقيد بومدين وقد خلفت تلك المواجهات مئات القتلى من المواطنين الجزائريين. وكما يقول الحقوقي الجزائري علي يحي عبد النور، “فالثورة لا يملكهما من أشعلوها بل أولئك الذين أنهوها وسيطروا عليها باعتبارها غنيمة”.

هواري بومدين
الرئيس السابق هواري بومدين

وبعدما تم التحكم شيئا فشيئا في الفوضى التى سادت الجزائر العاصمة غداة إعلان الاستقلال تم تعيين فرحات عباس على رأس المجلس الوطني الجزائري وإعلان قيام “الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية” و انتخاب أحمد بن بلة كأول رئيس للبلاد. وحال تسلمه منصبه بدأ الرئيس في تطبيق الإيديولوجية الإشتراكية التي نادى بها بومدين وجعل اقتصاد البلاد تحت هيمنة الدولة. لكن أسلوبه الأتوقراطي في الحكم دفع بالكثير من الشخصيات الوطنية إلى التخلي عنه والتحول لمعارضين نذكر منهم محمد بوضياف ومحمد خيضر وفرحات عباس. ورد  الرئيس بن بلة ووزير دفاعه بومدين  بمنع الجمعيات والأحزاب وقمع كل أشكال المعارضة السياسية. وبناءا على ذلك تم إلقاء القبض على حسين آيت أحمد و الحكم عليه بالإعدام بسبب انتقاداته اللاذعة لنظام بن بلة الذي لا يعترف بالتعددية السياسية. لكن الرئيس الأوتوقراطي بدأ يفقد شيئا فشيئا ثقة الجيش فيه بقيادة هواري بومدين. وقد أكتشف بومدين بأن بن بلة ينوي تنحية حليفه القوي عبد العزيز بوتفليقة الذي كان يشغل منصب وزير في الحكومة وبأنه ربما سيحين دوره بعد ذلك. عندئد قام بومدين بإيحاء من بوتفليقة بتدبير انقلاب عسكري استباقي، أو كما يسميه أنصاره “التصحيح الثوري”، ضد نظام بن بلة في 19 جوان/يونيو 1965 مكنه من الاستيلاء على السلطة وبذلك تمكن الحليفان القديمان بومدين (الرئيس) وبوتفليقة (وزير الخارجية) من البقاء في دواليب الحكم حتى عام 1978. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

وحرص نظام بومدين الثوري على إعادة الجيش الوطني الشعبي – سليل جيش التحرير الوطني – إلى الواجهة وتحويله لجهاز للتسيير باعتباره السلطة الحقيقية في البلاد. ويشير المراقبون أن نظام بومدين كان أكثر أتوقراطية وديكتاتورية من نظام بن بلة الذي سبقه إذ اعتمد بشكل كبير على الشرطة السياسية لملاحقة المعارضين الذين قادوا الثورة التحريرية وقمعهم وإقصائهم من الحياة السياسية. وقد دفع محمد خيضر ثمن ذلك إذ اغتيل في مدينة مدريد الإسبانية عام 1965. واتسم عهد بومدين الإشتراكي بقرارات جريئة لتطوير الإقتصاد الوطني عن طريق ما سمي “بالثورة الزراعية” في القطاع الفلاحي وإقامة الصناعات الثقيلة المكلفة وسياسات أخرى ذات بعد ثقافي تسعى لإعادة الإعتبار للغة العربية في المدرسة والإدارة عن طريق “سياسة التعريب” بالموازاة مع تهميش المكون الآخر للهوية الجزائرية : اللغة والثقافة الأمازيغيتين. ولاشك أن نظام بومدين حصد الكثير من المؤيدين في الأوساط الشعبية بسبب إنجازاته الاقتصادية في الداخل ونجاحاته السياسية في الخارج في إطار حركة عدم الإنحياز ودعمه اللامشروط للحركات التحررية في العالم.

1-Chadli+Bendjedid
الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

لكن وفاة الرئيس المفاجئة في 1978 وضعت البلاد في أزمة إذ أن نظام بومدين الأوتوقراطي لم يترك أي آلية واضحة لانتقال الحكم. وإن لم يكن متوقعا أن يقع الاختيار على شخص غير معروف كالشاذلي بن جديد لتسلم منصب رئيس الجمهورية، فأن مؤتمر جبهة التحرير أختار بوضوح عقيد جديد لخلافة العقيد الراحل معززا دور العسكر في الحياة السياسية. وقد اعترفت شخصيات وطنية عايشت الحدث أن قاصدي مرباح، وزير المخابرات في عهد بومدين، هو الذي أختار من سيخلف الرئيس الراحل. واستهل الرئيس الشاذلي الحكم بإجراءات ملموسة لطي صفحة بومدين بإطلاق سراح السجناء السياسيين منهم فرحات عباس وأحمد بن بلة وإبعاد حليف بومدين القديم : عبد العزيز بوتفليقة. بعد ذلك توجه الشاذلي نحو تحرير الاقتصاد مما أثار شهية أطراف في السلطة تسعى للاستحواذ بالدينار الرمزي على المنشآت الصناعية التي خلفها نظام بومدين مستفيدة من الفساد الذي عم كل مفاصل الدولة. وأدى ذلك لبروز طبقة أوليغارشية شديدة الثراء في الوقت الذي يعاني فيه عامة الشعب من تدهور المستوى المعيشي جراء انهيار أسعار النفط وعجز الدولة عن توفير الحاجيات الأساسية للمواطنين.

من جهة أخرى شهدت سنوات الثمانينات بروز طبقة اجتماعية متعلمة وجماعات ذات خلفيات إيديولوجية مختلفة تنادي بإنهاء حكم الحزب الواحد والتوجه نحو التغيير الديمقراطي في البلاد. لكن النظام الحاكم رد بعنف ضد المعارضين بدءا بقمع حركة “الربيع الأمازيغي” (1980) المطالبة بإعتراف الدولة بالثقافة واللغة الأمازيغيتين ثم اعتقال المعارضين الآخرين للنظام بمختلف توجهاتهم الإيديولوجية. ولقطع الطريق أمام الناشطين اليساريين في أوساط الشباب الذين نشأوا في عهد بومدين تمت المصادقة على “قانون الأسرة” (1984) المثير للجدل والذي يعتبره المراقبون خطوة مهمة لدعم تيار المحافظين الإسلاميين. وتم بعد ذلك السماح للإسلاميين بالتغلغل في المجتمع عن طريق المساجد والمدارس والجمعيات الخيرية في الوقت الذي يتعرض فيه اقتصاد البلاد لأزمة عميقة بسبب تراجع أسعار النفط في أواخر الثمانينات. وفي هذه الظروف اندلعت المظاهرات الشبابية في أكتوبر/تشرين الأول 1988 وعمت مختلف أنحاء البلاد منذرة باندلاع “الربيع الجزائري” قبل عقود مما سمي “بالربيع العربي”. واغتنم الإسلاميون الفرصة وانضموا للمظاهرات التي خلفت المئات من الضحايا. وهذه حلقة أخرى من حلقات الصراع على السلطة في جزائر الإستقلال.

نتناول في الجزء الثاني مسلسل الصراع على السلطة في الجزائر منذ سنوات التسعينات إلى عهد عبد العزيز بوتفليقة.

الجزائر نت

كيف تحول الدعاة الإسلاميين من الوعظ الديني إلى التسويق التجاري ؟

القرني
الداعية السلفي السعودي عائض القرني في حملة إشهارية رمضانية لشركة “أوريدو”

كثيرا ما يُتهم الدعاة الإسلاميين الذين يسكنون الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي بأنهم تجار دين وأنهم يستغلون جهل المجتمعات العربية للسيطرة عليىها واغتصاب حريتها وشرعنة الأنظمة الديكتاتورية الموالية للقوى الغربية بينما ينفي المشايخ وأتباعهم ذلك مؤكدين بأنهم يريدون هداية الناس للطريق الصحيح.

لا أحد ينكر احتلال مشايخ الفضائيات للحقل الإعلامي بتشجيع من الأنظمة الرجعية التي همشت على مدى عقود جميع المثقفين المتنورين أيا كانت توجهاتهم الإيديولوجية خصوصا أولئك الذين ينشدون الحرية والديمقراطية. فشيخ الفضائيات خادم الأنظمة الرجعية يؤدي دور الكاهن “المُنوم” للمجتمع لثنيه عن أي محاولة للتغيير أو انتقاد الذات أو إعادة النظر في فهم الناس للنصوص وللتاريخ. وفي غياب المثقفين والأكاديميين عن الساحة الإعلامية، فالشيخ يؤدي دور الإمام والصحفي والخبير والمستشار في الأمور السياسية والإقتصادية والأستاذ الجامعي والكاهن المدافع عن “ولي أمره” والذي يتوعد العامة بالعقاب الشديد لو فكروا في إصلاح الوضع الراهن أو تغييره.

لكن شيخ الفضائيات والفيسبوك كغيره من نجوم التلفزيون والسينما يحب المال والشهرة رغم أنه لا يجد حرجا في دعوة الناس للزهد وترك ملذات الدنيا. وقد نشرت الصحف أرقاما خيالية عن الأرباح التي يجنيها الشيوخ الأثرياء الذين يملكون -على غرار نجوم موسيقى البوب والفن السابع- قائم بالإعمال يدير “صفقاته الدينية” وحارس شخصي يحميه من جنون المعجبين ومكائد الحاسدين. وما أثار انتباهنا مؤخرا هو لجوء مشايخ الوهابية على الخصوص لمزج الخطب والمواعظ الدينية بالدعاية للعلامات التجارية المختلفة مما يشكل تزاوجا مثيرا بين التيار الديني الأكثر تطرفا (الوهابية) والفكر الإقتصادي الأكثر انفتاحا وتحررا (الليبرالية). فكما هو معلوم فالسلفية الوهابية هي أشد التيارات الإسلاماوية رفضا للحداثة بمفهومها الغربي وللحريات وللديمقراطية. لكنها بالمقابل شديدة الإنفتاح على التيار الليبرالي في شقه الاقتصادي وعلى ملذات المجتمع الإستهلاكي الذي أفرزته الحضارة الغربية.

فإن كان مشايخ الوهابية يدعون الناس للزهد في شهر رمضان باعتباره محطة روحانية مهمة وعدم تحويله لمناسبة استهلاكية، فإنهم بالمقابل لا يترددون في تمرير رسائل إشهارية لبضائع مموليهم في صلب برامجهم التلفزيونية الرمضانية والتسويق للماركات التي تغدق عليهم بالأموال. فالشيوخ نجوم الفضائيات يجنون الأموال الطائلة والهدايا السخية “كغنيمة رمضانية حلال” والشركات المعلنة تحقق المزيد من الأرباح في السوق بالإعتماد على مواعظ الشيوخ باعتبارهم قادة رأي مؤثرين في جماهيرهم. فهذا الشيخ السعودي عائض القرني يتوجه لشركة أوريدو للهاتف المحمول بالإمتنان وهو بنفسه من ينشر الصورة مؤكدا هذه الثورة التسويقية التي أحدثها مشايخ الوهابية بالمزج بين الدعاية الدينية والتجارية. 

وفي مناسبة أخرى يظهر الشيخ كمعلن لشركة وصيف التي رعت أحد “مهرجاناته الدينية”.

وفي خرجاته الرمضانية التي يفتي فيها الشيخ والداعية السعودي العريفي للجمهور يستهل مداخلاته بإعلانات لسلسلة المتاجر “سيف غاليري” ولعلامة أرز “الشعلان” المعروفة في المملكة السعودية !

وعلى غرار عائض القرني، ينخرط العريفي في الترويج لشركة الإتصالات السعودية التي تغدق عليه الهدايا !

وبدون خجل عندما يتطرق لزكاة الفطر لا يتردد العريفي في تمرير رسالة إشهارية لعلامة الأرز (الشعلان) التي تذر الأموال عليه في برامجه الرمضانية. يا له من استغلال فاحش للدين !

 ويكرر “حيلته الإشهارية” ويعلن عن ماركة حلويات معروفة في المنطقة في خضم حديثه عن هدايا عيد الفطر !

وبدون أدنى حرج يشكر الشيخ لمموليه الذي تولى الإشهار لمنتوجاتهم في مواعظه الرمضانية ..

 هؤلاء المشايخ الذين يتهمون أي معارض لهم بالبدعة والضلال ويعتبرون أنفسهم حراس الدين النقي الخالي من البدع والثقافة الغربية المادية، هؤلاء الذين طالما انتقدوا اللليبرالية الغربية لأنها تبيع السيارات والعطور باستغلال صورة المرأة، أليس بالعمل الخسيس أن يبيعوا للناس دينهم مع كيس أرز مقابل حفنة دولارات ؟

لا مجال للمقارنة بين شيوخ الوهابية الرأسماليين الإستهلاكيين الذين استولوا على الرأي العام عن طريق الفضائيات والبترودولار ورجال الماضي الزاهدين الذين نشروا الرسائل الأخلاقية السامية بدون تشدد وتزمت وبدون متاجرة بعواطف الناس. يؤكد الكثير من المختصين بأن تعاظم انتشار التيار الوهابي المتشدد في أنحاء العالم في السنوات الأخيرة يعود للدور الكبير للبترودولار في تسويق هذا التيار الإيديولوجي للناس بالإستثمار في الشيوخ الإعلاميين وعن طريق المساعدات المادية المقترنة بالدعاية المذهبية. وبالنظر لتحالف الإيديولوجية الوهابية مع الرأسمالية الإستهلاكية في إطار استراتيجية تسويقية تخدم الطرفين، فإنه ليس من المستبعد أن تغزو الإعلانات التجارية أماكن العبادة وأن نرى قريبا شعارات في الفضائيات الدينية قائلة ” أعزائي المشاهدين، نقدم لكم خطبة الجمعة برعاية كوكا كولا” ! ولا يخفى على الجميع كيف تم تهديم معظم المعالم الأثرية في مكة المكرمة منذ أن استولى عليها الوهابيون وأمراء آل سعود الذين يرون في المعالم الأثرية “بدع وضلال” وأحجار لاتذر الأموال. وهاهم اليوم بصدد تهديم جميع آثار مكة المكرمة ومحو معالمها التاريخية ليتم بناء ناطحات سحاب و فنادق ومراكز تسوق فارهة لزيادة مداخيل الحج بعدما حولوا هذه الشعيرة الروحية إلى ممارسة شكلية و مناسبة استهلاكية وتجارية. أليس هؤلاء بالفعل “تجار دين” ؟

الجزائر نت

إلى متى سيتواصل غض الطرف عن شيوخ الكراهية ؟

الطائفية
كاريكاتير نشر في موقع onislam.net في مايو 2011

بعد موجة التفجيرات التي طالت مساجد الطائفة الشيعية في المملكة السعودية والكويت تتوجه الأنظار إلى شيوخ التيار السلفي الذين – تحت ضغط الشارع والسلطات الحاكمة – رفضوا بحياء العمليات الإنتحارية التي تهدد النسيج الاجتماعي في دول الخليج بالخصوص في السعودية والكويت والبحرين. أعمال العنف ضد الطائفة الشيعية وغيرها من الأقليات ليست جديدة في المنطقة، فقد تعرضت الطوائف المسيحية والأزيدية والكردية والدرزية في العراق وسوريا لأعمال العنف التي يقودها تنظيمات القاعدة و “الدولة الإسلامية” ذات الخلفية الإيديولوجية السلفية الجهادية. كل العمليات الإرهابية التي شهدناها في الأيام الأخيرة في الكويت ضد المصلين الشيعة وفي تونس ضد السياح الأجانب وفي فرنسا ضد مصنع للغازات الصناعية ارتكبها متطرفون سلفيون. هذه حقيقة لا جدال فيها. وبغض النظر عن أوضاعهم الاجتماعية فالقاسم المشترك بينهم هو هذه الإيديولوجية الراديكالية التي تدين بها بعض دول الخليج الثرية – التي تنتمي جزافا لما يسمى “محور الإعتدال” الموالي للغرب – و تصدرها لكل انحاء المعمورة عن طريق الشيوخ السلفيين الذين يغزون المنابر والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي. 

فهذا الشيخ الوهابي السعودي، الصحفي والنجم التلفزيوني والمدرس، محمد العريفي يتنبأ في إحدى تغريداته بأن “الرافضة” (أبناء الطائفة الشيعية) سيتخلون عند مذهبهم أو سيتم محوهم.

أما “الدكتور” الوهابي السعودي محمد البراك الذي يدرس في إحدى الجامعات السعودية أيضا فيحث على عدم التسامح مع “الرافضة” واستخدام القوة ضدهم.

وفي تغريدة أخرى يصرح بأن مؤسس مذهب الشيعة يهودي وأن أبناء هذه الطائفة مشركون!

أما الشيخ الوهابي والصحفي السعودي عبد العزيز الطريفي فيتحدث عن مؤامرة غربية-شيعية رافضا أي حوار أو تعايش مؤكدا بأن الشيعة ليسوا مسلمين.

وفي تغريدة أخرى يلجأ مرة أخرى لنظرية المؤامرة ويتحدث عن حلف صليبي-يهودي-شيعي  على الإسلام!

ويكرر تحذيره من هذا الحلف المسيحي-الشيعي المزعوم ضد الإسلام متناسيا أن ولي أمره ملك آل سعود هو أقوى حليف لأمريكا في المنطقة.

ويتفق معه “الدكتور” السلفي سعد البريك إذ يكرر اتهامه للشيعة بأنهم حلفاء للغرب الكافر ضد الإسلام.

أما “الدكتور” والأستاذ الجامعي السعودي الوهابي إبراهيم الفارس فهو يصرح بكل بساطة بأن الشيعة كفار دينهم مجوسي!

وبأن مذهبهم خليط من اليهودية والنصرانية والمجوسية والهندوسية.

وبأن الجهاد ضدهم من أفضل الطاعات!

ونختم هذا العرض الموجز لتصريحات مشايخ الإيديولوجية السلفية الوهابية بتصريح للشيخ الوهابي السعودي محمد البراك الذي يدعو فيه علنا إلى تدمير مساجد الشيعة وهذا ما طبقه داعش في السعودية والكويت.

 

 لا شك أن هجومات داعش ضد المساجد والكنائس في العراق وسوريا يتوافق حرفيا مع فتاوى هؤلاء الشيوخ الذين يمثلون التيار الوهابي-السعودي الرسمي الذي يُدرس في المساجد والجامعات وينشر عبر الفضائيات والكتب والمطويات “الدعوية” التي توزع مجانا في أنحاء العالم الإسلامي. المثير للإشمئزاز أنه ما إن وصلت موجة التفجيرات الإرهابية إلى مساجد الأقليات الشيعية في السعودية والكويت حتى تهافت هؤلاء الشيوخ المنافقين للتبرؤ من هذه الأعمال البربرية التي تضر “باللحمة الوطنية” كما أمرهم أمراؤهم. بعبارة أخرى، فتاواهم السياسية المتطرفة صالحة للخارج كالعراق وسوريا وباكستان وإيران – خدمة للسياسة الخارجية للملكة السعودية – و غير قابلة للتطبيق في الداخل السعودي لأن ذلك يهدد عرش آل سعود والوهابيين المتحالفين معهم. بالله عليكم، ألا يتحمل هؤلاء جزءا من المسؤولية عن مسلسل التفجيرات الإرهابية الذي تعيشه الدول العربية والإسلامية اليوم من باكستان إلى الجزائر فضلا عن الأعمال الإرهابية في الدول الغربية التي تُرتكب باسم المسلمين؟

نحن لا ننفي وجود خطاب متطرف عند الطوائف الأخرى لكنه ليس بذلك التأثير مقارنة بالخطاب السلفي الذي يتحدث باسم السنة وهم يشكلون الأغلبية من المسلمين. ثم إن الخطاب السلفي لا يكن العداء للشيعة فحسب، بل يقف بقوة ضد جميع الطوائف الأخرى من الصوفيين والإباضيين والإخوان المسلمين وقد لاحظنا تداول لهذه الأفكار المتطرفة أثناء الإشتباكات الطائفية-العرقية التي شهدتها مدينة غرداية في الجنوب الجزائري. وكلنا يتذكر تصريحات الشيخ السلفي الجزائري عبد الفتاح حمداش، قائد جبهة السلفية الحرة غير المعتمدة، الذي أهدر دم الكاتب كمال داوود ثم دعا مؤخرا للإعتراف بدولة “داعش” ومرحبا بسفارة لها في الجزائر.  ومن المعلوم أن كل الحركات الجهادية المتطرفة اليوم من القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية وحركة الشباب الصومالية وبوكو حرام وطالبان كلها تستلهم مبرراتها الإيديولوجية من الموروث السلفي. وبالإضافة لعدائها ضد جميع الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية الأخرى، فهي تتقاتل فيما بينها وتكفر بعضها بعضا في إطار صراعها على السلطة مثل النزاع بين سلفيي القاعدة و سلفيي داعش في سوريا وبين طالبان وداعش في أفغانستان. وإذ نضم صوتنا  لصوت الكاتب الفلسطيني عبد الباري عطوان الذي يتساءل عن نفاق الشيوخ السلفيين الخليجييين،

فنحن نتوجه بالسؤال لمسؤولينا : ألم يحن الوقت للإعتراف بكل شجاعة بمسؤولية الخطاب السلفي-الوهابي-السعودي في نشر العنف والكراهية في مجتمعاتنا واتخاذ التدابير اللازمة للجمه بدلا من الإستمرار في دس الرؤوس في الرمال ؟ إلى متى سيستمر غض الطرف عن خطابات شيوخ الكراهية؟

الجزائر نت

 

 

السعودية وإسرائيل : تحالف الإخوة الأعداء

كاريكاتير الإيكونوميست
كاريكاتير ظهر في جريدة الإيكونوميست يوم 13 يونيو/حزيران 2015

منذ أن كشفت صحف أمريكية في أوائل الشهر الجاري النقاب عن لقاء سعودي إسرائيلي ضمن ندوة مغلقة لمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن شارك فيها أنور عشقي ضابط الاستخبارات السعودي السابق ودوري غولد أحد كبار مساعدي رئيس الحكومة الإسرائيلية بن يامين نتنياهو، حتى عاد الحديث عن التقارب غير المعلن بين أهم حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط : “الدولة الصهيونية” و “المملكة الوهابية”.

والهدف المعلن من ذلك هو الوقوف في وجه النفوذ الإيراني الذي يشكل تهديد لإسرائيل، شرطي الشرق الأوسط الذي لا يقبل بأي دولة قوية منافسة في المنطقة تهدد مصالحه ومصالح حلفائه الغربيين. أما المملكة السعودية فهي مستعدة للتحالف مع الشيطان ليس دفاعا عن مصالح شعب الجزيرة العربية أو دينه كما يشاع -ولو كان الأمر كذلك لتفهمنا الموقف- ولكن للحفاظ على عرش آل سعود الذين يعملون جاهدين لضمان استمرارهم في الحكم بالتعاون أولا مع مشايخ الوهابية الذين يشرعنون سلطانهم ويلبسوه ثوبا إسلاميا شرعيا لا يجوز التفكير في إصلاحه أو تغييره، ثم مع الحلفاء الغربيين بناء على مبدأ “النفط مقابل الحماية” الذي أقرته معاهدة كوينسي (1945) بين مؤسس المملكة عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال سعود والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، وأخيرا التقارب الغريب الذي خرج للعيان مع إسرائيل كحليف يمكن التعويل عليه ضد الجارة إيران.

والحقيقة أن النظام السعودي الذي يعتمد على إذكاء الحروب ضد جيرانه العرب والفرس على حد سواء، حتى يضمن بقائه بالتنسيق مع القوى الغربية، يجري اتصالات سرية مع إسرائيل منذ زمن ليس بالقصير. فقد تواصل النظام السعودي مع إسرائيل بالتعاون مع البريطانيين إبان ثورة 26 سبتمبر اليمنية (1962-1970) التي قامت ضد المملكة المتوكلية وسخر ثرواته النفطية لتسليح خصومه  الجمهوريين المدعومين من بعض القوميين العرب. وهكذا استنزفت مملكة آل سعود الجيش المصري تحت قيادة جمال عبد الناصر  الذي زج ب70 ألف جندي لدعم الجمهوريين اليمنيين مما انعكس على أدائه في حرب 1967 ضد إسرائيل. 

وفي ثمانينات القرن الماضي أجرى النظام السعودي اتصالات سرية مع المسؤولين الإسرائيليين عن طريق سفير المملكة في الولايات المتحدة سيء الصيت بندر بن سلطان المقرب من المحافظين الجمهوريين وذلك لإجراء محادثات من أجل السلم في الشرق الأوسط. وبعد الثورة الإسلامية الإيرانية (1979) التي أطاحت بنظام الشاه الموالي لإسرائيل والولايات المتحدة، انخرطت السعودية كعادتها وبعض دول الخليج في الحرب غير المباشرة ضد العدو الجديد (إيران) ودعمت النظام العراقي (البعثي !) إبان الحرب العراقية الإيرانية أو حرب الخليج الأولى (1980-1988). وانقلبت السعودية على صدام حسين، الحليف الذي حارب 8 سنوات ضد إيران عدو آل سعود، عندما غزا الكويت واقترب من حدودها. عندئد نادى آل سعود ومشايخهم بضرورة استقبال المارينز الأمريكي على الأراضي المقدسة لتحرير الكويت وتدمير الجيش العراقي كما شاركوا بعدها في الحصار الإقتصادي والذي انتهى بالغزو الأمريكي للعراق سنة 2003. وقبل ذلك بعام واحد في غمرة تداعيات أحداث 11 سبتمبر، أطلق الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز ما يسمى بمبادرة السلام العربية (2002) التي تعرض تطبيع عربي شامل للعلاقات مع الكيان الإسرائيلي مقابل انسحاب إسرائيل لحدود 1967 المعترف بها دوليا والسماح بقيام دولة فلسطينية. وقوبلت هذه المبادرة بتجاهل كلي من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى يومنا هذا.

لكن الإتصالات بين إسرائيل والمملكة السعودية لم تتوقف بل شهدت نقلة نوعية منذ اندلاع ما يسمى “الربيع العربي” وعزوف إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الإنخراط في حرب مباشرة ضد النظام السوري وسعيه لعقد اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي المثير للجدل. وتتقاسم إسرائيل والمملكة السعودية نفس المخاوف من توصل القوى الغربية الكبرى وإيران لاتفاق قد ينهي عقود من العزلة و العقوبات الإقتصادية التي أنهكت الإقتصاد الإيراني. إسرائيل باعتبارها القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط تخشى أن تتمكن الجمهورية الإسلامية من تطوير قدراتها العسكرية غير التقليدية مما سيحدث توازنا في الرعب ويطلق يد إيران في دعم الحركات المعادية لإسرائيل كحزب الله في جنوب لبنان وحماس في قطاع غزة. أما المملكة السعودية فهي في صراع إيديولوجي مع إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية وتخشى أن تصدر إيران ثورتها لبلدان الخليج عن طريق استغلال الأقليات الشيعية الموجودة فيها مما يشكل خطرا على نظام الحكم الملكي المطلق في السعودية المتحالف مع التيار الوهابي المتطرف. كما تخشى المملكة السعودية في إطار صراعها على زعامة العالم الإسلامي (الملك يسمى خادم الحرمين !) أن يؤدي الإتفاق حول البرنامج النووي إلى رفع العقوبات الإقتصادية على إيران وإطلاق يدها في دعم الأقليات الشيعية في المنطقة. 

وكنتيجة ليأس النظام السعودي من إمكانية زج الولايات المتحدة لجيشها في حرب جديدة في الشرق الأوسط ضد إيران بالرغم من الصفقات الطائلة لصالح شركات السلاح الأمريكية والدعم المالي لمراكز البحوث السياسية لشراء دعم الهيئات المؤثرة في قرارات واشنطن، فإن أسرة آل سعود اختارت أن تتقرب من اللوبي القوي الموالي لإسرائيل في أمريكا في محاولة لشراء دعمه ضد “الخطر الإيراني المشترك” الذي يهدد السعودية وإسرائيل معا. وأشارت مصادر استخباراتية إلى أن السعودية وفي إطار سعيها لكسب ود اللوبي الإسرائيلي في واشنطن تكون قد أنفقت في الأعوام الأخيرة ما قيمته 16 مليار دولار لدعم البنية التحتية في إسرائيل وقد استخدم جزء منها في بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

ولاريب أن ترى اليوم الإعلام الدعائي السعودي يسوق بقوة للرأي القائل بأن إيران هي الخطر الداهم على المنطقة (المشروع الصفوي) والذي لقي مساندة من المؤسسة الدينية الوهابية الرسمية التي تحذر من “حملة تشييع” مفترضة للسنة ستقضي على الإسلام الصحيح! إذ أن أغلب الوهابيين يصرحون بأن الشيعة هم في النهاية مشركون وهذا ما يتم تنفيذه على الأرض بالتصفية المذهبية التي تقرها جماعات السلفية الجهادية كالقاعدة و تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا والعراق وحتى في السعودية التي شهدت تفجيرات ضد مساجد شيعية. وكنتيجة حتمية للدعاية السياسية والدينية القوية ضد إيران والتي جعلت من إسرائيل حليفا مقبولا، فإن صورة الدولة العبرية تحسنت بشكل لافت في المجتمع السعودي المحافظ مقابل تنامي العداء لإيران والشيعة بشكل لافت. وأشارت عملية سبر للآراء أجراها مؤخرا معهد إسرائيلي بالتعاون مع إحدى الجامعات الأمريكية أن 53% من السعوديون يعتبرون إيران عدوهم الأول، و 22% يرون أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يشكل خطرا على بلادهم. أما إسرائيل فتأتي في المرتبة الأخيرة إذ أن 18% فقط من المستجوبين يعتقدون بأن إسرائيل تشكل خصما للمملكة السعودية. 

واللقاء الأخير للجنرال السعودي أنور مع دوري غولد، أحد مساعدي بن يامين نتنياهو، ما هو إلا تحضير للرأي العام لتعاون مستقبلي علني بين المملكة السعودية وإسرائيل في الشرق الأوسط لردع طهران وكل بلد عربي قد يهدد سياسات محور تل أبيب-الرياض-واشنطن. والسعودية كانت دائما ضد الدول التي تهدد مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة : فقد وقفت ضد القوميين العرب بدءا بجمال عبد الناصر إلى صدام حسين، كما وقفت ضد الإسلاميين المعتدلين (الإخوان المسلمين) لما وصلوا للحكم في مصر مؤخرا واعتبرتهم خطرا عليها ودعمت الإنقلاب العسكري ضدهم، إذ انها تخشى فقدان زعامتها للعالم السني وترى وصول إسلاميين للحكم عن طريق الاقتراع تهديدا صريحا لنظام المملكة القائم على الملكية المطلقة بتزكية مشايخ الوهابية. واليوم تسوق السعودية للخطر الشيعي الإيراني الفارسي عن طريق الدعاية الدينية والسياسية وذلك يتقاطع بالطبع مع المشروع الإسرائيلي، فالمملكة ترى القوميين العرب العلمانيين والإسلاميين غيرالتابعين لها والشيعة والفرس كلهم أعداء لها ولإسرائيل.
وقد يسألنا أحدهم قائلا لماذا لا يحق للسعودية أن تتحالف مع إسرائيل إذا كانت دول عربية أخرى كمصر والأردن وغيرها تقيم علاقات سرية أو رسمية معها؟ والجواب هو أن هذه الدول تقيم علاقاتها مع إسرائيل في إطار ثنائي براغماتي (بغض النظر عن إيجابياتها وسلبياتها) ولا تهدف إلى حروب استباقية ضد دول أخرى في المنطقة، أما التقارب السعودي الإسرائيلي فسيكلف شعوب المنطقة حروبا مذهبية وعرقية لأجيال قادمة نظرا لتحكم المملكة في التيار السلفي-الوهابي الذي ينشر الكراهية والتكفير ضد خصوم أسرة آل سعود (تسييس للدين). فالبارحة كان القوميون العرب “شيوعيون ملحدون” بالنسبة للمملكة والإسلاميون المعتدلون “مبتدعة تافهون”. أما اليوم فجاء دور الشيعة إذ يصب علماء آل سعود الوهابيون جام غضبهم على “الروافض” والفرس رغم التكلفة الباهظة للطائفية -وقد بدأت السعودية نفسها في دفع ثمنها (تفجير “داعش” لمساجد الشيعة في المملكة)- لتبرير انخراطهم في حروب سوريا واليمن والعراق. وكل الدعاية الإعلامية والدينية التي نشهدها اليوم ضد الخطر الإيراني الداهم ما هي إلا وسيلة لتحضير الرأي العام المحلي والإسلامي لقبول التحالف بين دولة إسرائيل الصهيونية (الديمقراطية) -التي تسعى للحفاظ على مصالح أجيال الشعب الإسرائيلي الصاعدة- والمملكة السعودية الوهابية (الإستبدادية) التي لا هدف لها سوى الحفاظ على مزايا أحفاد عائلة آل سعود ومشايخ الوهابية المتحالفين معهم وتعزيز سطوتهم على خيرات البقاع المقدسة.

الجزائر نت